10 آلاف يتنافسون على 100 منصب.. بطالة بمؤهلات عليا في غزة

يشعر الدكتور محمد أبو ركبة بالاحباط جراء الواقع المرير في غزة بفعل الحصار والانقسام -رائد موسى-الجزيرة نت
محمد أبو ركبة أنجز دراسة الدكتوراه خلال رحلة علاجه من إصابة بصاروخ إسرائيلي (الجزيرة)

رائد موسى-غزة 

"أصبحت مدمنا على متابعة كرة القدم وألعاب الفيديو"، هكذا يصف الدكتور محمد أبو ركبة حاله بعد نحو سبع سنوات من حصوله على شهادة الدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر من دون أن يحصل على فرصة عمل في غزة.

عندما تخرج أبو ركبة من "معهد البحوث والدراسات العربية" التابع لجامعة الدول العربية في القاهرة عام 2012، كان يحذوه الأمل بأن يشق طريقه في سلك التعليم الجامعي، لكنه اصطدم بالواقع المرير الذي يعاني منه قطاع غزة جراء الحصار الإسرائيلي والانقسام الداخلي، وعدم قدرة الجامعات المحلية على التوظيف جراء أزماتها المالية الخانقة.

واقع صعب
يقول أبو ركبة للجزيرة نت "عملت لفترة محدودة بنظام الساعات وبعائد مادي بسيط، فغالبية الجامعات في غزة تعاني من أزمات مالية خانقة وأصبحت تعتمد هذا النظام بدلا من التوظيف الدائم بهدف سد العجز في تخصصات تعاني من نقص في الكوادر الأكاديمية".

ورغم أن أبو ركبة (36 عاما) رضي بما هو متاح من عمل مؤقت لممارسة المهنة التي يحبها، ولإعالة أسرته المكونة من زوجته وأربعة أبناء، إلا أن هذا العمل لم يستمر طويلا، وتنقل بين جامعات عدة، قبل أن ينضم إلى "جيش" من حملة الشهادات العليا العاطلين عن العمل.

ولا تقتصر البطالة في غزة على المهنيين وغير المتعلمين، وتقدر إحصائية حديثة للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني معدل البطالة في جميع التخصصات التي تدرس حاليا في مؤسسات التعليم العالي في فلسطين بنحو 58% (40% في الضفة الغربية و77% في قطاع غزة).

هذا الواقع الصعب أصاب أبو ركبة بالإحباط، وجعله عاجزا عن التفكير في حياته ومستقبله، فانكب على متابعة دوريات كرة القدم العربية والعالمية، وألعاب الفيديو.

‪الدكتور محمد أبو ركبة ينحدر من عائلة لاجئة من قرية دمرة في فلسطين المحتلة‬ (الجزيرة)
‪الدكتور محمد أبو ركبة ينحدر من عائلة لاجئة من قرية دمرة في فلسطين المحتلة‬ (الجزيرة)

علاج وتعليم
ويستذكر أبو ركبة بكثير من الألم والحسرة تجربة السنوات الثماني التي قضاها خارج غزة بهدف العلاج من جروح بليغة أصيب بها جراء شظايا صاروخ أطلقته طائرة حربية إسرائيلية عليه عام 2004 بينما كان يقف أمام منزله في مخيم جباليا للاجئين شمال القطاع.

وقال "على مدى ثماني سنوات قضيت فترات طويلة خلالها خارج القطاع، وخضعت لعمليات جراحية عدة لزراعة فك وتجميل في الوجه، لكنني ورغم الآلام والأوجاع كنت أمتلك إرادة صلبة، وقررت خلال رحلة العلاج الالتحاق ببرنامج الدراسات العليا لنيل شهادتي الماجستير والدكتوراه في التاريخ".

وصمت أبو ركبة لبعض الوقت قبل أن يستكمل حديثه "كانت أمامي فرص عدة للهجرة إلى أوروبا خلال سنوات العلاج والتعليم التي قضيتها خارج غزة، لكنني فضلت العودة والعمل هنا لخدمة أهلي وشعبي".

و"لكن بعد سنوات من عودتي ماذا كانت النتيجة؟ لقد أصبحت خبيرا في شؤون كرة القدم والمسابقات الرياضية وانتقالات اللاعبين وأسعارهم، ومدمنا على ألعاب الفيديو وورق اللعب (الشدّة) أكثر من التاريخ الذي أعشقه ودرسته وتخصصت به"، يقول أبو ركبة بصوت لا يخلو من حزن ومرارة.

‪الضائقة المالية حرمت الدكتور محمد أبو ركبة من المشاركة في مؤتمرين علميين في قطر ومصر‬ (الجزيرة)
‪الضائقة المالية حرمت الدكتور محمد أبو ركبة من المشاركة في مؤتمرين علميين في قطر ومصر‬ (الجزيرة)

مؤلفات ومؤتمرات
وبفعل الضائقة المالية، حيث يعتمد أبو ركبة على مساعدة مالية من والده لإعالة أسرته، فإنه لا يكاد يغادر شقته السكنية ويقضي ساعات طويلة في غرفته التي توجد بإحدى زواياها مكتبة كبيرة تحتوي على عشرات الكتب والدراسات التاريخية، وفي الزاوية المقابلة يوجد جهاز تلفاز أصبح صديقه وأنيسه.

وقال أبو ركبة، الذي ألّف أربعة كتب أحدها يتم تدريسه في جامعة محلية في غزة، إنه أصبح يفتقد الشغف للبحث والدراسة شيئا فشيئا بعدما كان الكتاب صديقه المفضل.

واصطدمت طموحات أبو ركبة بالواقع المرير مرات عدة، وبسبب عدم امتلاكه القدرة المالية لم يتمكن في العام 2014 من المشاركة في مؤتمرين علميين في قطر ومصر لعرض دراستين حول السياسة الخارجية وأنفاق التهريب.

وكانت آخر إنجازات أبو ركبة العلمية مساهمته في موسوعة علمية تاريخية أعدها مركز التاريخ والتوثيق الفلسطيني في الجامعة الإسلامية في غزة عن حياة الشيخ الشهيد أحمد ياسين.

ويفتخر أبو ركبة بلوحة تحتل أحد جدران غرفته، قال إنها شجرة عائلته اللاجئة من قرية دمرة إبان النكبة في العام 1948، وقد استغرقت منه وقتا وجهدا كبيرين لإنجازها.

جيش بطالة
وتعليقا على حكاية أبو ركبة وأقرانه من حملة الشهادات العليا، وصف رئيس "اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار" النائب جمال الخضري واقع الحال في غزة بأنه "أسوأ وأشد قتامة".

وقال الخضري للجزيرة نت إن هناك ربع مليون عاطل عن العمل في غزة، في وقت تخرج فيه الجامعات سنويا نحو 10 آلاف من مختلف التخصصات، يتنافسون على نحو 100 فرصة عمل فقط.

وأكد أن الحصار الممتد للعام الثالث عشر على التوالي أصاب مناحي الحياة كافة في غزة بالشلل، وأغلق الباب بشكل شبه تام على توفير فرص عمل جديدة. 

المصدر : الجزيرة