عسكرة الاقتصاد أم اختلالات هيكيلية.. من المسؤول عن تدهور القطاع الخاص بمصر؟

السيسي مع قيادات عسكرية خلال إحدى المؤتمرات - حتى في المؤتمرات الاقتصادية يفوق العسكر عدد المدنيين
حتى في المؤتمرات الاقتصادية يفوق العسكر عدد المدنيين (مواقع التواصل)

محمود صديق-القاهرة

أظهر مسح نشرته وكالة رويترز قبل أيام أن أنشطة القطاع الخاص غير النفطي بمصر انكمشت في نوفمبر/تشرين الثاني للشهر الرابع على التوالي، لتهبط لأقل مستوى منذ سبتمبر/أيلول 2017.

وتراجع مؤشر "آي.إتش.أس ماركت" لمديري المشتريات بمصر إلى 47.9 نقطة في نوفمبر/تشرين الثاني من 49.2 نقطة في أكتوبر/تشرين الأول، ليقل عن مستوى الخمسين الفاصل بين النمو والانكماش.

فما أسباب تراجع أنشطة القطاع الخاص غير النفطي في مصر؟ وما تأثير ذلك على الاقتصاد المصري ككل؟ وما الحلول المقترحة على المديين القريب والبعيد؟

مؤشر آي إتش أس؟
تعكس قراءة مؤشر آي إتش أس ماركت لمديري المشتريات الأقل من 50 نقطة تراجع وانكماش نمو القطاع الخاص غير النفطي في أي دولة من خلال خمس ركائز رئيسية يعتمد عليها في التقييم تتمثل في الطلبيات الجديدة ومستويات المخزون والإنتاج وحجم تسليم الموردين إضافة إلى بيئة العمل والتوظيف.

ويكون احتساب المؤشر الخاص من خلال البيانات المستخرجة بعد إرسال مسح بشكل شهري لمديري المشتريات لمئات الشركات العاملة بها. ويهدف المؤشر إلى تقديم نظرة عامة دقيقة، وصورة واضحة عن ظروف عمل القطاع المذكور إلى صناع القرار والرؤساء التنفيذيين ومديري المشتريات بالشركات، وكذلك للمحللين الماليين.

يقول الخبير الاقتصادي أحمد العادلي إن الأرقام الصادرة عن وزارة التخطيط المصرية لا تختلف كثيرا عن نتائج مؤشر مديري المشتريات، حيث أوضحت تلك الأرقام الرسمية تراجع مساهمة القطاع الخاص في النمو الاقتصادي بنسبة تصل إلى 72% في الربع الأول من العام المالي 2016/2017 إلى 68% في العام المالي الذي يليه.

‪تتعدد لقاءات وزيرة الاستثمار سحر نصر مع الهيئات والمؤسسات الأجنبية لمحاولة جذب الاستثمارات‬ (مواقع التواصل )‪تتعدد لقاءات وزيرة الاستثمار سحر نصر مع الهيئات والمؤسسات الأجنبية لمحاولة جذب الاستثمارات‬ (مواقع التواصل )

قرارات غريبة
أرجع العادلي في تصريحات للجزيرة نت تدهور وضع القطاع الخاص والاستثمار إلى القرارات المالية الغريبة التي اتخذها البنك المركزي بموافقة سياسية، ويأتي على رأسها رفع سعر الفائدة بشكل كبير بحيث وصلت إلى 20% بعد تعويم الجنيه.

ولا شك أن هذا القرار -يكمل العادلي- الذي اتخذه البنك المركزي بغية امتصاص التضخم وفشل في مبتغاه كان له أثر سلبي على الاستثمار من ناحيتين، الأولى أن ارتفاع سعر الإقراض ساهم في تردد الكثير ممن يفكرون في إنشاء مشروعات خاصة أو تطويرها معتمدين على البنوك.

والثانية أن سعر الفائدة يقترب وربما يزيد عن نسب أرباح مشروعات كثيرة في ظل الركود التضخمي الذي تلا التعويم، وبالتالي فإن استثمار الأموال في ودائع بنكية بسعر الفائدة العالي أكثر أمانا من المغامرة في أجواء من التقلبات الحادة سياسيا واقتصاديا وتشريعيا، على حد تعبير العادلي.

ارتفاع سعر الإقراض
يرى الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن ارتفاع أسعار الإقراض تلاه تراجع في بيئة الاستثمار، فارتفاع تكلفة التمويل وجه أية أموال فائضة للاستثمار في أدوات الدين والسندات الحكومية لارتفاع صافي العائد، وانعدام المخاطرة، وكذلك تلاه تراجع كبير في الاستثمار الأجنبي المباشر.

وإذا أضفنا -حسب حديث النحاس للجزيرة نت- احتلال مصر لمراكز متأخرة في مؤشر التنافسية العالمي الذي يتبع المنتدى الاقتصادي العالمي، حيث تحتل مصر المركز 93 من بين 140 دولة، فإنه يمكن تفسير تراجع الاستثمار الأجنبي وبالتالي الاستثمار بكل أشكاله في مصر.

تراجع الاستثمار الأجنبي
يحتاج عودة الاستثمار الأجنبي المباشر إلى مصر لإصلاحات هيكلية لكل ما يعوق بيئة أعماله، وعلى رأسها زيادة شراكة القطاع الخاص في الاقتصاد مع مكافحة البيروقراطية، ومرونة سوق العمل، حيث إن تراجع دور القطاع الخاص سيؤدي بالضرورة إلى تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر، على حد قول الخبير الاقتصادي.

وطبقا لبيانات البنك المركزي عن ميزان المدفوعات، تراجع صافي الاستثمار الأجنبي المباشر بمصر خلال العام المالي 2018-2019 بنسبة 23.5% مقارنة بالعام المالي السابق له، حيث وصل خلال العام المالي الماضي إلى 5.9 مليارات دولار بعد أن تخطى 7.7 مليارات دولار خلال العام المالي 2017-2018.

عسكرة الاقتصاد
علل الخبير الاقتصادي الدكتور شريف الدمرداش، تراجع الإنتاج في مصر خلال الفترة الأخيرة بمحاربة الحكومة للقطاع الخاص لحساب المؤسسة العسكرية، مشيرا إلى أن النظام يسعى إلى ما أسماه تجييش الاقتصاد.

وأضاف الدمرداش-في تصريحات صحفية- أنه نتيجة لذلك يحجم الاستثمار الأجنبي الحقيقي الذي استوعب تجربة ستينيات القرن الماضي المتعلقة بالشراكة مع المؤسسات العسكرية الدكتاتورية في أميركا اللاتينية وأفريقيا عن الاستثمار في مصر.

وأشار الدمرداش إلى أن ارتفاع أسعار الإيداع والإقراض يؤثر بالسلب على الاستثمار، خاصة في ظل وجود الفساد الحكومي وشراسة مصلحة الضرائب الجبائية وظلم الممول، إضافة إلى تأثير معدل التضخم الكسادي العالي (حوالي 32%) الذي أدى إلى تآكل القوة الشرائية للجنيه المصرى، مما أثر في النهاية على الإنتاج.

 حلول
وأرجع الخبير الاقتصادي هاني توفيق تراجع مؤشر مديري المشتريات إلى انخفاض النشاط الاقتصادي المصاحب للهبوط في كل من التوظيف والدخول، وبالتالي الطلب على السلع والخدمات وانخفاض معدل التضخم، والناتج عن انخفاض السيولة في أيدي الناس.

وأوضح توفيق -في تصريحات صحفية- أن الحل الأمثل والأسرع لتلك المشكلة هو قيام البنك المركزي بضخ سيولة في السوق بوسائل عديدة، منها المبادرات الأخيرة التي أطلقها البنك بخصوص دعم الصناعة.

وعلى المدى الطويل يمكن للحكومة معالجة الأسباب الهيكلية لانخفاض الدخول، وتركز الثروة لدى الشركات وأصحاب الأعمال وليس العاملين، والعمل على تشجيع الاستثمار بكل أنواعه، والتصنيع والتشغيل، وزيادة الدخول بطريقة مستدامة، وليس فقط انتظار المبادرات من البنك المركزي، حسب رأي توفيق. 

وبلغ عدد العاملين في القطاع الخاص 22 مليون عامل حسب إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الصادر في 2018، بينما وصل عدد العاملين بالقطاع العام 5.6 ملايين عامل، ليصل عدد العاملين في القطاعين 28.86 مليون عامل.

ووصل عدد العاملين المثبتين في القطاع الخاص 6.2 ملايين مشتغل بنسبة 71.3% من العاملين في القطاع الخاص داخل المنشآت، وسبعة ملايين مشتغل خارج المنشآت بنسبة 21.8%، حسب بيان صادر عن القوى العاملة عام 2017.

تعديلات تشريعية
تناقش لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب المصري مشروع قانون مقدم من الحكومة بتعديل بعض مواد قانون تنظيم مشاركة القطاع الخاص بغية تشجيع مشاركة القطاع الخاص في مشروعات البنية الأساسية وتحقيق الحوكمة والشفافية، لتلافى المعوقات التي كشفت عنها التجربة العملية.

بعض هذه المعوقات يعود إلى عدم إلمام الجهات الإدارية بفلسفة نظام مشاركة القطاع الخاص في تلك المشروعات، والآخر لتعقد الإجراءات التي تمر بها مشروعات المشاركة من وقت إعداد دراسات الجدوى لها وحتى إسنادها للمستثمر الفائز بها، حسبما صرح به رئيس لجنة الخطة والموازنة بالبرلمان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

A man walks past an exchange bureau advertisement showing images of the U.S dollar in Cairo, Egypt, Feburary 21, 2016. The Egyptian pound held steady against the dollar at an official foreign currency auction on Sunday and on the black market, with traders limiting their transactions to regular clients after the central bank began cracking down on unofficial trading. REUTERS/Mohamed Abd El Ghany

دون مشاركة مجتمعية أو رقابية تمضي مصر في ظل حكم السيسي نحو المجهول، فالعديد من المشروعات الكبرى تمضي بلا دراسة جدوى، ولا تدبير واضح لمصادر التمويل. فماذا عن الاستثمارات الإماراتية؟

Published On 26/11/2019
المزيد من اقتصادي
الأكثر قراءة