شبح الفقر بالضفة.. الحاضر الغائب في صفقة القرن

بكر ياسين اشتية

كثيرا ما تثار تساؤلات محيرة من قبل العامة حول حقيقة الأوضاع الاقتصادية للمواطن الفلسطيني، تساؤلات مفادها كيف لشعب نصفه يقبع وفق مستويات دخله تحت خط الفقر، ونصف شبابه عاطلين عن العمل، ومعدلات نمو ناتجه المحلي الإجمالي بالكاد تغطي معدل نمو سكانه، ويلتزم بدفع كافة أشكال الضرائب التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على مواطنيه مع الفارق الكبير في معدلات الدخل، كيف لهذا الشعب أن يمتلك معظم أفراده السيارات الفارهة والعقارات، وتنتشر في كافة أراضيه وسائل الترفيه، إضافة للمدارس والمستشفيات الخاصة الباهظة الكلفة، والراحة المنزلية من اتصالات وخدمات الإنترنت والتكييف وغيرها الكثير؟

فهل نحن فقراء كما تشير الأرقام والإحصاءات الاقتصادية؟ أم نحن أغنياء وفقا لما نلاحظه من أنماط استهلاكنا ومعيشتنا؟

اقتصاد ثنائي
للإجابة عن هذا السؤال لا بد من فصل مؤشرات اقتصاد الضفة الغربية عن قطاع غزة، فبلغة الأرقام، ارتفعت معدلات الفقر في قطاع غزة من 39% عام 2011 إلى 53% عام 2017، في حين انخفضت تلك النسب في الضفة الغربية من 17.6% إلى 13.9% في الفترة ذاتها، أي أن معدلات الفقر وفقا لأنماط الاستهلاك في قطاع غزة تبلغ أربعة أضعاف مثيلاتها في الضفة الغربية.

وإذا ما ربطنا معدلات أجور العمال الفلسطينيين بكل من خط الفقر والحد الأدنى للأجور للعام 2017، نجد أن متوسط الأجر الشهري للعامل الفلسطيني في الضفة الغربية يصل إلى سبعمئة دولار، وهو بالمتوسط أعلى من الحد الأدنى للأجور الذي يبلغ 408 دولارات، ومن خط الفقر الوطني الذي يبلغ 695 دولارا. في حين أن متوسط أجر العامل الفلسطيني في قطاع غزة لا يتجاوز 365 دولارا، أي أدنى من كل من الحد الأدنى للأجور ومن خط الفقر.

من غير المنطقي أن يتباكى بعض الأكاديميين والإعلاميين في الضفة الغربية على تدني المؤشرات الاقتصادية التي تظهر على مستوى المناطق الفلسطينية، حيث إن فصل تلك المؤشرات لشطري الوطن يُظهر استقرارا نسبيا لاقتصاد الضفة من حيث الدخل والإنفاق والتشغيل ومستويات المعيشة على حساب مؤشرات اقتصاد القطاع.

وبحسبة سريعة نجد أن 16% فقط من المستخدمين بأجر في القطاع الخاص بالضفة الغربية يتقاضون أقل من الحد الأدنى للأجور، بينما ترتفع تلك النسبة إلى 74% في قطاع غزة. علما أن متوسط إنفاق الفرد الشهري النقدي في الضفة وصل إلى 310 دولارات خلال العام 2017 (ارتفاع بنسبة 17% عن العام 2011)، مقابل 128 دولارا للفرد في قطاع غزة (انخفاض بنسبة 17% عن العام 2011).

الأمر ذاته ينطبق على معدلات البطالة للعام 2017 التي بلغت 44% في قطاع غزة، وهي نسبة تشكل الحصة الكبرى من جيش العاطلين عن العمل في المناطق الفلسطينية الذي يصل إلى 364 ألف عاطل، في حين لم تتجاوز تلك النسبة 18% في الضفة الغربية.

من كل ما سبق نقول إنه من غير المنطقي أن يتباكى بعض الأكاديميين والإعلاميين في الضفة الغربية على تدني المؤشرات الاقتصادية التي تظهر على مستوى المناطق الفلسطينية، حيث إن فصل تلك المؤشرات لشطري الوطن يُظهر استقرارا نسبيا لاقتصاد الضفة من حيث الدخل والإنفاق والتشغيل ومستويات المعيشة على حساب مؤشرات اقتصاد القطاع.

مصادر التمويل
لكن ما حقيقة ودلالات ارتفاع القدرة الاستهلاكية لمواطني الضفة الغربية؟ وما المقومات الاقتصادية التي ارتكزت عليها؟ للإجابة عن هذا السؤال لا بد من استعراض مصادر تدفق الدخل الرئيسية للضفة الغربية والتركيبة القطاعية لهيكل الإنفاق فيها.

بداية تجدر الإشارة إلى أنه خلال العام 2017 استوعب الاقتصاد الإسرائيلي ما لا يقل عن 145 ألف عامل فلسطيني من الضفة الغربية، (يمنع سكان القطاع من العمل هناك منذ العام 2007)، علما أن متوسط أجر العامل الفلسطيني في دولة الاحتلال تبلغ أربعة أضعاف متوسط أجر العامل الفلسطيني في قطاع غزة، ما يعني تدفقات نقدية سنوية تقدر بقرابة 3.3 مليارات دولار تغذي القدرة الاستهلاكية لمواطني الضفة الغربية.

نسبة الفقر في قطاع غزة ارتفعت إلى 53% عام 2017(الجزيرة-أرشيف)

أما المصدر الثاني للدخل في الضفة الغربية فيعتمد على مستحقات الضرائب والجمارك على مشتريات الفلسطينيين من المنتجات الإسرائيلية ومنتجات العالم الخارجي فيما يعرف ببند المقاصة، الذي شكّل أكثر من 2.5 مليار دولار في موازنة السلطة الفلسطينية للعام 2018 تغطي كامل بند الرواتب والأجور التي تدفعها السلطة لقرابة مئتي ألف موظف فلسطيني يعملون في الجهازين المدني والأمني.

ويأتي بند المساعدات والقروض والمنح المقدمة للسلطة الفلسطينية ثالثا من حيث مصادر الدخل والتمويل الخارجي، فرغم تذبذب تلك التدفقات تبعا لموقف ومزاجية المانحين تجاه المفاوضات والعملية السلمية مع دولة الاحتلال، فإن هذا البند غذى المالية العامة للسلطة الفلسطينية بما متوسطه مليار دولار سنويا خلال السنوات الخمس الأخيرة، وجهت في معظمها إلى بنود النفقات الجارية الاستهلاكية.

ومع إضافة التدفقات النقدية السنوية التي يضخها فلسطينيو الداخل (فلسطينيو الـ 48) في أسواق الضفة الغربية، نجد أن مجموع ما تحصل عليه الضفة الغربية من مصادر تمويل خارجي يتجاوز سبعة مليارات دولار سنويا تغذي مصادر الدخل والقدرة الشرائية للضفة الغربية، في حين يُحرم قطاع غزة من جل تلك التدفقات.

خلل في هيكل الإقراض
من المثير للدهشة تتبع الكتلة النقدية المتداولة من خلال الجهاز المصرفي في الضفة الغربية، فقد قُدّرت مدخرات الأفراد (الودائع البنكية) للعام 2017 في الضفة بقرابة 9.9 مليارات دولار، وهو رقم مساو تقريبا للناتج المحلي الإجمالي للضفة الغربية للعام ذاته، في حين لم تتجاوز ودائع قطاع غزة في الجهاز المصرفي 1.1 مليار دولار، أي أقل من ثلث الناتج المحلي الإجمالي للقطاع.

أما التسهيلات الائتمانية المقدمة للفلسطينيين، فقد أظهرت انحيازا واضحا لنمط الإنفاق الاستهلاكي المعزز بثقافة المحاكاة في الإنفاق، فقد ارتفعت التسهيلات الاستهلاكية المباشرة على سلع السيارات والأثاث وغيرها من سبعين مليون دولار عام 2008 إلى 1.45 مليار دولار عام 2017، أي بزيادة تقترب من 2000% (87% منها للضفة الغربية)، وكذلك الحال في تسهيلات العقارات التي ارتفعت من 223 مليون دولار عام 2008 إلى قرابة 1.5 مليار دولار عام 2017، بزيادة 573%. في حين لم تتجاوز التسهيلات الصناعية والزراعية 320 مليون دولار، و150 مليون دولار على التوالي للعام نفسه.

يبدو أن فكر السلام الاقتصادي في صفقة القرن يراهن على التقبل التدريجي للمكونات الاجتماعية والاقتصادية للأسر في الضفة لفكرة التعايش الفلسطيني الإسرائيلي الذي يضمن انسيابا واستقرارا لرواتب وأجور أكثر من 345 ألف رب أسرة ما بين موظف في أجهزة ومؤسسات السلطة من جهة، وعامل في اقتصاد الاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى.

من كل ما سبق نلاحظ أن الكتلة النقدية السائلة في الضفة الغربية تعتمد في المقام الأول على مصادر التمويل الخارجي، سواء كانت بالمساعدات والقروض والمنح، أو بتدفقات نقدية من فلسطينيي الداخل المحتل عام 1948، أو من تحويلات ضريبية إسرائيلية للسلطة الفلسطينية على مشترياتها من السلع المستوردة، بينما تضعف قدرة القطاعات الإنتاجية الصناعية والزراعية الفلسطينية على توليد التدفقات النقدية في ظل التراجع المستمر لحصة تلك القطاعات في الناتج المحلي الإجمالي.

ويكفي أن نعرف هنا أن قطاع الزراعة الفلسطيني تراجع في أهميته النسبية بالحسابات القومية من متوسط 30% خلال الفترة ما قبل أوسلو إلى أقل من 3% للعام 2017.

والمحصلة في ذلك أن الضفة الغربية ستبقى خارج دائرة شبح الفقر بإرادة وقرار مصادر التمويل تلك، ويبدو أن فكر السلام الاقتصادي في صفقة القرن يراهن على التقبل التدريجي للمكونات الاجتماعية والاقتصادية للأسر في الضفة لفكرة التعايش الفلسطيني الإسرائيلي الذي يضمن انسيابا واستقرارا لرواتب وأجور أكثر من 345 ألف رب أسرة ما بين موظف في أجهزة ومؤسسات السلطة من جهة، وعامل في اقتصاد الاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى. كما يضمن انسيابا ومرونة في الاقتراض والسداد لأكثر من 100 ألف موظف فلسطيني مقترض ضمن منظومة الائتمان المصرفي القائم على القروض الاستهلاكية.

والأمر ذاته ينطبق على شريحة الشركات والتجار وأصحاب المهن والحرف الباحثين عن بيئة اقتصادية مستقرة من حيث المبيعات والأرباح والدخل المرتكزة في معظمها على شراكات تجارية فلسطينية إسرائيلية.

ويبقى شبح الفقر ورقة رابحة بيد المنظرين لصفقة التصفية للقضية الفلسطينية.

—–

أستاذ الاقتصاد – جامعة النجاح الوطنية

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تكشف الأعداد الكبيرة للمتقدمين للوظائف الحكومية عن هوة واسعة بين احتياجات قطاع غزة وأعداد المتقدمين. فقبل أقل من أسبوعين تنافس أكثر من 43 ألف خريج على ثمانمائة وظيفة بقطاع التعليم.

المزيد من اقتصادي
الأكثر قراءة