قانون يمنع الطعون القضائية.. ما دلالة تحصين صندوق مصر السيادي ضد المساءلة؟

تعديل وزاري جديد في مصر.. عودة وزارة الإعلام دون اختصاصات واضحة وبقاء الداخلية والخارجية دون تغيير
الحكومة المصرية حصنت الصندوق السيادي من المساءلة والرقابة الرسمية والشعبية والملاحقة القانونية (مواقع التواصل)

عبد الرحمن محمد-القاهرة

اعتمدت الحكومة المصرية منذ أيام، تعديلات جوهرية على قانون الصندوق السيادي المصري، تقضي بتحصين العقود التي يبرمها الصندوق ضد الطعون القضائية من طرف ثالث.

ونصت التعديلات التي أدخلتها الحكومة على مشروع قانون تأسيس الصندوق السيادي، الخميس الماضي، على ألا ترفع الدعاوى ببطلان العقود المبرمة من الصندوق، وكذلك القرارات أو الإجراءات التي يتخذها استنادا على تلك العقود، إلا من طرفي التعاقد دون غيرهم.

كما تنص تلك التعديلات تفصيلا على أنه لا يحق إلا للصندوق والجهة المالكة دون غيرهما، الطعن على قرار رئيس الجمهورية بنقل ملكية الأصول العامة إلى الصندوق السيادي، أو الإجراءات التي اتخذت بناء على هذا القرار.

ووفق خبراء اقتصاديين، فإنه بهذه التعديلات بات الصندوق السيادي للدولة محصنا بشكل كامل من المساءلة والرقابة الرسمية والشعبية والملاحقة القانونية، وهو الأمر الذي اعتبروه خطأ فادحا يفتح الباب أمام شبهات الفساد وإهدار المال العام.

وكان مجلس النواب المصري أقر منتصف 2018 تشريعا يقضي بإنشاء صندوق سيادي باسم "صندوق مصر"، بهدف استغلال أصول الدولة والتعاون مع المؤسسات والصناديق العربية والدولية.

ويعطي هذا التشريع الحق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بنقل ملكية أي من الأصول غير المستغلة المملوكة للدولة إلى الصندوق أو أي من الصناديق التي يؤسسها.

وحسب تصريحات رسمية وتقارير محلية، فإن رأس مال المستهدف للصندوق 200 مليار جنيه (12.5 مليار دولار)، مدفوع منها 5 مليارات جنيه (312 مليون دولار)، في حين توقع السيسي في تصريحات له أن يصل حجم الصندوق لأرقام غير مسبوقة، تصل إلى تريليونات من الجنيهات.

قبضة محكمة
يعتبر الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي أن تحصين الصندوق السيادي ضد المساءلة والطعون يأتي في إطار إصرار السلطة على إحكام قبضتها على المقدرات الاقتصادية.

وفي إطار الحديث عن الصندوق وطبيعته وأهدافه، يرى الصاوي في حديثه للجزيرة نت أن هناك حالة من عدم الشفافية تحيط بالموضع، فالصناديق السيادية عادة تأتي في إطار وجود فائض مالي، تبحث الدولة من خلاله لتحقيق مصالحها في الخارج، إلا أن مصر لا تمتلك تلك الفوائض المالية.

وأشار إلى أن مصر تعاني من فجوة تمويلية بموازنتها العامة، تصل إلى 438 مليار جنيه (24.5 مليار دولار)، تجمع عبر الاقتراض من الداخل والخارج، فضلا عن دين عام تراكمي، بلغ 3.4 تريليونات جنيه على صعيد المحلي و92.1 مليار دولار على الصعيد الخارجي.

ولفت إلى أن المخاوف من هذا التشريع سابقة على التعديلات التي عززت تحصينه، فمجرد إنشائه بقانون خاص رغم وجود آلاف الصناديق والحسابات الخاصة المنشأة في إطار القوانين القائمة، يشي بخصوصية له، تقوم على الاستثناء من اللوائح والقوانين الحكومية، وتتجاوز رقابة مجلس النواب.

وتعطي المادة الخامسة من قانون الصندوق الحق في الاستيلاء على أصول الشركات والمؤسسات العامة المملوكة ملكية خاصة للدولة، سواء كانت تلك الأصول مستغلة أو غير مستغلة، حيث تنص المادة على أنه لرئيس الجمهورية نقل ملكيات تلك الأصول للصندوق.

مصيبة كبرى
بدوره، يرى الخبير الاقتصادي ومدرس الاقتصاد بأكاديمية أوكلاند الأميركية مصطفى شاهين أن إنشاء هذا الصندوق هو صورة أخرى من الخصخصة وتدمير القطاع العام في مصر عبر بيع مرافقه.

ويعتبر شاهين في حديثه للجزيرة نت أن تحصين قرارات رئيس الجمهورية بشأن هذا الصندوق "مصيبة كبرى" تقطع الطريق أمام أي تفاعل شعبي لدى القضاء، كما حصل سابقا في الوقوف أمام بيع الدولة لشركة عمر أفندي وغيرها حين اشتكى مواطنون وحصلوا على أحكام توقف مساعي الدولة.

ويضيف الخبير الاقتصادي "السيسي يريد أن يدير الاقتصاد بطريقته كيفما شاء دون تدخل أو رقابة أو محاسبة، وهذه التعديلات تفتح أبواب الفساد على مصراعيها وتنذر بتدهور أكبر لاقتصاد البلاد، ولا يمكن توقع مردود إيجابي لها، فدور الدولة جلب الاستثمارات وتوفير البيئة اللازمة لذلك، لا بيع أصول الدولة".

وعن مصادر تمويل الصندوق، يؤكد الصحفي الاقتصادي عمرو خليفة أنه لا توجد معلومات واضحة عن ذلك، ذاهبا إلى أنه من الممكن أن تعتمد الحكومة على العوائد المرتقبة من طرح 23 شركة قطاع عام في البورصة، والتي أعلنت عنها الحكومة قبل أكثر من عام.

وأوضح خليفة في حديثه للجزيرة نت أن ما أعلن من تقديرات لرأس المال المصدر للصندوق (ما يعادل 312 مليون دولار) والمستهدف (ما يعادل 12 مليار دولار) مبلغ ضعيف وسط الصناديق السيادية الحالية التي تصل لنحو 800 مليار دولار في صندوق أبو ظبي و600 مليار دولار صندوق الكويت السيادي.

ويرى خليفة أن الغرض من تدشين الصندوق الجديد هو التوسع في إسناد تنفيذ المشاريع الجديدة لشركات تابعة للقوات المسلحة المصرية بالأمر المباشر، لتوسيع الهيمنة على الاقتصاد المصري دون رقيب أو حسيب.

استمرار الرقابة
في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن أهمية الصندوق السيادي المصري متوقفة على نظامه الأساسي وقواعد العمل الخاصة به، حيث يستهدف تجميع إدارة كافة الموارد المصرية غير المستغلة، وكذلك المنشآت المملوكة للدولة وغير مستغلة، أو موضوعة تحت حيازة بعض المواطنين دون سند قانوني.

ويعتقد عبد المطلب في حديثه للجزيرة نت أن الصندوق قد يتمكن من استعادة أصول الدولة المستولى عليها من البعض دون سند قانوني، وكذلك من تحصيل مستحقات الدولة مقابل حق الانتفاع الممنوح للبعض نتيجة استغلال المناجم والمحاجر وغيرها.

ويتوقع الخبير الاقتصادي أن يمثل الصندوق عامل جذب لبعض الاستثمارات الكبرى في مجالات إدارة الأصول وتحقيق عوائد أفضل لموارد الدولة، مستبعدا أن تكون تؤدي التعديلات الأخيرة على قانونه إلى رفع كل أشكال الرقابة على أعماله وقراراته.

المصدر : الجزيرة