هل تفاقم الموازنة المقبلة لتونس لهيب الأسعار؟

وضع سكان منطقة المحمدية بالقرب من العاصمة تونس ساء إثر الفيضانات الأخيرة (الجزيرة نت)
وضع سكان منطقة المحمدية بالقرب من العاصمة تونس ساء إثر الفيضانات الأخيرة (الجزيرة نت)

خميس بن بريك-تونس

تسير فضلة الهنزوتي حافية القدمين فوق أوحال الطريق الضيق في حي عامر بمنطقة المحمدية (قرب العاصمة) المنكوبة بالفيضانات الأخيرة متجهة بعناء إلى حمام نسائي، حيث تعمل منذ سنوات "حارزة" (غاسلة) لكسب لقمة عيشها وإعانة عائلتها الصغيرة البائسة في بلد يشهد ارتفاعا منفلتا للأسعار وتدهورا اجتماعيا ملفتا.

تستقر تعابير الهموم في ملامح وجهها المتجعد الشاحب بسبب أوضاعها القاسية، فزوجها المريض العاطل عن العمل لم يحالفه الحظ منذ أيام بالعثور وسط القمامة على أشياء يبيعها في سوق الخردة، في حين شرعت ابنتها الحاصلة على شهادة جامعية في العمل كاتبة بشركة خاصة بأجر زهيد يتبخر نصفه بتكلفة التنقل.

ولا يتمتع فرد من هذه العائلة ببطاقة علاج تضمن لهم الحق في الصحة كما تؤكد فضلة المصابة بضرر كبير في يدها اليسرى بعدما لدغها ثعبان تسرب لمنزلها خلال فيضانات شهدها حيها عام 2003.

ولم تحصل هذه المرأة مع جيرانها على تعويضات عن أضرار تلك الفيضانات، في حين بقيت تعاني أوجاع يدها حتى اليوم.

غضب وإحباط
بصوت ينطلق من عمق الألم تقول فضلة للجزيرة نت إن سكان حي عامر الفقير عاشوا قبل أيام نفس الكارثة بسبب الفيضانات العارمة التي جرفت أثاث منازلهم وسياراتهم "دون أن يتلقوا مساعدات اجتماعية من السلطة"، في حين يعاني السكان أصلا من البطالة والفقر وتدهور قدرتهم الشرائية بسبب زيادة الأسعار.

ترتفع نبرة صوتها كلما يشتد غضبها عند حديثها عن تردي الأوضاع واستمرار غلاء المعيشة وفقدان أدوية عدة من الصيدليات وانقطاع تزويد الأسواق بمادة الحليب.

وتقول فضلة للجزيرة نت بكثير من الإحباط إن الحكومات المتعاقبة بعد الثورة أثقلت كاهل الناس أكثر بالضرائب ورفع الأسعار دون أدنى مبالاة.

‪(الجزيرة)‬ فضلة الهنزوتي حافية القدمين وسط أوحال الطريق في حي عامر بمنطقة المحمدية قرب العاصمة تونس

ولا تقل وضعية عمر المهذبي سوءا عن جارته، فقد جعلته الفيضانات الأخيرة شاردا يتابع بعينين كئيبتين أشغال رفع الأوحال العالقة وبقايا الأثاث الملقاة وسط طريق الحي الضيق.

بعد تقاعده منذ ست سنوات اشترى شاحنة صغيرة يعمل عليها ابنه المتزوج لنقل البضائع، غير أن مياه الفيضانات جرفتها وعطبت محركها.

ويبدو الرجل المشتعل رأسه شيبا محتارا كيف يجابه الحياة بمنحة تقاعد متدنية ومتطلبات عائلة تتكون من زوجة وثلاثة أولاد أكبرهم متزوج وما زال يقيم معه بينما أصبح عاطلا عن العمل بعد تضرر شاحنته.

ويقول عمر إن الفيضانات زادت أوضاعه المتدهورة أصلا سوءا جراء ضعف دخله وتفاقم غلاء المعيشة، وهو لا يدرك ما تضمنه قانون المالية المقبل من إجراءات، لكنه يبدو على قناعة بأن "الأسعار لن تنخفض" جراء تراجع قيمة الدينار وضعف رقابة الدولة على مسالك التوزيع وتنامي نفوذ المحتكرين.

وبقطع النظر عن الغلاء يقول الرجل المريض بضغط الدم والسكري للجزيرة نت إن أدوية عدة مفقودة من الصيدليات.

تقديرات الموازنة
ويستعد البرلمان التونسي لمناقشة مشروع قانون المالية المقبل في الأيام القليلة المقبلة، ويبلغ حجم مشروع الموازنة للعام المقبل نحو 41 مليار دينار (14.4 مليار دولار) أي بزيادة 8.5% مقارنة بالعام الماضي، بيد أن جزءا كبيرا منها يتجه إلى سداد أجور الموظفين الحكوميين البالغة 16.5 مليار دينار (5.8 مليارات دولار).

وتراهن الحكومة الحالية على بلوغ نسبة نمو 3.1% مقابل 2.9% متوقعة خلال العام الجاري.

واعتمدت الحكومة في صياغة مشروع قانون المالية المقبل على فرضية استيراد برميل النفط مقابل 75 دولارا، لكنها لم تحدد أسعار العملة الصعبة التي ستعتمدها، في وقت يعادل الدولار 2.8 دينار، واليورو 3.2 دنانير.

ودعما للفئات الفقيرة خصصت الحكومة نحو 4.3 مليارات دينار (1.5 مليار دولار) لدعم المواد الأساسية والمحروقات والكهرباء.

وكانت الحكومة رفعت العام الجاري أسعار المحروقات أربع مرات متتالية بعدما ارتفعت أسعار النفط بالأسواق العالمية.

‪(الجزيرة)‬ عمر المهذبي يتابع أعمال رفع الأوحال بعد الفيضانات الأخيرة بمنطقة المحمدية قرب العاصمة تونس

وبشأن رأيه في تقديرات موازنة 2019، يقول الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي للجزيرة نت إن التقديرات ليست قريبة من الواقع نظرا لعدم تحديد فرضية أسعار العملة الصعبة بالموازنة، إضافة إلى المراهنة على تحقيق نسبة نمو 3.1% يرى أنها ستكون صعبة المنال بسبب الأزمة المالية والاقتصادية التي تعاني منها البلاد.

ويضيف الشكندالي للجزيرة نت أن الحكومة اقترحت إجراءات عدة لخفض الضرائب على المؤسسات والفلاحين وخفض الأداءات على مستخدمي الإنترنت، إضافة إلى إلغاء الأداء على الاستهلاك لمشتري السيارات الشعبية، لكنه يرى أن ذلك لن يمنع من تواصل ارتفاع الأسعار وتدني القوة الشرائية العام المقبل.

ويوضح أن الحكومة اعتمدت على فرضية استيراد برميل النفط بـ75 دولارا من الأسواق العالمية، في حين يتوقع أن يصل العام المقبل إلى أكثر من ثمانين دولارا، مبينا أن ذلك سيكون له انعكاس سلبي على التوازنات المالية للدولة، مما سيضطرها لرفع جديد بأسعار المحروقات الذي سيؤدي لزيادات أخرى في الأسعار.

وأكد أن استمرار انخفاض قيمة الدينار مقابل العملات الأجنبية الصعبة بسبب تراجع احتياطي العملة الصعبة في البلاد سيعمق ظاهرة التضخم المستورد بالنظر إلى ارتفاع المواد الأولية المستوردة بالعملة الصعبة من الخارج، مما سيزيد تكلفة الإنتاج محليا، وبالتالي معدلات الأسعار.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تعتزم تونس تطرح مشروعات شراكة بين القطاعين العام والخاص في مجالات الطاقة والنقل وقطاعات أخرى بقيمة 13 مليار دينار (4.7 مليارات دولار)، وسط صعوبات تواجهها موازنة الدولة.

13/9/2018

مع بداية شهر رمضان وفّرت السلطات التونسية فضاءات “من المنتج إلى المستهلك” تقول إنها توفر منتجات فلاحية بأسعار منخفضة. ولكن آراء المواطنين تتضارب بشأن هذه الأسواق الاستثنائية.

20/5/2018
المزيد من أحوال معيشية
الأكثر قراءة