السوق الموازية للعملة تنخر اقتصاد الجزائر

قطع نقدية جزائرية تصوير ياسين بودهان الجزيرة نت
الدولار بلغ حوالي 178 دينارا جزائريا بالسوق الموازية (الجزيرة نت)

ياسين بودهان-الجزائر

على الرغم من أن الدينار الجزائري شهد خلال الأشهر الأخيرة استقرارا نسبيا مقابل العملات الأجنبية في الأسواق الرسمية للعملات، فإن قيمته في الأسواق الموازية التي تستقطب أموالا ضخمة تشهد سقوطا، ووصلت إلى مستويات غير مسبوقة.

وتبلغ أسعار الصرف في تعاملات السوق الرسمية بالنسبة للعملة الأوروبية الموحدة اليورو 122 دينارا جزائريا، وللدولار الأميركي بـ 108 دنانير، بينما تتهاوى القيمة بالسوق الموازية لتصل إلى 190 دينارا جزائريا مقابل يورو واحد، و178 دينارا مقابل دولار واحد.

ويشدد خبراء اقتصاد على أن تدهور الدينار في السوق السوداء -مع استقراره نسبيا في السوق الرسمية- أمر يؤكد أن السعر الرسمي لم يكن يوما حقيقيا أو معبرا عن قيمة الدينار.

وحذر هؤلاء من استمرار تجاهل الحكومة لسعر السوق السوداء، بعد أن كانت تراقبه من قبل، لأن تجاهلها برأيهم يعني تناقضا واضحا في كل ما تبشر به الحكومة من خلال النموذج الاقتصادي الجديد للنمو.

مخاطر السوق الموازية
وعلاوة على ذلك، فإن استمرار السوق الموازية يحرم الجزائر من تحويلات مواطنيها المقيمين بالخارج، والتي قدرها البنك الدولي في آخر تقرير له بنحو ملياري دولار سنويا كلها تصب في قنوات السوق الموازية بسبب هامش الربح الكبير الذي تقدمه لزبائنها.

بريش: الطلب على العملات الأجنبية زاد بسبب اقتراب موسم العمرة والصيف
بريش: الطلب على العملات الأجنبية زاد بسبب اقتراب موسم العمرة والصيف

ويوضح الخبير المالي عبد القادر بريش أن السوق الموازية تخضع للعديد من المعطيات والعوامل، أهمها قاعدة العرض والطلب.

وقال للجزيرة نت إن انهيار الدينار الجزائري مقابل العملات الأجنبية خلال الأيام الأخيرة سببه اقتراب موسم العمرة والصيف، حيث يزداد الطلب على شراء العملات الأجنبية، وبشكل خاص الدولار واليورو.

ولفت بريش إلى أن انهيار قيمة العملة المحلية مشكلة تتسبب بشكل مباشر في انهيار القدرة الشرائية للجزائريين، كون أغلب السلع والمنتجات تستورد من الخارج وبالعملة الصعبة.

عجز حكومي
وبالرغم من أن الحكومة أعلنت في مناسبات عدة عزمها على القضاء على هذه السوق، فإنها فشلت في ذلك حتى الآن، وهو ما أعلن عنه محافظ البنك المركزي محمد لوكال على هامش عرضه التقرير السنوي للبنك على أعضاء مجلس الأمة (مجلس الشيوخ) حينما أكد أن الحكومة عاجزة عن التصدي لهذه الظاهرة.

يأتي هذا في وقت تشهد فيه البلاد أزمة اقتصادية خانقة بسبب التراجع الحاد لمداخيلها من النفط والغاز، إذ تراجع احتياطي النقد الأجنبي وفق تصريحات رسمية إلى 114 مليار دولار بنهاية عام 2016، بعد أن كان حوالي 190 مليارا نهاية 2013.

غير أن الحكومة لم تسارع لتفعيل وتنفيذ قرار فتح مكاتب رسمية للصرف من أجل استقطاب الأموال المتداولة خارج السوق الرسمية، وهو الأمر الذي يطرح عدة تساؤلات.

وحذر الخبير المالي سليمان ناصر -في حديث للجزيرة نت- من تداعيات استمرار الحكومة في سياسة التجاهل لهذه السوق.

وأشار إلى أن الحكومة "قامت من خلال موازنة 2017 باعتماد سعر شبه ثابت للدينار خلال الثلاث سنوات القادمة وهو دولار واحد مقابل 108 دنانير، وهو الأمر الذي أدخلها في ورطة حقيقية، لأنها كانت تحدد السعر الرسمي للعملة وفقا لعدة مؤشرات اقتصادية منها قيمة الدينار في السوق الموازية".

احتمالات تخفيض العملة
ويوضح ناصر أن تجاهل الحكومة للسوق الموازية سيضعها في موقف صعب مع تزايد الفارق بين السعر الرسمي والموازي واستمرار اعتماد الحكومة على "سعر مرجعي مغلوط وبعيد عن الواقع كما حدث سابقا مع سعر النفط" خاصة وأنه لا توجد برأيه "أي بوادر إيجابية لتحسن المؤشرات الكلية للاقتصاد".

ناصر يرى أن الحكومة تواصل الاعتماد على سعر صرف مغلوط
ناصر يرى أن الحكومة تواصل الاعتماد على سعر صرف مغلوط

واعتبر الخبير المالي أن اللجوء إلى تخفيض قيمة الدينار مجددا أمر يفقد الحكومة المصداقية أكثر "ونحن في بداية السنوات الثلاث 2017، 2018، 2019". وأشار إلى أن ذلك حدث مع احتياطي الصرف، إذ وعدت الحكومة بألا ينزل على مئة مليار دولار خلال هذه السنوات الثلاث "ثم بشرونا بأنه سينزل إلى 96 مليار دولار خلال يوليو/تموز القادم".

ورأى ناصر أن التخفيض قد يكون برغبة من الحكومة لربح الفارق بالدينار، والذي يساهم ولو بجزء ضئيل في تقليص عجز الموازنة كما كانت تفعل من قبل دون اعتبار للتداعيات السلبية لهذا الإجراء على القدرة الشرائية للمواطن. وأضاف أن التخفيض قد يأتي بضغط من صندوق النقد الدولي عند اللجوء إليه للاستدانة أو حتى للاستشارة.

وخلص إلى القول إن السوق الموازية للعملة هي إحدى أهم مصائب الاقتصاد الجزائري. وذكر أنه كان يرجو الإسراع في تفعيل واعتماد مكاتب الصرف مع قدوم المحافظ الجديد للبنك المركزي، لكن "هذا الإجراء ليس في برنامج بنك الجزائر لسنة 2017".

المصدر : الجزيرة