أوهام انهيار الاقتصاد القطري والتقييمات الدولية

* مصطفى شاهين

اقتصاد قوي
شكوك كثيرة

يبدو أن الحصار على قطر كان مرتبا له بدقة متناهية خاصة بأبعاده الاقتصادية، والمتابع لوكالات الأنباء العالمية والمحلية يستطيع أن يكشف عن ذلك بسهولة للغاية.

فالأنباء التي تتحدث عن انهيار الريال القطري وهبوطه لأدنى مستوى له منذ 11 عاما، وكون دول العالم لم تعد تقبل بالريال القطري، واصطفاف الأجانب في قطر لتحويل ودائعهم إلى الدولار في طوابير طويلة، وتدافع المقيمين على سحب إيداعاتهم وانهيار البورصة القطرية، كلها لم يثبت منها وجه واحد من الحقيقة.

ولا يغيب عن القارئ أن الريال القطري مغطى بإنتاج ضخم مما يعطيه قوة، لأنه محمي باحتياطيات من صناديق سيادية، ووجود احتياطي ضخم من الدولار الأميركي لدى المصرف المركزي القطري يستطيع من خلاله أن يلبي الطلب على الدولار في أي وقت وبأي كمية.

قطر ليست من الدول المدينة خارجيا، بل لديها استثمارات عالمية متنوعة في عديد من المجالات والدول، وتتمتع باقتصاد قوي للغاية، فحجم الناتج المحلي يبلغ 170مليار دولار سنويا

إن قدرة السوق على التكيف باستجابة العرض للطلب أمر ميسور للغاية، فقد لوحظ أن الريال القطري انخفضت قيمته أمام الدولار الأميركي ليصبح 3.66 ريالات بدلا من 3.64 ريالات أي أن الانخفاض لم يتجاوز 0.02 ريال، وهو ما يعادل 5 في الألف، ولكن تظلّ نسبة التراجع تحت سيطرة البنك المركزي القطري وهي نسبة أقل من هامش الصعود والهبوط المحددة من قبل مصرف قطر المركزي.

اقتصاد قوي
لكن العجيب في الأمر هو تسارع وكالة ستاندر أند بورز (Standard & Poor's) إلى تخفيض المستوى الائتماني لقطر بدلا من المستوى (AA)، وهو 90 من 100 ليصبح (AA-) أي 85 من 100، حيث قالت الوكالة في بيان لها "نعتقد أن ذلك سيفاقم من نقاط الضعف الخارجية لقطر، وقد يضع ضغطا على النمو الاقتصادي ومؤشراتها المالية". وتوقعت الوكالة تباطؤ النمو الاقتصادي في قطر، مع تراجع التجارة الإقليمية مع دول الحصار، وذلك بالتزامن مع قطع العلاقات السياسية والتجارية مع قطر من أجل التأثير على سياسات قطر.

ومن المعلوم أن وكالة ستاندر أند بورز هي من أكبر ثلاث مؤسسات أميركية تقوم على ترتيب الدول حسب قدرتها على الاقتراض والوفاء بسداد القروض من عدمه، وتصنف معظم الوكالات على أساس مئوي، فكلما كانت درجة الدولة أو البنك أو الشركة تقارب 100 فإنها قادرة على الوفاء بالتزاماتها، مما يعني كفاءة الدولة ماليا واقتصاديا على سداد القروض وأقساطها، وكلما اقتربت الدولة من المؤشر (0) دل على أنها ستكون أكثر احتمالا لعدم قدرتها على سداد ديونها.

لكن المثير للدهشة أن قطر ليست من الدول المدينة خارجيا، ولا اتسع اقتراضها من الخارج، بل لديها استثمارات عالمية متنوعة في عديد من المجالات والدول، وتتمتع باقتصاد قوي للغاية، فحجم الناتج المحلي (GDP) يبلغ 170مليار دولار سنويا.

وقطر هي أكبر مصدر غاز طبيعي في العالم وترتيبها الثالث عالميا في حجم الاحتياطي العالمي من الغاز الطبيعي، ومتوسط دخل الفرد من الأعلى على مستوى العالم، وتجارة قطر العالمية تقارب 89 مليار دولار سنويا وهو ما يقارب نصف الناتج.

ولا أعلم على أي أساس علمي استند تقييم الوكالة، فمن جهة التجارة الإقليمية مع دول الجوار المحاصرة لقطر فإن الواردات منها لا تتجاوز 14%، في حين أن الصادرات لا تمثل إلا 7.5% من حجم تجارتها الدولية.

شكوك كثيرة
ومن الواجب الإشارة إلى ترتيب مؤسسة ستاندر أند بورز للاقتصاد المصري في هذا الصدد حتى تتضح الصورة. حيث فقد الجنيه المصري 150% من قيمته خلال الأسبوع الأول من التعويم في أوائل نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، وارتفعت الأسعار إلى أكثر من 34% وهو ما لم يحدث في مصر منذ الحرب العالمية الثانية، لذلك نجد أن ترتيب مصر وفق هذا المؤشر هو (B-) أي 25 من100 وهو ما يعكس ربما عجز الحكومة المصرية عن سداد القروض.

رغم عمق الحصار ظلت التجارة الدولية القطرية وقوة الريال القطري عند مستواها كما كانت، وأثبتت الأيام مدى قوة ومتانة الاقتصاد القطري

والمدهش في الأمر هو تقييم المؤسسة للاقتصاد المصري على أنه مستقر، رغم أن الاستقرار الاقتصادي يعني استقرارا في الأسعار والتشغيل وكل المؤشرات، وهو عكس هذا الوضع تماما.
هذا الأمر يطرح ظلالا كثيفة من الشك حول هذه التقييمات من جانب وكالة (S&P) وهي من الوكالات التي خدعت ملايين المواطنين الأميركيين أثناء أزمة الكساد العظيم الذي ضرب الولايات المتحدة في العام 2008.

وقد قامت وزارة العدل الأميركية برفع دعوى قضائية للتحقيق في الأخطاء القانونية التي ارتكبتها هذه المؤسسات في حق المواطنين، فقد قامت الوكالات بتقييم سندات العقارات بأكثر من قيمتها، وكذلك الحال في بنك ليمان براذر الذي أشهر إفلاسه، مع الانهيار الكبير في سوق العقارات والبنوك فيما يعرف بالأصول المسمومة التي أوقعت الاقتصاد في هوة الكساد الكبير، ودفع الموازنة الفدرالية إلى تحمل عجز كبير من أجل إنقاذ الاقتصاد.

وفي فبراير/شباط من عام 2015 تم الاتفاق بين وزارة العدل الأميركية و19 ولاية أخرى من أميركا كطرف، ومؤسسة ستاندر أند بورز كطرف آخر، بمقتضاه يتم تغريمها مبلغ 1,375 مليار دولار، نصف هذا المبلغ يؤول إلى الحكومة الفدرالية الأميركية والنصف الآخر يعود إلى الولايات التي اشتركت في الدعوى القضائية، وهي أكبر غرامة تدفع في تاريخ وكالات ترتيب الإقراض على الإطلاق.

إذًا ما الداعي لمثل هذه التقديرات المتشائمة للاقتصاد القطري من قبل هذه المؤسسات الدولية، إلا إذا كان من ورائها أيادٍ خفية تلعب من أجل إشاعة انهيار الاقتصاد.
فرغم عمق الحصار ظلت التجارة الدولية القطرية وقوة الريال القطري عند مستواها كما كانت، وأثبتت الأيام مدى قوة ومتانة الاقتصاد القطري.
_______________________________
* مدرس اقتصاد، كلية أوكلاند الأميركية

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

استعاد سعر صرف الريال القطري قيمته الحقيقية أمام الدولار في الأسواق الخارجية، بعد أن شهد مضاربات خلال أيام العيد التي وافقت عطلة سوق الصرف النظامي الخاضع لمصرف قطر المركزي.

المزيد من اقتصادي
الأكثر قراءة