بذكرى الثورة.. نار الأسعار تحرق أحلام المصريين

محمد سيف الدين-القاهرة

"عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية"، هتافات صدحت بها حناجر الثائرين في ميدان التحرير (أيقونة الثورة المصرية) إبان ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011.

هذا الهتاف البسيط لخّص ما عانى منه المصريون من أزمات خلال ثلاثين سنة من حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك (أطيح به بعد 18 يوما من ثورة 25 يناير)، وعلى مدار ثماني سنوات من عمر الثورة.

وتحل الذكرى الثامنة للثورة المصرية في ظل أزمة اقتصادية تتباين الآراء بشأن مدى تأثيرها على المصريين، وتبدو حالة القلق من الأوضاع واضحة في أعين المصريين، كما لا تفارق أغلب أحاديثهم اليومية، سواءً في وسائل المواصلات أو في المقاهي.

حراك الأسعار
إبراهيم الشافعي، شاب في العقد الثالث من عمره وأحد الذين شاركوا في ثورة 25 يناير، أبدى غضبه مما تعيشه البلاد من أوضاع اقتصادية صعبة، وتدهور القيمة الشرائية للجنيه المصري، والأعباء المالية التي أثقلت كاهله.

ومنذ الثورة المصرية وحتى اليوم، فقد الجنيه المصري نحو 150% من قيمته، حيث كان يبلغ سعر صرف الدولار 5.88 جنيهات إبان ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 حتى 30 يونيو/حزيران 2012.

وبعد الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي (في الثالث من يوليو/تموز 2013)، بلغ سعر الدولار نحو 7 جنيهات، ثم بدأ في الارتفاع بعد قرار "تعويم الجنيه" في الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني 2016 حتى بلغ 17.89 جنيها، وفق تعاملات البنوك المصرية اليوم، وبحسب ما رصد مراسل الجزيرة نت.

الشافعي شارك بثورة 25  يناير: "الحراك السياسي لم يعد يهمني كما كان من قبل ما يهمني الآن هو حراك الأسعار

هذا التدهور ليس الأخير، بل من المتوقع أن ينخفض سعر صرف الجنيه في العام 2019 أمام الدولار بنسبة تتراوح بين 5% و10%، بسحب توقعات لبنك الاستثمار "أتش سي".

ولمواجهة هذه التحديات المعيشة الصعبة، اضطر الشافعي -كما يقول للجزيرة نت- للعمل أكثر من 16 ساعة يوميا حتى يلبي احتياجات أسرته المكونة من زوجته وطفليه.

وأضاف "الحراك السياسي لم يعد يهمني كما كان من قبل، ما يهمني الآن حراك الأسعار.. الآن أنا أعمل 16 ساعة متواصلة، في الصباح موظف حكومي، ومساء محاسب في أحد مطاعم المأكولات الشهرية وسط القاهرة، وكل ذلك لتلبية طلبات أسرتي من مأكل وملبس ومشرب".

ويتابع "قبل الثورة كنت أنفق بمفردي في الأسبوع مئة جنيه، مواصلات وأكل وشرب، أما الآن بعد الزيادات المتكررة، فالمئة جنيه بالكاد تكفي يومين، وأنفقها على نفس الحاجات، فما بالك بباقي أفراد الأسرة".

وينفق المصريون أكثر من 41% من دخلهم على الطعام والشراب، بينما يستحوذ بند النقل والمواصلات على 6.3%، أما المسكن ومستلزماته (فواتير مياه وكهرباء وغاز وغيرها) فيستحوذ على 17.5%، وذلك وفق تقديرات حكومية صادرة في شهر أبريل/نيسان 2017.

وفي عام 2011، كانت نسبة الفقر بين المصريين 25%، لترتفع بعد ست سنوات إلى 35%، أي بعد تطبيق برنامج صندوق النقد الدولي، مما يعني وجود 30 مليون فقير في مصر حتى الآن، حيث انضم غالبية أبناء الطبقة الوسطى إلى فئة الفقراء، وذلك استنادا لأرقام وإحصائيات حكومية.

‪القدرة الشرائية للمصريين تدهورت بسبب  تراجع الجنيه المصري نحو 150%  منذ ثورة يناير‬  القدرة الشرائية للمصريين تدهورت بسبب  تراجع الجنيه المصري نحو 150%  منذ ثورة يناير (الجزيرة نت) 

لغة الأرقام
منذ ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 وحتى منتصف 2014، كان معدل النمو الاقتصادي مستقرا عند 2%، ومع ذلك فإن معدل ارتفاع الأسعار كان يتراوح بين 10.4% و12.5% في المتوسط، باستثناء عام 2012 الذي شهد انخفاضا كبيرا في التضخم ليبلغ 4.7%.

وبعد قرارات 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 -مع تعويم الجنيه ورفع الدعم جزئيا عن أسعار المحروقات-، وصل معدل التضخم السنوي إلى 15.6% في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء (حكومي).

كما تضاعف الدين العام المصري خمس مرات منذ ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 حتى عام 2018.

ففي ديسمبر/كانون الأول 2010 (آخر شهر من حكم مبارك)، بلغ إجمالي الدين العام المحلي في مصر 962.2 مليار جنيه (54 مليار دولار) بما يعادل 69.8% من الناتج المحلي الإجمالي، والدين الخارجي 34.9 مليار دولار بما يعادل 14.7% من الناتج المحلي الإجمالي.

أما في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، فقد ارتفع الدين العام المحلي إلى 3.536 تريليونات جنيه (198.6 مليار دولار) بما يعادل 86.8% من الناتج المحلي، أما الدين الخارجي فبلغ نحو 88.1 مليار دولار بما يعادل 36.8% من الناتج المحلي، وفق رصد لمراسل الجزيرة نت.

ويمثل الدين العام بمصر (محلي وخارجي) 123.6% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق أحدث بيانات صادر عن المركزي المصري نهاية مارس/آذار 2018.

ومن المتوقع ارتفاع الدين الخارجي لمصر ليصل 107 مليارات دولار بنهاية العام المالي الحالي 2018-2019، مقابل 92 مليار دولار في العام المالي السابق، وذلك بسبب تمويل فجوة تمويلية تبلغ 11.3 مليار دولار، وفق حسابات بنك الاستثمار "بلتون".

ويبدأ العام المالي في مصر مطلع يوليو/تموز حتى نهاية يونيو/حزيران من العام التالي، بحسب قانون الموازنة المصرية.

أما احتياطي النقد الأجنبي -الذي كان يبلغ 36 مليار دولار- فقد تراجع بنحو النصف خلال العام الأول للثورة ثم استمر في التدهور، قبل أن يعود للارتفاع في أكتوبر/تشرين الأول 2016 تزامنا مع قرار التعويم، حيث بلغ نحو 44.5 مليار دولار بنهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2018، وفق بيان حكومي حديث.

هذا الرقم يعتبر غير حقيقي، لأن الجزء الأكبر من الاحتياطي عبارة عن قروض خارجية، بحسب اعتقاد الخبير الاقتصادي مصطفى عبد السلام.

وقال عبد السلام "إذا تم خصم قيمة الالتزامات المستحقة على البنك المركزي من ديون وودائع مساندة وسندات وغيرها، أصبح الرقم الحقيقي 16 مليار دولار فقط وليس نحو 44.5 مليار دولار كما أعلنت الحكومة بنهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2018″.

‪مؤسسات مالية تتوقع ارتفاع الدين الخارجي لمصر إلى 107 مليارات دولار بنهاية العام المالي الحالي‬  مؤسسات مالية تتوقع ارتفاع الدين الخارجي لمصر إلى 107 مليارات دولار بنهاية العام المالي الحالي (الجزيرة)

هل الثورة هي السبب؟
وعما إذا كانت ثورة 25 يناير تقف وراء تدهور الاقتصاد المصري، رأى الخبير الاقتصادي ممدوح الولي عكس ذلك، موضحا أن الثورة صنعت جوا من الأمل وزيادة الثقة في قدرات المصريين على التحدي والإنجاز، وكان يمكن استثمار تلك الروح لبدء تأسيس نهضة شاملة في كل المجالات.

وقال للجزيرة نت إن القوى الخارجية والإقليمية وبعض القوى الداخلية خشيت تلك النهضة التي كانت ستمثل خطرا بالنسبة إليه، مضيفا أن هذه الدول كانت تخشى أن تتحول مصر من دولة مستوردة لدولة منتجة ومصدرة.

وتابع "القوى الغربية والشرقية ترغب في استمرار مصر سوقا استهلاكيا لتصريف منتجاتها، كما أن قوة مصر تعني زيادة قدراتها أمام إسرائيل التي يحرصون على استمرار تفوقها على دول الجوار".

 وفق إحدى الدراسات فق بلغ عدد القروض خلال السنتين الأوليين من حكم السيسي 35 قرضا بقيمة 31.5 مليار دولار

أما مدرس الاقتصاد بكلية أوكلاند الأميركية الدكتور مصطفى شاهين فيعتقد أن الثورة المصرية أثرت بطريقة غير مباشرة على تدهور الوضع الاقتصادي الحالي الذي تعيشه البلاد، وذلك من خلال تجميد رجال أعمال ونافذين من رجال مبارك رؤوس أموالهم وتحويلها لعملة أجنبية وتهريبها للخارج.

وفي عام 2012 قدر البنك الدولي حجم الأموال المصرية المهربة في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك بنحو 134 مليار دولار على مدى ثلاثين عاما، بينما أشار تقرير الاستثمار العالمي إلى أن حجم الأموال التي خرجت من مصر من 1 يناير/كانون الثاني 2011 حتى 31 ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه بلغت 7 مليارات دولار.

ولم تستطع مصر استرداد أي مبالغ من تلك الأموال، رغم تشكيل العديد من اللجان، كان آخرها اللجنة القومية لاسترداد الأموال والأصول والموجودات في الخارج (أنشاءها السيسي في 2015)، التي أنفقت 32 مليون جنيه على هذا الملف، وفق تقديرات صحفية.

وباعتقاد شاهين، هناك سبب آخر يقف وراء تدهور الأوضاع الاقتصادية المصرية، وهو صفقات الأسلحة غير المبررة التي أقدم عليها السيسي، فضلا عن التوسع في الاقتراض.

وخلال السنتين الأوليين من حكم السيسي، وصل عدد القروض إلى 35 قرضا بقيمة 31.5 مليار  دولار، وفق دراسة أعدها الباحث جمال غيطاس في نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

أما صفقات الأسلحة فقد بلغت 24 صفقة منذ يوليو/تموز 2013 وحتى الآن بقيمة 150 مليار جنيه،  وفق تقديرات صحفية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

بسبب غلاء الأسعار، أصبح الموظفون في تونس يلجؤون لأكل البيض المسلوق على قارعة الطريق، وهذا المشهد يعكس حجم تدهور قوتهم الشرائية في بلد يعيش واقعا اقتصاديا واجتماعيا صعبا بعد الثورة.

المزيد من اقتصادي
الأكثر قراءة