الطريق إلى ميدان التحرير ح2

النصائح الاقتصادية المدمرة التي قدمها صندوق النقد الدولي لنظام مبارك، ونشوء "رأسمالية المحسوبية" جراء ذلك هي التي أوقدت جذوة غضب المصريين وفجرت ثورة يناير لاحقا.

الخصخصة.. "نمو بلا تنمية"

في ميزان الاقتصاد الكلي (macroeconomics)، حقق برنامج تحرير الاقتصاد الذي طبقته الحكومة المصرية نجاحاً باهرا، فالاقتصاد التي انكمش بنسبة 2% عام 1990، نما بنسبة كبيرة بلغت 5% عام 1996، والتضخم الذي كان بحدود 20% في أواخر ثمانينيات القرن الماضي تراجع إلى مستوى 7%، وثقة المستثمرين التي تردت بصورة خطيرة، استعادها الاقتصاد بصورة كبيرة.

لم تمضِ سوى عشر سنوات حتى منح صندوق النقد الدولي مصر لقب "أفضل دولة في الإصلاح الاقتصادي"، بعدما سجل إجمالي ناتجها المحلي الإجمالي نموا بنسبة 7% عام 2007.

ووفقاً لتقرير صندوق النقد الدولي لنفس العام، "فقد شهد الاقتصاد المصري عاماً آخر من الأداء المبهر مدعوماً بإصلاحات مستدامة وإدارة اقتصادية حصيفة وبيئة استثمارية مواتية". كما كال التقرير المديح "للحكومة الإصلاحية" لتنفيذها خطة الإصلاحات رغم تذمر الطبقات الفقيرة الوسطى من الارتفاعات الكبيرة في أسعار المواد الغذائية، وتزايد مشاعر الإحباط تجاه إصلاحات تحقق "نموا بلا تنمية".

قصة "النمو بلا تنمية" هي كل شيء بالنسبة لغالبية المصريين. فأرقام النمو هذه -التي أثارت إعجاب صندوق النقد الدولي- كانت بالنسبة للمصريين بكل بساطة موجات متعاقبة من تسريح العمال، وخفض الأجور، وإحالات بالجملة على التقاعد المبكر، ووقف الدعم الحكومي للسلع الاستهلاكية.

والحقيقة أن برنامج الإصلاح الاقتصادي في مصر ترك آثارا عميقة على سوق الوظائف والطبقة العاملة.

وحسب أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في جامعة ستانفورد جويل بينين، فإن شركة صناعة البيرة المحلية (ستلا) وشركة كوكا كولا هما الشركتان الوحيدتان اللتان شهدتها نموا في عدد الوظائف في إطار برنامج الخصخصة.

وقد وصف الخبير الاقتصادي يسار جرار هذا الواقع -خلال مداخلة له في مؤتمر للبنك الدولي عُقد مؤخراً حول واقع الاستثمار في أعقاب الربيع العربي- بعبارة طريفة قائلا "عليك أن تكون مواطنا كليا  (macro-citizen) لتستفيد من الخصخصة". (قياسا على الاقتصاد الكلي الذي استفاد من الخصخصة فقط.(

"
كان انضمام مصر لمنظمة التجارة العالمية عام 1995 وبالا على الطبقة العاملة، لأن تقليص التعرفات الجمركية والقيود على السلع الأجنبية، قلص قدرة الدولة على حماية القطاعات التي توظف أعدادا كبيرة من المصريين، مثل صناعة الغزل والنسيج "

 وقد كان انضمام مصر لمنظمة التجارة العالمية عام 1995 أيضا وبالا على الطبقة العاملة، لأن تقليص التعرفات الجمركية والقيود على السلع الأجنبية، قلص قدرة الدولة على حماية القطاعات التي توظف أعدادا كبيرة من المصريين. فصناعة الغزل والنسيج -التي تعود جذورها إلى عصر الفراعنة- تضررت بصورة كبيرة بعدما غزت المنتجات الصينية والآسيوية السوق المصرية مستفيدة من خفض الجمارك والقيود على دخولها.

هل كان هذا مفاجئا؟ لا. لقد صدرت تحذيرات مسبقة من الآثار الاجتماعية العميقة لتحرير التجارة على الطبقة العاملة في مصر، فتقرير الوكالة الأميركية للتنمية الدولية الصادر عام 2004 توقع أن يفقد 22185 مصريا وظائفهم في صناعة الغزل، وأن تخسر هذه الصناعة نحو 204 ملايين دولار من حصة صادراتها، وهو رقم يمثل 4% من قيمة الصادرات غير النفطية لمصر.

إذن من حصد ثمار تحرير الاقتصاد والانضمام لمنظمة التجارة العالمية؟ إنها مجموعة من الشركات التي تملكها فئة صغيرة من المستثمرين ورجال الأعمال المقربين من نظام مبارك، والعاملة بصورة رئيسية في قطاعات البناء والاستيراد والتصدير والسياحة والعقارات، والمواد الغذائية والمشروبات والسلع الاستهلاكية باهظة الثمن التي لا يقدر غالبية المصرين على شرائها، وذلك وفقاً لما يقوله عالم الاقتصاد السياسي في جامعة كولومبيا تيم ميتشل.

ويضيف ميتشل -في التقرير الخاص بالشرق الأوسط عام 1999- قائلا: "برنامج الخصخصة خلق طبقة جديدة من الأثرياء لكنها طبقة صغيرة الحجم. الدولة توقفت عن دعم قطاعات الزراعة والصناعة والتدريب وبرامج توفير التوظيف، وأصبحت تمول رجال الأعمال بدل المصانع، والمضاربين بدل المدارس".

في الحلقة المقبلة نتعرف على كيفية انهيار "ديمقراطية الخبز" التي ابتدعها مبارك، وقايض بها حقوق المصريين المادية بحقوقهم السياسية.

اقرأ أيضا: جمر الغضب.. تحديات اقتصادية وأمنية

المصدر : فورين بوليسي

المزيد من أزمات
الأكثر قراءة