ألغاز الغاز بمصر.. اكتفاء ذاتي أم استيراد من إسرائيل؟

يتسابق المواطنون لشراء اسطوانة الغاز من المنافذ الحكومية. (تصوير خاص لمواطنين يتسابقون للحصول على اسطوانة غاز منزلي ـ الجيزة ).
مواطنون يتسابقون للحصول على أسطوانة غاز منزلي (الجزيرة)

عبد الكريم سليم-القاهرة

يقف العم سلامة أمام مطعم الفول الذي يمتلكه بالجيزة، ملوحا في استبشار بصحيفة قاهرية تقول في العنوان الرئيسي إن مصر بصدد الاكتفاء من الغاز، بل والبدء في تصديره.

وسرعان ما يحطم فرحته العابرة أحد زبائنه، حينما يُريه على هاتفه المحمول صفحة إسرائيل في مصر بموقع فيسبوك -تديرها السفارة الإسرائيلية بالقاهرة- وهي تزف نبأ اتفاق القاهرة مع تل أبيب على استيراد الغاز الإسرائيلي.

يبدي سلامة حيرة من ذلك التناقض العجيب، وحسرة على تبخر أمله في انخفاض أسعار الغاز الذي يمثل عصب نشاطه، إذ يطهو بأسطوانات غاز تضاعف سعرها مؤخرا.

ويأمل عموم المصريين أن يجدوا ما تعدهم به حكومتهم من أمان حقا وواقعا معاشا، للتخفيف من معاناتهم اليومية عقب سلسلة من القرارات الاقتصادية القاسية برفع الدعم عن المحروقات، لكن التجارب السابقة في هذا الشأن لا تعضد هذا الأمل.

‪نوار: الغاز الإسرائيلي هو لتلبية احتياجات السوق المحلية‬ (الجزيرة)‪نوار: الغاز الإسرائيلي هو لتلبية احتياجات السوق المحلية‬ (الجزيرة)

تناقض
يفسر مستشار وزير الصناعة والتجارة السابق إبراهيم نوار لجوء الحكومة للغاز الإسرائيلي الخام لتسييله ثم إعادة بيعه بالسوق المصري بوجود "عجز متزايد من الغاز في السوق المحلي".

ويؤكد نوار في صفحته الشخصية بموقع فيسبوك أن معدل نمو استهلاك مصر من الغاز يزيد عن معدل نمو الاحتياطي المؤكد، لذلك فالغاز الإسرائيلي لتلبية احتياجات السوق المحلي.

ويستبعد الخبير الاقتصادي إمكانية تصدير مصر للغاز المسال إلى أوروبا التي تشتريه من قطر وروسيا وأميركا بأربعة دولارات للمليون وحدة حرارية، في حين تشتري مصر الغاز الخام من إسرائيل بأكثر من ستة دولارات للمليون وحدة حرارية.

ويعتقد نوار أن هناك اعتبارات أخرى غير تجارية، قانونية وسياسية، أحاطت باتفاق استيراد مصر للغاز الطبيعي من إسرائيل.

وتوقفت مصر فعلا عن استيراد الغاز المسال، مما سيوفر للخزانة المصرية مبلغا في حدود 1.5 مليار دولار أو يزيد، لكن النصف الثاني من الحقيقة أنها ستستورد الغاز الإسرائيلي الخام بمبلغ 1.5 مليار دولار على مدى عشر سنوات، وهو ما سيلتهم هذا التوفير.

وستستمر مصر كذلك في شراء الغاز الطبيعي من الشركات الدولية العاملة على أراضيها، وستدفع مقابل ذلك بالدولار الأميركي، وهو ما يعني أن معاناة المواطن والمستثمر ربما تستمر إلى حين.

وتقول صفحة إسرائيل في مصر إن "الصفقة تتيح تدفق الغاز بين إسرائيل ومصر عن طريق خط أنابيب EMG، وهي مثال آخر على التعاون الاقتصادي الذي يتيح الفرص الهائلة بين الدولتين الجارتين".

وبحسب إحصاءات رسمية فإن حصة مصر من الغاز المستخرج من حقولها البرية والبحرية يتراوح بين 40% و50% فقط من احتياجاتها، بينما تعود الحصة المتبقية للشركات.

‪شاهين: المواطن لا يحس بأي ثمرة لكل ما تتغنى به الحكومة‬ (الجزيرة)‪شاهين: المواطن لا يحس بأي ثمرة لكل ما تتغنى به الحكومة‬ (الجزيرة)

تلاعب
ويشير المحلل الاقتصادي ممدوح الولي إلى تلاعب المسؤولين بادعاء وصول إنتاج الغاز إلى ما يوازي حجم الاستهلاك المحلي، رغم أن أكثر من نصف الإنتاج مملوك للشركات الأجنبية المنتجة للغاز بمصر، وبالتالي فإن مصر تشتري ذلك النصف منها".

ويعادل نصيب الحكومة المصرية الحالي من إجمالي الإنتاج "حوالي 3.3 مليارات قدم مكعب يوميا على أقصى تقدير".

ويؤكد الولي أن النصيب المصري من الإنتاج المحلي لا يغطي نصف الاستهلاك المحلي المتزايد عاما بعد آخر.

وما زالت الحكومة ترى أن سعر الغاز الحالي مدعم، وهناك اتفاق مع صندوق النقد على إزالة الدعم كاملا من المنتجات البترولية قبل نهاية 2018، لذلك يتوقع الولي "زيادة جديدة بسعر الغاز الطبيعي للمستهلكين المصريين خلال الشهور المقبلة"، رغم التصريحات الرسمية الوردية.

وليست المرة الأولى التي يحدث فيها هذا التضارب الرسمي بين الأقوال والأفعال، "إذ سبق الإعلان عن بدء الاكتفاء من إنتاج حقل ظهر للغاز خلال 2018″، بحسب أستاذ الاقتصاد بجامعة أوكلاند مصطفى شاهين، "وها هو العام يوشك على الانتهاء دون أي أثر إيجابي على المواطن من وراء هذا الحقل، بل تبرم الحكومة اتفاقا مع إسرائيل لاستيراد المزيد".

والمنطق يقول إنه لو كانت هناك فوائض حقيقية في الغاز، لكان من المفترض بيعه للمواطن بسعر التكلفة تخفيفا لأعبائه، فهذا هو الدور الحقيقي للحكومات في العالم.

لكن "العكس هو الواقع بمصر، فالمواطن لا يحس بأي ثمرة لكل ما تتغنى به الحكومة من اكتشافات وإنجازات، فليس هناك نية في الإصلاح الاقتصادي الحقيقي"، حسب ما يرى الخبير الاقتصادي.

المصدر : الجزيرة