الأسواق الحكومية بتونس.. بديل أم دعاية؟

جانب من فضاء من المنتج للمستهلك/شارع الحبيب بورقيبة/العاصمة تونس/مايو/آيار 2018

خميس بن بريك-تونس

لم يرغب العم جيلاني بكسر خاطر زوجته لزيارة أول فضاء بيع من المنتج للمستهلك افتتح بقلب العاصمة تونس بداية شهر رمضان، ممنيا النفس بأن يعثر على سلع أقل غلاء. لكن بعد عناء التنقل من مدينة بن عروس المجاورة، اصطدم العجوزان بواقع مغاير لما تم التسويق له عبر وسائل الإعلام.
 
وراء الساعة الشامخة في قلب شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة تونس، تتسارع خطوات بعض المارة لاكتشاف ما تخبئه الخيمة العملاقة المخصصة لعرض منتجات فلاحية بأسعار قيل إنها مدروسة، وبينما تطأ أقدام الزائرين هذا الفضاء، يعبر العم جيلاني مع زوجته بالاتجاه المعاكس للخروج مستاءيْن.

تبدو الأجواء داخل الخيمة شبيهة بحركية الأسواق التجارية الأخرى حيث تختلط أصوات المشترين بالباعة وتتزاحم الطوابير أمام مختلف السلع المعروضة.

لكن عدم اختلاف الأسعار بشكل ملفت مقارنة ببقية الأسواق المحيطة جعل العجوزيْن يقرران التوجه إلى السوق المركزية البعيدة مئات الأمتار.

‪العم جيلاني لا يجد فرقا بين هذه السوق الخاصة والأسواق العادية من حيث الأسعار‬ (الجزيرة نت)‪العم جيلاني لا يجد فرقا بين هذه السوق الخاصة والأسواق العادية من حيث الأسعار‬ (الجزيرة نت)

سخط
تمتزج تجاعيد الكبر بعلامات الإحباط على وجه العم جيلاني الشاحب قبل أن يقول للجزيرة نت إن أسعار المنتجات لا توفر سوى مئات الملاليم تتبخر بكلفة المواصلات وعناء التنقل، ممسكا بيده كيسا وحيدا اشتراه من السوق وبداخله كيلوغرام واحد من سمك "الدوراد" المستزرع بـ11 دينارا (4 دولارات).

فوق الرصيف الفسيح الذي يشق شارع الحبيب بورقيبة الرئيسي بالعاصمة تونس، يجر العم جيلاني -وهو سائق متقاعد من وزارة الفلاحة- قدميه المتثاقلتين متجها للسوق المركزية المجاورة، في حين تلتقط خلفه زوجته أنفاسها وهي تدفع بيدها قفة مجرورة لم تمتلئ سوى بكيس الحوت لا غير.

تظهر علامات التعب على وجه الزوجين مع استقرار الشمس بكبد السماء فيما يزداد شعورهما بالإحباط بسبب صعوبة عبورهما الطريق المحاذي لتمثال ابن خلدون، فهناك تختنق حركة المرور ولا يجد المارة رصيفا بسبب التلال الحديدية الشائكة والجنود المرابطين حول السفارة الفرنسية بتونس.

وبعد وصولهما للسوق المركزية الغنية بالأسماك الطازجة ومختلف أنواع الخضر والفواكه، يقول العم جيلاني للجزيرة نت إنه يرضى بشراء منتجات أكثر غلاء من هنا رغم ضعف معاشه مقابل اختيار بضاعته على أن يشتري منتجات أسعارها متدنية بشكل طفيف دون أن يتركه الباعة يختار ما يشاء.

‪عبد الله جابري اعتبر أن إعلان الحكومة عن بيع منتجات فلاحية بأسعار منخفضة ليس سوى دعاية زائفة‬ (الجزيرة نت)‪عبد الله جابري اعتبر أن إعلان الحكومة عن بيع منتجات فلاحية بأسعار منخفضة ليس سوى دعاية زائفة‬ (الجزيرة نت)

مسكنات
هذا الموقف ليس حكرا عليه، فقد أكد عبد الله جابري -وهو أستاذ فلسفة متقاعد- للجزيرة نت أن الفضاء من المنتج للمستهلك ليس سوى مسكنات غير قادرة على دعم القوة الشرائية المتدهورة للمواطنين الذين "أصبحوا يعانون من حالة الاغتراب والإحباط بسبب غلاء الأسعار لا سيما في شهر رمضان".

ويوضح جابري أن إعلان تخفيض الأسعار داخل هذا الفضاء من قبل وزير الفلاحة بنسب تتراوح بين 15 و30% هي مجرد دعاية زائفة للحكومة الحالية بأنها تقف إلى جانب المواطن البسيط، لكن الحقيقة هي أن تلك التخفيضات المعلنة بسيطة جدا لا تسمن ولا تغني من جوع، بناء على شهادته.

أسعار مقبولة
أما منصف الموظف التونسي في شركة خاصة فيقول للجزيرة نت إنه بقطع النظر عن أسعار السمك الباهظة تبدو أسعار بقية المنتجات المعروضة بالفضاء من المنتج إلى المستهلك معقولة بما في ذلك أسعار اللحوم الحمراء المحددة بقرابة 20 دينارا (8 دولارات) مقابل 25 دينارا ببقية الأسواق التقليدية.

ومع ذلك فإنه يرى أن الكميات الموجودة من اللحوم الحمراء محدودة ولا تلبي الطلب المتزايد عليها، مقارنة ببقية المنتجات الفلاحية الأخرى كالغلال والخضر ومشتقات الدواجن وغيرها والتي تبقى أسعارها مقبولة وتراعي المقدرة الشرائية للمواطن في ظل ارتفاع معدل التضخم بنسبة 7.7%.

‪لسعد شعبان قال إن وزارة الفلاحة شرعت في توفير 22 سوقا من المنتج للمستهلك‬ (الجزيرة نت)‪لسعد شعبان قال إن وزارة الفلاحة شرعت في توفير 22 سوقا من المنتج للمستهلك‬ (الجزيرة نت)

تدخل للتعديل
من جهته يقول لسعد شعبان المندوب المسؤول عن سير فضاء من المنتج للمستهلك التابع لوزارة الفلاحة إن فكرة تنظيم هذا السوق تنبع من وعي الوزارة بغلاء الأسعار وإرادتها في التدخل لتعديل الأسعار من خلال ضخ كميات من المنتجات الفلاحية بأسعار متدنية يتولى بيعها فلاحون مباشرة.

ويؤكد للجزيرة نت أنه لا يوجد أي وسيط تجاري في هذا الفضاء يمكنه أن يؤثر في رفع الأسعار، موضحا أن دوره يتمثل صباح كل يوم باكر في السهر على حسن تزويد الفضاء بمختلف المنتجات التي يحتاجها الناس، وتحديد الأسعار ومراقبتها، وسماع شكايات المواطنين إن وجدت لمعالجة الأمور.

ويقول إن وزارة الفلاحة شرعت بتوفير 22 نقطة بيع من المنتج للمستهلك لأول مرة بكامل مناطق البلاد طيلة 20 يوما من شهر رمضان بهدف التأثير على تجار الأسواق المحيطة حتى يعدلوا أسعارهم باتجاه التخفيض تماشيا مع الأسعار المتداولة بتلك الفضاءات كأحد الحلول لكبح جماح الغلاء.

المصدر : الجزيرة