ضبابية حدود السياسة الاقتصادية

مايكل سبنس

– نموذج مختل
– قيود وإجراءات
– أهمية الصين
– حيازة المصارف

تضافرت السياسات والتكنولوجيات وعمليات التعليم الموسعة في كل أنحاء العالم من أجل إزالة الحواجز التي تحول دون التفاعل الاقتصادي بين البلدان. وإذا اخترنا أي مؤشر، مثلا التجارة نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أو تدفقات رأس المال نسبة إلى رأس المال العالمي وما إلى ذلك، فسوف نجد أنها جميعاً في ارتفاع.

ولكن تحديد السياسات الاقتصادية يتم على المستوى الوطني، وما عدا بعض الاستثناءات البارزة مثل مفاوضات التجارة وتتبع تمويل الإرهاب وغسيل الأموال، فإن صناع السياسات يحددون الأهداف بغية تحقيق مصالح الاقتصاد المحلي، وتؤثر هذه السياسات (أو التحولات السياسية) بشكل متزايد على اقتصادات أخرى وعلى النظام العالمي، الأمر الذي يسمح بظهور ما قد نطلق عليها وصف "العوامل الخارجية للسياسات"، والمقصود بها العواقب التي تمتد خارج البيئة التي يستهدفها واضعو السياسات.

ولا شك أن مثل هذه العوامل الخارجية كانت موجودة دائما، ولكنها عادة ما تكون ضئيلة، بيد أنه مع تزايد أهميتها (نتيجة لتزايد معدل الترابط العالمي)، أصبح التحكم فيها أكثر صعوبة بكل تأكيد، وعلى أية حال فإن بلوغ الحالة المثالية عالمياً سيتطلب وجود سلطة لوضع السياسات العالمية، وهو ما نفتقر إليه بالتأكيد.

وتتجلى أهمية التأثيرات المترتبة على العوامل الخارجية في القطاع المالي، وذلك نظراً لاحتمال حدوث تغيرات ضخمة ومفاجئة نسبياً في تدفقات رأس المال وأسعار الأصول والسيولة المتاحة وأسعار الصرف، وكل هذا من شأنه أن يخلق تأثيرات قوية على نمو الناتج الإجمالي وتشغيل العمالة.

"
الأزمة الاقتصادية وتداعياتها تعد مثالاً واضحاً، فقد أدت نماذج النمو المختلة في البلدان المتقدمة، والتي قامت على الإقراض المفرط والطلب الكلي المحلي إلى عدم الاستقرار ونشوء أزمات وصدمات سلبية كبرى للاقتصاد الحقيقي
"

نموذج مختل
وتُعَد الأزمة الاقتصادية وتداعياتها مثالاً واضحاً هنا، فقد أدت نماذج النمو المختلة في البلدان المتقدمة، والتي قامت على الإقراض المفرط والطلب الكلي المحلي (وتعقدت بفعل العيوب البنيوية وآليات التكيف المحدودة في أوروبا)، إلى عدم الاستقرار ونشوء أزمات وصدمات سلبية كبرى للاقتصاد الحقيقي. وقد تأثرت الاقتصادات الناشئة بشكل مباشر بفعل تشديد القيود الائتمانية (بما في ذلك تمويل التجارة) والهبوط السريع للصادرات، الأمر الذي أدى إلى صدمات مماثلة في تلك الاقتصادات.

وقد تحركت البلدان المتقدمة لمنع تدهور الأمور من خلال استخدام أدوات السياسة النقدية والضريبية، فخلفت هذه الأدوات أيضاً تأثيرات خارجية، ولكن في الأمد القريب على الأقل اعتُبِر العلاج (التشوهات في أسواق رأس المال) أقل ضرراً من المرض (الانهيار الاقتصادي في الاقتصادات المتقدمة).

ثم أعقب ذلك نسخة موسعة من نموذج النمو المدعم في البلدان المتقدمة، وكانت هذه النسخة تدور إلى حد كبير حول سياسة نقدية غير تقليدية، ففي الولايات المتحدة كان هذا يعني ضمناً جولات عديدة من التحفيز النقدي الذي يتلخص ببساطة في اقتراض الحكومة من نفسها، وهو شكل من أشكال السيطرة على الأسعار. وقد تعرض المدخرون لنوع من القمع من أجل خفض تكاليف القروض على المدينين (بما في ذلك الحكومات) وأولئك الذين يسعون للاقتراض بغرض توسيع أعمالهم.

ولم تصادف هذه السياسة نجاحاً كبيرا، لأن الاستثمار كان مقيداً بسبب نقص الطلب الكلي المحلي نسبة إلى القدرة. وبالتي فقد تصرف المدخرون كما كان متوقعا، أي السعي لتحقيق عائدات معدلة وفقاً لوجود مخاطر أكبر في الاقتصادات الناشئة، الأمر الذي أدى لزيادة حجم الائتمان وإذكاء الضغوط التي تدفع باتجاه صعود أسعار الصرف والأصول.

قيود وإجراءات
وقد تطلب هذا العامل الخارجي الواضح استجابات سياسية في البلدان الناشئة، فتم فرض قيود على تدفقات رأس المال إلى الداخل، ومراكمة الاحتياطات النقدية، واتخاذ التدابير الرامية لتقييد القروض وكبح جماح تضخم أسعار الأصول. وقد تم إلى حد كبير تجاهل شكاوى صناع السياسات في الأسواق الناشئة إزاء التأثيرات المشوهة المترتبة على السياسات التي تنتهجها البلدان المتقدمة.

وقد تغير كل هذا بشكل درامي منذ شهر مايو/أيار الماضي عندما أشار بنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي إلى اعتزامه خفض مشترياته الشهرية الضخمة من الأصول الطويلة الأجل بطريقة تدريجية، فتحولت أسعار الأصول واندفعت رؤوس الأموال نحو الأسواق الناشئة، الأمر الذي أدى إلى تشديد شروط الإقراض وهبوط أسعار الصرف.

الآن أصبح تباطؤ النمو في الأمد القريب شبه مؤكد في أقل تقدير، ويتساءل البعض ما إذا كان التأثير المزعزع للاستقرار الناتج عن انعكاس اتجاه تدفق رؤوس الأموال قد يخلف تأثيرات سلبية أطول أمدا. وبشكل عام يبدو التخوف الأخير مبالغاً فيه، ولو أن المخاطر الناجمة عن التحولات السياسية غير المتوقعة وما يرتبط بها من تسويات مالية لا يجب أن تستبعد أو يهون من شأنها.

إن الاقتصادات الناشئة تملك عموماً الأدوات السياسية والموازنات العامة والخبرات اللازمة للاستجابة بشكل فعال. فضلاً عن ذلك وفي حين تأثر الناتج المحلي للصين بفعل الأداء الاقتصادي للبلدان المتقدمة فإن نظام بكين المالي معزول لحد كبير عن العوامل الخارجية المتعلقة بالسياسة النقدية، فحساب رأس المال لديها أقل انفتاحا، واحتياطات الصين من النقد الأجنبي البالغة 2.5 تريليون دولار يعني أنها قادرة على التحكم في سعر الصرف، ومع تجاوز حجم الادخار في الصين مستوى الاستثمار لديها (فائض الحساب الجاري الحالي آخذ في الانخفاض ولكنه إيجابي) فإنها لا تعتمد على رأس المال الأجنبي.

"
أهمية الصين فيما يتصل بنمو الأسواق الناشئة واستقرارها النسبي واستجابة السياسة المحلية في غيرها من البلدان الناشئة، تشير إلى أن التأثير الرئيسي المترتب على التحول المقبل في سياسة بنك الاحتياطي الفدرالي سيكون بمثابة إحداث توازن جديد
"

أهمية الصين
إن أهمية الصين فيما يتصل بنمو الأسواق الناشئة واستقرارها النسبي واستجابة السياسة المحلية في غيرها من البلدان الناشئة، تشير إلى أن التأثير الرئيسي المترتب على التحول المقبل في سياسة بنك الاحتياطي الفدرالي سيكون بمثابة توازن جديد مع أسعار أصول أقل تشوهاً. ولابد أن يكون هذا كافياً لخلق فرصة للمستثمرين.

ومن الممكن تحقيق مستوى ما من تنسيق السياسات من خلال إنشاء نظام للإنذار المبكر، وهو ما من شأنه أن يوفر الوقت الكافي لاستجابة منظمة، ولكن الاتصالات المتعددة الأطراف بشأن التحولات السياسية المهمة ستؤدي حتماً إلى تسريبات من الداخل وممارسات تداول تزعزع الثقة.

وفي ضوء الصلاحيات الواسعة لـصندوق النقد الدولي وميزانياته الأضخم، فإنه بمقدوره من حيث المبدأ التحرك بطريقة موثوقة لضمان استقرار تدفقات رأس المال الدولية المتقلبة، وهذا كفيل بتوفير الوقت لبروز استجابات محلية أكثر تنظيماً، ولكن هذا سيشكل خطوة كبرى في اتجاه الحوكمة والإدارة الاقتصادية العالمية.

وسوف تؤدي السياسة غير المركزية والعوامل الخارجية المتنامية إلى تراجع جزئي عن العولمة، وخاصة في تركيبة الاقتصاد الكلي والتمويل وحسابات رأس المال، وبالتالي فإنها ليست فكرة جيدة أن يظل العجز في الحساب الجاري قائماً لفترة طويلة وأن يتم التحول نحو الاعتماد (بشكل مؤقت) على رأس المال الأجنبي المنخفض التكاليف.

ومن الممكن الاستعاضة عن حسابات رأس المال المفتوحة، ليس بالاستعانة بتدخلات متقلبة ارتجالية تؤدي إلى تفاقم حالة عدم اليقين وإضعاف الثقة، بل من خلال فرض قيود يمكن التنبؤ بها وقائمة على قواعد ثابتة على تدفقات رأس المال.

حيازة المصارف
وثانيا، كما تعلمنا من الأزمة فإن النسبة الكبيرة لامتلاك أطراف محلية للقطاع المصرفي تشكل أهمية حاسمة، ويرجع هذا جزئياً إلى غياب آليات حل متعددة الأطراف في حالات تعثر المصارف، وعلاوة على ذلك فإن نمط مراكمة الاحتياطات عن طريق تحقيق فوائض في الحساب الجاري أو تدفقات رأس المال الخاص الصافية إلى الداخل، أو الأمرين معاً يعد أمرا موروثا من الأزمة المالية الآسيوية التي وقعت في الفترة ما بين 1997 و1998، وسوف يستمر بل ربما يصبح أكثر وضوحاً.

وأخيرا، سوف تصبح من الممارسات الشائعة على نحو متزايد القيام بمشتريات عامة لأصول محلية بهدف تثبيت استقرار أسعار الأصول وتدفقات رأس المال الصافية. ونحن الآن نمر بعملية تعلم لكيفية إدارة الاعتماد المتبادل المتنامي في عالم السياسات من دون قدر كبير من تنسيق السياسات.

ويتمثل التحدي هنا في تحديد ميكانيزمات تدخل تحقق معادلة مربحة فيما يخص العائد والتكاليف، وسيساعدنا في ذلك الزمن والخبرة، شريطة ألا تتسبب التقلبات الشديدة في زعزعة استقرار اقتصادات عديدة في الوقت نفسه.

ـــــــــــــــــــــ
حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، وأستاذ الاقتصاد في كلية شتيرن لإدارة الأعمال بجامعة نيويورك، وكبير زملاء معهد هووفر
.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

حول هذه القصة

انتهى الصيف بعد أن أخذ المسؤولون والحكومات والأسواق قسطا من الراحة في إجازاتهم، لكن تبقى مشكلة أوروبا الاقتصادية قائمة. كذلك تظل المشكلات الاقتصادية الرئيسية بالعالم دون حل. وفي الأشهر المقبلة، سوف يتم الكشف عن قرارات سياسية بالغة الأهمية للاقتصاد العالمي.

لقد تبخر الحماس للأسواق الناشئة هذا العام، ليس فقط بسبب التخفيضات المزمعة من جانب الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لبرنامجه للتحفيز النقدي، بل انخفضت أسعار الأسهم والسندات في الأسواق الناشئة على مدار السنة، كما تباطأ نموها.

مع تباطؤ النمو الاقتصادي بشكل كبير في العديد من البلدان ذات الدخول المتوسطة، وهبوط أسعار الأصول بشكل حاد في كل القطاعات، هل توشك الأسواق الناشئة على مواجهة أزمة حتمية؟

تجري في اليابان عملية تسييس للبنك المركزي على قدم وساق بعد عودة الحزب الديمقراطي الليبرالي للحكم من جديد. وقد اعتمدت الانتخابات الأخيرة بشكل حاسم على رؤية الحزب لموقف بنك اليابان فيما يتصل بالسياسة النقدية التي تتجه للاعتبار بتجارب البنوك المركزية الكبرى بالعالم.

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة