حول الأزمة بين بغداد وأربيل

 

عصام الجلبي

البارزاني يقيم الوضع بالعراق
عمق الأزمة بين كردستان وبغداد
الخلاف أبقى قانون النفط على الرف
كردستان يوقف ضخ النفط

البارزاني يقيم الوضع بالعراق
يشهد العراق هذه الأيام تصعيدا غير مسبوق للأزمة السياسية بين الحكومة الاتحادية في بغداد، وتحديدا بين رئيسها نوري المالكي وحسين الشهرستاني نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة، من جهة، وحكومة إقليم كردستان، وتحديدا رئيس الإقليم مسعود البارزاني وأشتي هورامي وزير الموارد الطبيعية، من جهة أخرى.

ويتوقع المراقبون المزيد من التصعيد والتفاعلات لدى عودة البارزاني قريبا من زيارته إلى الولايات المتحدة ثم جولته الأوروبية، حيث التقى عددا من كبار مسؤولي تلك الدول وعلى رأسهم الرئيس الأميركي باراك أوباما ونائبه جو بايدن.

وفي 9 أبريل/نيسان نشرت جريدة الحياة اللندنية مقابلة مطولة مع البارزاني تطرق فيها إلى تقييمه للوضع في العراق وعلاقته مع المالكي والشهرستاني والمباحثات التي أجراها في واشنطن.

ومن المفيد الإشارة إلى بعض مما جاء في تلك المقابلة:

تساءل البارزاني: دخل العراق 500 مليار دولار منذ 2003.. أين ذهبت ومن يتولى إنفاقها؟ هناك وثائق للنهب في أموال الدولة، لا بد أن يطلع الشعب على كل الحقائق

-"إن العراق يتجه إلى كارثة، إلى عودة الديكتاتورية والاستئثار بالسلطة في كل مرافق الدولة.. سندعو إلى اجتماع لكل القادة العراقيين.. فإما حلول جذرية وإما كل واحد يعرف طريقه مع وضع سقف زمني محدد وقصير لحل الأزمة.

– نرفض وجود شخص واحد (المالكي) يستحوذ على كل مرافق الدولة ويتصرف وفق إرادته ويهمش الآخرين. سأدعو الشعب الكردي إلى استفتاء لأننا غير مستعدين أن نتفرج وننتظر الوعود العقيمة.. لا يمكن أن نقبل بعودة الديكتاتورية الى العراق، وإذا فشلنا في وقف الديكتاتورية فلن نكون مع عراق يحكمه ديكتاتور.

– في مايو/أيار 2011 كتبت رسالة إلى المالكي أبلغته فيها عن التفاوض مع شركة إكسون موبل، ووصلني خبر منه بأن ذلك هو شيء جيد للعراق، ثم كررت ذلك مع دخول المفاوضات إلى مرحلة حاسمة.

– وقد وقع الإقليم في 18 أكتوبر/تشرين الأول ستة عقود مع إكسون موبل لمناطق تقع ثلاث منها خارج الحدود الإدارية للإقليم. واعتبرت بغداد هذه العقود وما سبقها من عقود أبرمها الإقليم عقودا غير شرعية.

– إن الشهرستاني ليس هو الحكومة، ولا يمثل وحده الحكومة بل يمثل نفسه فقط، لا أن يعين الشهرستاني نفسه حاكما على العراق.

– دخل العراق 500 مليار دولار منذ 2003.. أين ذهبت؟ ومن يتولى إنفاقها؟ هناك وثائق للنهب في أموال الدولة، لا بد أن يطلع الشعب على كل الحقائق.

– الشهرستاني معاد للكرد، ولديه أجندة في موقفه المعادي للكرد بشكل سافر، هل هو مدفوع لتنفيذ أجندته دون علم رئيسه المباشر (يقصد المالكي)؟

-التقيت (في واشنطن) رئيس إكسون موبل، وهي ملتزمة بالاتفاق معنا، ولا صحة لما يشاع عن إلغاء العقد.

(صرح كل من الشهرستاني ووزير النفط عبد الكريم لعيبي بأن الوزارة استلمت مرتين كتابا من إكسون تؤكد أنها قد جمدت العقود الستة).

عمق الأزمة بين كردستان وبغداد
ما تقدم ما هو إلا جزء يسير من مقابلة للبارزاني وتعليقاته على الوضع في بغداد، وعلاقته مع الحكومة الاتحادية التي تشير بوضوح إلى عمق الأزمة القائمة بين الطرفين واحتمالات أن تسفر عن تطورات خطيرة تؤثر على واقع العراق ومستقبله.

لكن لا بد من الإشارة إلى أن الوضع الحالي ليس وليد الساعة، بل نتيجة تراكمات وخلافات ومواقف وحلول مؤقتة وحصيلة من الأزمات المتراكمة تمتد منذ الأيام الأولى للاحتلال الذي فرض على العراق مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية، معتبرا أن العراق ذو أغلبية شيعية وأقليتين رئيسيتين هما السنة والكرد، وأقليات صغيرة أخرى.

وقد اعتمد الاحتلال في تلك المحاصصة الطائفية -وحتى اليوم- سياسة توزيع المناصب في كل شيء وحسبما يعدونه تمثيلا مناسبا لهذه المكونات الثلاثة، بدءا بتشكيلة مجلس الحكم المحلي والجمعية الوطنية الأولى، ثم جميع الحكومات المتعاقبة، حتى المناصب الدنيا من مدنية وعسكرية، بما في ذلك المدراء العامون والسفراء وتشكيلات اللجان.

ثبت بالوقائع الملموسة أنه لولا كون العراق بلدا نفطيا كبيرا ذا احتياطيات هائلة لما وقع الغزو عليه عام 2003

غير أن الأمر تطور، خاصة منذ تولي نوري المالكي رئاسة حكومته الأولى عام 2006 باستيلاء حزب الدعوة الإسلامي على غالبية المواقع وعلى حساب المكونات الأخرى، وأصبح اتخاذ القرار حكرا على المالكي وأنصاره.

أما الإشارة في حديث البارزاني إلى الخلاف بشأن النفط فذلك يستحق وقفة خاصة، غير أننا نذكر بإيجاز ما طرأ من تطورات بشأن ذلك:

ثبت بالوقائع الملموسة أنه لولا كون العراق بلدا نفطيا كبيرا ذا احتياطيات هائلة لما وقع الغزو عليه عام 2003.

فقد أقدمت الولايات المتحدة على التهيئة لرسم سياسات نفطية جديدة قبل أشهر من الغزو على العراق. وأعدت بعد ذلك مسودات لقوانين جديدة تسمح بالخصخصة وعودة شركات النفط العالمية للعمل في العراق التي سبق أن أممت في الفترة 1972-1975، وهي فترة التأميم التي جعلت كل أوجه النشاط بيد مؤسسات وكوادر عراقية.

فشلت الشركات الأميركية التي جاءت للعراق مع الاحتلال أمثال هالبرتون وبكتل وورلي بارسونز وغيرها في إعادة تأهيل المنشآت النفطية العراقية، واستمرت معدلات الإنتاج منخفضة ودون ما كانت عليه قبل الاحتلال وذلك حتى العام 2011، ممهدة الطريق للتعاقد مع شركات النفط الأجنبية للعودة للعمل في العراق.

ومنذ العام 2008 فشلت الحكومات العراقية المتعاقبة في إصدار قانون جديد للنفط والغاز يضفي الشرعية على عمل الشركات الأجنبية حتى يومنا هذا.

الخلاف أبقى قانون النفط على الرف
ورغم توصل حكومتي بغداد وأربيل إلى الاتفاق على مسودة نهائية بمشاركة ومباركة أميركية عام 2007، سرعان ما دب الخلاف، وبقيت مسودة القانون الأولى وما أعقبها من بدائل على الرف، دون اتفاق، وكان آخرها في سبتمبر/أيلول 2011.

قامت على ضوء ذلك حكومة بغداد بالإعلان عن ثلاث جولات للتراخيص في الفترة من 2008 إلى 2010 شملت حوالي 80% من احتياطي النفط المثبت، بما في ذلك الحقول المنتجة العملاقة مثل الرميلة وغرب القرنة والزبير ومجنون وغيرها وقامت بإبرام 15 عقدا.

وهناك جولة تراخيص رابعة في نهاية مايو/أيار القادم، مع الإشارة لإصرار الحكومة على عدم تشريع قوانين خاصة لتلك العقود، كما يقتضيها القانون 97 لسنة 1967 النافذ المفعول.

أما إقليم كردستان فقد أقدم في أغسطس/آب 2008 على إصدار قانون خاص به يتيح لنفسه التعاقد مع شركات أجنبية، وفق صيغة المشاركة في الإنتاج حصرا ليس لحقول وتراكيب وأراض داخل حدود المحافظات الثلاث أربيل والسليمانية ودهوك، بل تجاوزها لأراض تابعة لمحافظات نينوى وكركوك وديالى وصلاح الدين، التي يدعي أنها متنازع عليها مع الحكومة الاتحادية.

بلغ عدد العقود التي أبرمها الإقليم حوالي 48 عقدا، كان آخرها في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2011 مع شركة إكسون موبل، الذي أعلنت بغداد عن رفضها جميعها واعتبارها غير شرعية حيث تنص القوانين النافذة ذات العلاقة على أن ذلك من صلاحيات وزارة النفط حصرا، كما أن مواد دستور العام 2005 غامضة وقابلة للاجتهاد والتفسير ولم تصدر بموجبها قوانين جديدة تلغي أو تعدل القوانين النافذة.

رغم توصل حكومتي بغداد وأربيل إلى الاتفاق على مسودة نهائية لقانون النفط بمشاركة ومباركة أميركية عام 2007، سرعان ما دب الخلاف، وبقيت مسودة القانون الأولى وما أعقبها من بدائل على الرف

واكتسب التعاقد مع إكسون موبل أهمية خاصة كون الشركة الأميركية متعاقدة مع وزارة النفط الاتحادية بعقد خدمة لحقل غرب القرنة-1 ولا يحق لها الدخول بتعاقدات مع الإقليم، مما أدى بالوزارة إلى إصدار تهديدات للشركة بإنهاء العمل في حقل غرب القرنة وحرمانها من أي عقود جديدة.

وبعدما يزيد عن خمسة أشهر أعلنت الوزارة أن إكسون أبلغتها بكتب رسمية عن قرارها تجميد العقود مع الإقليم، في حين يؤكد الإقليم وآخرها تصريحات البارزاني عدم صحة ذلك.

كردستان يوقف ضخ النفط
كنتيجة لهذا الصراع أعلن الإقليم توقفه عن ضخ 175 ألف برميل يوميا في منظومة التصدير عبر تركيا، بعد التزامها في العام 2011 بضخ 100 ألف برميل يوميا، و175 ألف برميل يوميا في العام 2012، قبيل إقرار ميزانية العراق كشرط لحصول الإقليم على 17% من تلك الميزانية، مما حدا ببغداد إلى التهديد باستقطاع ما يعادل قيمة تلك الكمية من حصة الإقليم.

إقليم كردستان العراق، من جانبه، يتهم بغداد بعدم الالتزام ببنود الاتفاق المتضمن تسديد الحكومة المركزية لما يعادل 50% من كمية النفط التي يضخها الإقليم، في حين ترد بغداد بأنها سددت جزءا من ذلك وبانتظار مصادقة اللجنة التدقيقية المختصة على عمليات وتكاليف الإنتاج للشركات العاملة في الإقليم.

تطور الأمر بأن اتهمت بغداد الإقليم بقيامه بتهريب النفط عبر الأراضي الإيرانية إلى الهند وباكستان وأفغانستان وغيرها.

ورد الإقليم باتهام بغداد بتصدير النفط إلى إسرائيل عبر ميناء العقبة الأردني. وقد رفض كلا الطرفين تلك الاتهامات وكذلك الدول المجاورة التي ورد ذكرها.

ترى ماذا تخبئ الأيام القادمة لنا من تطورات وما ستكشف لنا من أسرار؟

وكما هو الحال دائما، فإن الشعب هو دائما الخاسر والمتضرر الأكبر مع استمرار تفشي الفساد وتراكم الثروات الشخصية لدى عدد محدود من الأفراد.

وتبقى وحدة العراق وأرضه ومصالح شعبه في خطر كبير.
____________________
وزير النفط العراقي الأسبق

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

اتهمت وزارة النفط العراقية إقليم كردستان العراق بتهريب كميات كبيرة من النفط الخام ومشتقاته إلى إيران وأفغانستان بعد أن أعلن الإقليم وقف تصدير النفط يوم الأحد الماضي في أحدث مواجهة ضمن نزاع طويل الأمد للسيطرة على النفط بالإقليم.

أثار قرار حكومة إقليم كردستان العراق بإيقاف تصدير النفط زوبعة من الاتهامات بين حكومتي بغداد وأربيل، ففي الوقت الذي اتهم مسؤول كردي بارز حكومة بغداد بتهريب النفط العراقي إلى إسرائيل، نفى مسؤول كبير في وزارة النفط ذلك.

جدد رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني هجومه على رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي متهما إياه بالدكتاتورية، ملمحا إلى إمكانية طرح مسألة سحب الثقة منه. كما هدد الزعيم الكردي أثناء زيارة للولايات المتحدة باللجوء إلى استفتاء بشأن إنشاء دولة كردية.

استبعد مسؤول عسكري كبير بإقليم كردستان العراق الثلاثاء اللجوء إلى الخيار العسكري لحل المشاكل العالقة بين حكومتي بغداد وأربيل، لكنه أكد في الوقت نفسه قدرة وزارة الدفاع بالإقليم على التصدي لأي هجوم للجيش العراقي.

المزيد من اقتصادي
الأكثر قراءة