موازنة 2020 بالسودان.. تحرير الوقود يهدد شهر العسل بين الشعب وحكومة الثورة

اتجاه الحكومة لرفع الدعم عن السلع والخدمات فاقم الهوة بينها وبين الائتلاف الحاكم وفق مصادر مطلعة
(الجزيرة)
اتجاه الحكومة لرفع الدعم عن السلع والخدمات فاقم الهوة بينها وبين الائتلاف الحاكم وفق مصادر مطلعة (الجزيرة)

أحمد فضل-الخرطوم

تقلب الحكومة الانتقالية في السودان خياراتها في موازنة العام 2020، في محاولة لتحاشي أو تخفيف الفاتورة السياسية والاجتماعية المترتبة على رفع الدعم الحكومي عن الوقود والقمح.

ورغم إعلان وزير المالية إبراهيم البدوي قبل شهرين أن الموازنة ستمول من أصدقاء السودان فإن هذه الوعود يصعب المراهنة عليها بعد تسريبات من اجتماع الأصدقاء بالخرطوم هذا الشهر مفادها نصائح بعدم التعويل على هذا التمويل.

وطبقا لمصادر موثوقة في قوى الحرية والتغيير للجزيرة نت، فإن الائتلاف الحاكم اتسعت الهوة بينه وبين حكومته بسبب اتجاه الأخيرة لرفع الدعم عن السلع والخدمات.

ووفقا للمصادر ذاتها، فإن قوى التغيير رفضت تبني سياسة رفع الدعم خوفا من ردة الشارع وتآكل شعبية حكومة الثورة، واقترحت على الطاقم الاقتصادي للحكومة السيطرة على إنتاج الذهب ومكافحة الفساد.

وإلى جانب ذلك، ترفض قوى يسارية في التحالف تبني الاقتصاد الليبرالي باعتباره وصفة للبنك الدولي أثبتت فشلها.    

تباين مواقف
ويقول عضو اللجنة الاقتصادية في قوى إعلان الحرية والتغيير عصام علي حسين إن اللجنة رفضت محاولات الحكومة لرفع الدعم عن السلع في الموازنة، واعترضت أيضا على تعديل سعر الصرف خلال اجتماع عقد الخميس الماضي مع وزير المالية.

ويشير حسين في حديث للجزيرة نت إلى أن اجتماعا لاحقا يوم الأحد الماضي جمع رئيس الوزراء ووزير المالية ولجنة الموازنة دفعت فيه قوى التغيير بملاحظات جوهرية بشأن مشروع الموازنة تضمنت التأكيد على أهمية استمرار الدعم ورفض تعديل سعر الصرف.

وأكد أن موقف التحالف مبدئي باعتباره المعبر الحقيقي عن نبض الشارع ويحس بمعاناته وتطلعاته.

ويضيف حسين أنه "سبق لجماهير شعبنا -بما فيها مكونات قوى الحرية والتغيير- أن رفضت هذه السياسات مرارا وتكرارا إبان النظام البائد، الموقف منطلق من عدم تحمل قطاعات واسعة هذه السياسات التي تزيد حدة الفقر".

قوى التغيير رفضت تبني سياسة رفع الدعم خوفا من ردة فعل الشارع (الجزيرة)

سيناريو صعب
وتصف الخبيرة الاقتصادية سهام الشريف رفع الدعم الحكومي بأنه سيناريو صعب لكن لا بد منه لتعافي الاقتصاد، لأن الضرائب والجمارك ورغم ارتفاعها لا تمثل سوى 16% من الإيرادات.

وطبقا لفيصل محمد صالح المتحدث باسم الحكومة وزير الثقافة والإعلام عقب اجتماع طارئ برئاسة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك يوم الأحد، فإن مجلس الوزراء شكل لجنة مصغرة للوصول إلى خيارات التدرج في رفع دعم البنزين والجازولين.

ورغم أن أول موازنة بعد الثورة تقترح رفع الأجور بنسبة 100% فضلا عن اعتماد دعم اجتماعي نقدي مباشر للفقراء فإن الشارع شديد التخوف من رفع الدعم حتى وإن كان عبر حزم متدرجة.

ويشكل مصطلح رفع الدعم شبحا مخيفا حتى للنساء العاملات في بيع زبدة الفول السوداني والبهارات في السوق المركزي للخضروات والفاكهة بالخرطوم بحري.

مخاوف الشارع
وتقول سميرة عبيد الله (43 سنة) إنها لا تعرف عن الاقتصاد شيئا، لكنها متأكدة من أن رفع الدعم يعني ارتفاعا شديدا في الأسعار، وهو ما لا تريده لأن الحال الآن يغني عن السؤال، حسب تعبيرها.

أما جارتها في السوق المركزي "أم كلثوم" فتبدي تخوفها من زيادة أسعار الفول السوداني في محال البيع بالجملة، قائلة إن شهر يناير/كانون الثاني -وهو موعد الموازنة الجديدة- أصبح شهرا غير مرغوب فيه.

لكن عيسى -الذي يعمل في بيع قصب السكر بلا تصريح من سلطات البلدية بسوق الخرطوم بحري- يبدو غير مكترث بالأمر، ويقول إنه سيزيد سعر بضاعته حال رفع الدعم.

ودائما ما تسببت حزم رفع الدعم الحكومي عن الوقود منذ عام 2012 في موجات غلاء طاحنة أدت إلى احتجاجات مميتة في سبتمبر/أيلول 2013 راح ضحيتها نحو مئتي قتيل.

وفي 19 ديسمبر/كانون الأول 2018 أشعل تضاعف سعر الخبز الاحتجاجات التي قادت في نهاية المطاف لإنهاء 30 سنة من حكم البشير.

‪عيسى بائع قصب السكر في سوق الخرطوم سيرفع سعر بضاعته في حال رفع الدعم‬ (الجزيرة)

صورة قاتمة
وعلى الرغم من أن سهام الشريف تصف الفاتورة السياسية والاجتماعية لرفع الدعم الحكومي بأنها قاسية فإنها في الوقت ذاته تقول إن الحكومة ليس أمامها سبيل سوى هذا الخيار.

ولا تستبعد سهام في حديثها للجزيرة نت نشوب احتجاجات، لكنها تقترح القيام بحملة توعوية لوضع السودانيين في الصورة القاتمة التي يعاني منها اقتصادهم.

وتشير إلى أن قيمة الجنيه تتهاوى، والتضخم يوالي الارتفاع، والناتج المحلي ينكمش بمعدل 2%، ونسبة المواطنين خلف خط الفقر بحوالي 70%، والبطالة مرتفعة، والأسر عاجزة عن الاستثمار رغم امتلاكها الأصول و"لا بد أن نربط الأحزمة".

وتعطي الخبيرة الاقتصادية مقارنة لتثبت أن دعم المحروقات والقمح يجبر الحكومة على تحمل فرق ضخم بين السعر المحلي للسلعتين وسعرهما العالمي بالدولار.

وتقول إن لتر البنزين يباع في السودان بنحو 0.09 دولار، في حين أن سعره عالميا 1.11 دولار، أما سعر طن القمح المدعوم في السودان فيبلغ 129.41 دولارا، وسعره العالمي يصل إلى 216.68 دولارا.

وتقترح تحرير السلعتين بالتدرج كما طرحت الحكومة، فضلا عن إقرار دعم حكومي متفاوت من سلعة لأخرى وفقا للفئات بحيث يذهب الدعم إلى مستحقيه من الفقراء.

‪‬  (الجزيرة)

حكومة على الحافة
تبدو القوى السياسية التي تشكل الائتلاف الحاكم أكثر تخوفا من المترتبات السياسية لرفع الدعم الحكومي لجهة أن رفع سعر الخبز كان الفتيل الذي أشعل الثورة من مدينة عطبرة.

ويحذر القيادي في حزب البعث السوداني محمد وداعة من أن سيناريو موازنة الحكومة يعتمد على تحرير السوق والدولار وزيادة الضرائب ورفع أجور شريحة محدودة من الموظفين في بلد يشتغل الملايين فيه بالزراعة والرعي والحرف الصغيرة.

وقلل وداعة في مقال له أمس الثلاثاء من جدوى الدعم الاجتماعي النقدي للفقراء، لأنه لا يتعدى 5 دولارات، وهو ما يعادل طبقي بيض أو كيلوغرامين من الطماطم.

ويحذر قائلا إن "هذا السيناريو خطير ولا يمكن إدارة حوار حوله لتعذر تطبيقه ويضع الحكومة على الحافة، وما ورد في الموازنة لا يتعلق برفع الدعم فقط، هذا السيناريو مهدد أمني وإستراتيجي".  

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

حذر وزير المالية السوداني من انهيار اقتصاد بلاده ما لم يتوفر تمويل بقيمة خمسة مليارات دولار؛ متاح منها مليارا دولار عبر صناديق التنمية العربية، وينتظر استكمال المبلغ من مصادر أخرى.

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة