وثائقي أسرار المعمرين.. طاعنون في السن يتمتعون بصحة جيدة

بينما يتسارع إيقاع الحياة الحديثة، وتزداد الضغوط اليومية التي تلتهم أعمارنا قبل أن نشعر بانقضائها، تبرز في أطراف هذا العالم بقع صغيرة يعيش الناس فيها حياة طويلة تتجاوز قرنا كاملا من العمر، تعرف هذه المناطق باسم “المناطق الزرقاء”، وتضم مجتمعات هادئة تطغى عليها البساطة، فلا إفراط في النشاط البدني ولا اختلال في نظام الأكل، واعتماد شبه ذاتي على المنتجات محلية الصنع.
تنتشر هذه المجتمعات المعمّرة في مناطق متفرقة على مستوى القارات، ويظهر النشاط سمة مألوفة لدى الطاعنين في السن، كما كشفته في بادئ الأمر مجموعة من الباحثين الإيطاليين الذي شدوا رحالهم إلى أقصى جنوب إيطاليا، حيث جزيرة “سردينيا” الواقعة في قلب البحر الأبيض المتوسط.
اقرأ أيضا
list of 3 items- list 1 of 3العمر الرابع.. حين تصبح الشيخوخة مجرد رقم
- list 2 of 3وعد الشيخوخة المريحة.. تاريخ نشأة أنظمة التقاعد في العالم
- list 3 of 3شيخوخة اليابان.. خطر داهم يهدد نهضتها
لاحظ الباحثون أن نسبة المعمرين الذين تتجاوز أعمارهم 100 عام عالية بين سكان هذه الجزيرة الكبيرة، ما دفعهم إلى البحث عما إذا كان مرجع ذلك جيني أم أنه نمط حياتي مغاير للذي نعيشه، لا سيما وأننا نعيش في عالم تغزوه أمراض شائعة مثل أمراض القلب والسكري والاكتئاب.
وقد كانت هذه الملاحظات محل تشكيك لدى شريحة كبيرة من علماء الديموغرافيا، وهو العلم الذي يدرس خصائص السكان من حيث العدد والتوزيع والخصائص والتغيرات عبر الزمن، ما استدعى تدخلا خارجيا من أحد الباحثين البلجيكيين، يدعى “ميشيل بولان”، لإجراء عملية إحصاء كبيرة امتدت لنحو 6 أشهر.

وخلال هذه المدة، أجريت العشرات من المقابلات، وجرى التحقق من الوثائق الرسمية، وكان “بولان” كلما تأكد من عمر أحد المعمرين، وضع علامة زرقاء على الخارطة حيث يقطن الشخص المعمر. ومع مضي الوقت، امتلأت بعض أجزاء الخريطة بالنقاط الزرقاء على نحو بارز، ثم تحولت لاحقا إلى ما يعرف بـ”المناطق الزرقاء”.
وجرى تعميم هذه التسمية للإشارة إلى المناطق التي يتمركز فيها عدد كبير من المعمرين الذين يتجاوز عمرهم 100 سنة، كما نشرت نتائج هذه الدراسة عام 2004، والتي استندت عليها لاحقا أعمال بحثية أخرى معتمدين التسمية ذاتها.1
5 مناطق زرقاء معتمدة حول العالم
في غضون ذلك، كان باحث أمريكي يدعى “دان بوتنر” يعمل على مشروع مشابه؛ إذ اكتشف وجود مناطق حول العالم يتجاوز فيها عدد المعمرين الذين تخطوا سن الـ100 أقرانهم في الولايات المتحدة بنسبة تزيد على عشرة أضعاف. وقد ابتكر “بوتنر” اسم “المناطق الزرقاء” للإشارة إلى تلك المواقع، واعتمد خمس مناطق متباعدة جغرافيا تحمل هذا اللقب. 2
فقد أشار إلى جزيرة “أوكيناوا” في اليابان، و”سردينيا” في إيطاليا، و”نيكوايا” في كوستاريكا، و”إيكاريا” في اليونان، ومدينة “لوما ليندا” في ولاية كاليفورنيا الأميركية. ولاحظ “بوتنر” أن ثمة خصائص مشتركة تجمع بين سكان هذه المناطق من حيث الروتين اليومي والنظام الغذائي. كما وضع ثلاثة معايير أساسية لاعتماد أي منطقة في العالم ضمن “المناطق الزرقاء”، وهذه المعايير هي:

- وجود مستندات موثقة وموثوقة تثبت معدلات المواليد والوفيات.
- ارتفاع نسبة المعمرين مقارنة بالمعدلات العالمية.
- ارتفاع نسبة الأعمار الطاعنة داخل المجتمع المحلي نفسه مقارنة ببقية المناطق في البلد محل الدراسة.
وبإجراء العديد من الدراسات المكثفة على هذه الفئات، لم تتوانَ تلك الدراسات عن إظهار ملامح وسمات مشتركة لافتة على عدة مستويات، رغم تباعد المسافات واختلاف الثقافات واللغات. ولم يكن الأمر مرتبطا بالجينات، بل بالنمط المعيشي الذي قد تبدو فوائده بديهية إلى حد ما، إلا أن نتائجه -كما كشفت هذه الدراسات- أحدثت فارقا مدهشا في فهمنا لهذه “البديهيات” ومدى أهمية التعامل معها بجدية أكبر.
النظام الغذائي.. حيث يبدأ كل شيء
تشير الدراسات إلى أن ثمة عاملا مشتركا بين هذه المناطق فيما يتعلق بالحمية الغذائية؛ إذ يعتمد سكان “المناطق الزرقاء” على النباتات في نحو 95% من نظامهم الغذائي، بينما لا تظهر اللحوم بمختلف أنواعها إلا نادرا، وبمعدل 5 مرات تقريبا في الشهر. وتشير إحدى الدراسات الواسعة التي أجريت على نصف مليون مشارك إلى أن تجنب اللحوم الحمراء واللحوم المعالَجة يقلل بشكل كبير من خطر الوفاة بسبب أمراض شائعة مثل أمراض القلب والسرطان.

وتبدو موائدهم عادة متنوعة وغنية بأهم العناصر الغذائية، إذ يعتمدون يوميا أربعة أصناف رئيسة:
- الخضراوات، وهي مصدر غني بالألياف والعديد من الفيتامينات والمعادن.
- البقوليات مثل الفاصوليا والبازلاء والعدس والحمص، وهي غنية بالألياف والبروتين.
- الحبوب الكاملة، وهي غنية بالألياف أيضا، ويسهم تناول كميات جيدة منها في خفض ضغط الدم.
- المكسرات، وهي مصادر غنية بالألياف والبروتين والدهون غير المشبعة بنوعيها المتعددة والأحادية.
وقد وجدت إحدى الدراسات أن سكان “أوكيناوا” اليابانية يعتمدون في غذائهم على “قاعدة الـ80% “، التي تقتضي التوقف عن تناول الطعام عندما يشعر المرء بأنه شبع بنسبة 80% فقط، بدلا من الامتلاء الكامل. وهذا الأسلوب يمنعهم من استهلاك كميات كبيرة من السعرات الحرارية، وبالتالي يحد من خطر زيادة الوزن والأمراض المزمنة.
كما أنهم يتبعون نمطا بطيئا في الأكل لتجنب الإفراط في تناول الطعام. وربما يعود السبب في ذلك إلى أن الهرمونات المسؤولة عن الإحساس بالشبع لا تبلغ مستوياتها القصوى في الدم إلا بعد نحو 20 دقيقة من بدء الأكل، ما يعني أن الجسم لا يدرك كمية الطعام التي دخلت إلى المعدة خلال الدقائق الأولى.3
الجهد البدني المعتدل.. حيوية لا تنقطع
ومن الملاحظ أن هذه المناطق لا تضم أي أندية رياضية -وهي الأماكن التي تحاول إنقاذ الإنسان من تبعات النمط الحداثي للحياة اليومية- فسكان “المناطق الزرقاء” لا يرتادون الصالات الرياضية، ولا يلتزمون ببرامج بدنية مكثفة أو صارمة للحفاظ على رشاقتهم وحيويتهم. ومع ذلك، تبدو أجسادهم قوية ورشيقة حتى عند بلوغهم سن التسعين، ويكمن السر في هذا القوام السليم في الأسلوب المعيشي الطبيعي، دون تكلف أو تقاعس.
إذ يندرج النشاط البدني تلقائيا في تفاصيل حياتهم اليومية، فعلى سبيل المثال، يعد الرعي إحدى السمات البارزة لدى سكان جزيرة “سردينيا”، كما يحرص كبار السن على العناية بحدائقهم الصغيرة، ولا وجود لإدمان الجلوس الطويل أمام الشاشات، بل إن كل تفصيلة في حياتهم تدفعهم إلى الحركة من دون وعي؛ من المشي إلى الأسواق إلى الاهتمام بالمنازل والحدائق.4

وقد أظهرت دراسة من جامعة هارفارد، أجريت على أكثر من 13 ألف رجل، أن هذه الأنشطة اليومية يمكن عبرها تحديد العمر البيولوجي للفرد، من خلال حساب المسافات التي يمشيها يوميا وعدد درج السلالم التي يصعدها.5
وتشير التوصيات الحالية في “إرشادات النشاط البدني للمواطنين الأمريكيين” إلى ضرورة ممارسة ما لا يقل عن 75 دقيقة من النشاط القوي، أو 150 دقيقة من النشاط متوسط الشدة أسبوعيا. كما وجدت دراسة كبيرة شملت أكثر من 600 ألف شخص أن الذين يلتزمون بالمقدار الموصى به من التمارين تقل لديهم معدلات الوفاة بنسبة 20% مقارنة بمن لا يمارسون أي نشاط بدني.6
الروابط الاجتماعية والتكافل الأسري
ومن المدهش أن الجانب الاجتماعي في هذه المناطق لا يقل أهمية عن النظام الغذائي والنشاط البدني؛ فالحالة المعنوية والمزاجية تلعبان دورا كبيرا في تحصين الجسم وتعزيز جهازه المناعي. وتحظى الروابط الأسرية بأهمية خاصة، إذ تحافظ العائلات على تواصل دائم ومستمر بين جميع أفرادها.
ولا يقتصر الأمر على نطاق الأسرة فحسب، بل يتسع ليشمل الأصدقاء والمقربين. ففي منطقة “أوكيناوا” اليابانية، على سبيل المثال، تتكون مجموعات تدعى “موآي”، وهي دوائر تضم عادة خمسة أصدقاء ترتبط بينهم صداقة تمتد مدى الحياة، ويتشاركون الدعم المادي والعاطفي. وتشير بعض الدراسات إلى وجود ارتباط بين الأمراض القاتلة والشعور بالوحدة، وتأثير ذلك على الحالة الصحية ومعدلات الوفاة.7
أما في جزيرة “إيكاريا” اليونانية، فهناك طقوس اجتماعية حاضرة دوما كالأحاديث الطويلة والغناء والرقص، وكأن التواصل البشري ذاته يشكل إكسير الشباب بالنسبة لهم.

وتشير الدراسات إلى أن التواصل الاجتماعي الحقيقي قادر على تقليل حدة التوتر المزمن، الذي أصبح إحدى السمات الشائعة في عصرنا، وما ينتج عنه بطبيعة الحال من أمراض القلب والاكتئاب. كما تعد العزلة أحد المظاهر المنتشرة في العالم الحديث، والتي تسهم في تفاقم المشكلات الصحية.
وعلى المستوى الطبي، لا يمكن تحديد أهمية الحياة الاجتماعية بشكل مباشر من خلال مؤشر واحد، إلا أن الاستنباط اعتمادا على العوامل المصاحبة يجعل الأمر يبدو شديد الأهمية بالفعل.
الروحانية والإيمان.. أن يكون لك هدف في الحياة
وأخيرا، وعلى الصعيد الحياة الشخصية والعلاقات الروحانية، نجد أن هذه المجتمعات تعتمد في الغالب على المشاعر الإيمانية، رابطين الحياة بمعانٍ خفية، ويتبعها بعض الضوابط الدينية التي تحرم عليهم استخدام أو فعل أمور معينة، مثل استهلاك الكحول أو المخدرات، بل إن الحياة أوسع من ذلك وهو ما لا ينبغي أن يضيع وقته وعافيته عليها.
إذ نجد أن ساكني “أوكيناوا” يؤمنون بما يعرف بـ”الإيكيغاي”، وهو البحث عن سبب يجعلك تستيقظ كل صباح، ويترتب على ذلك ملء الفراغات النفسية التي تتسع رقعتها مع التقدم بالعمر، فتكون أيام الشيخوخة أخف وطأ ووقعا عليهم.
تشكيك.. جدل حول موثوقية هذه الأرقام
في مقابل ذلك، يرى بعض الأكاديميين أن مثل هذه الدراسات ونتائجها تبدو مضللة لافتقادها الضوابط العلمية الصارمة. فعلى سبيل المثال، يقول الباحث في كلية لندن الجامعية “سول نيومان” إن “المناطق الزرقاء” ليست سوى نتائج ثانوية مبنية على بيانات هشة وغير دقيقة.
ويضيف “نيومان” أن ما يظهر في هذه الأبحاث من أرقام يمكن تفسيره بالاحتيال المتعلق بالمعاشات التقاعدية، أو بالأخطاء الكتابية، أو بغياب سجلات موثوقة لتواريخ المواليد والوفيات. ويرى أن هذه الأخطاء -سواء كانت متعمدة أو غير مقصودة- قد تفاقمت على مدى عقود، مما أدى إلى تقويض موثوقية الإحصاءات المتعلقة بالشيخوخة بشكل خطير.

كما يشير إلى وجود تصريحات رسمية صدرت عن بعض الحكومات، تؤكد وجود أخطاء فادحة في سجلات المواليد والوفيات. ففي عام 2010، أعلنت الحكومة اليابانية أن 82% من الأشخاص المسجلين كمواطنين تجاوزوا سن الـ100 كانوا في الواقع متوفين. وفي عام 2012، أعلنت الحكومة اليونانية أنها اكتشفت أن 72% من المعمرين الذين يتلقون معاشات تقاعدية، نحو 9000 شخص، قد وافتهم المنية. كما قالت حكومة بورتوريكو في عام 2010 إنها ستستبدل جميع شهادات الميلاد الحالية بسبب المخاوف من انتشار الاحتيال وسرقة الهوية.8
ومع تباين الآراء بين مؤيد لنتائج “المناطق الزرقاء” ومشكك في صحتها، يبقى الثابت أن السعي نحو نمط حياة أكثر توازنا -من غذاء طبيعي وحركة يومية وتواصل اجتماعي حقيقي- هو ما يشكل في النهاية جوهر الفكرة. فسواء كانت الأرقام دقيقة بالكامل أم لا، فإن الرسائل المستخلصة من هذه التجارب الإنسانية تشير إلى أن العمر المديد لا يقوم على عامل واحد، بل على منظومة متكاملة من العادات البسيطة التي تمارس بانتظام، بعيدا عن ضغوط الحداثة وتسارع وتيرة الحياة المعاصرة.
وفي عالم تزداد فيه الأمراض المزمنة والعزلة الاجتماعية، قد تكون العودة إلى هذه الأسس البديهية خطوة صغيرة نحو حياة أطول بجودة أكبر.
المصادر:
[1] بولين، ميشيل، وآخرون (2004). دراسة: تحديد منطقة جغرافية تتميز بطول العمر في جزيرة سردينيا: دراسة آكيا. الاسترداد من: https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0531556504002141
[2] محررو الموقع (التاريخ غير معروف). أسرار من أطول الأشخاص عمرا في العالم. الاسترداد من: https://grandforks.bluezonesproject.com/discover-the-blue-zones/
[3] بالينغر، آي بي، كلارك إل ام (1994). دراسة: إل-فينيل ألانين يفرز الكوليسيستوكينين ويرتبط بانخفاض تناول الطعام لدى البشر: دليل على الدور الفسيولوجي في التحكم في تناول الطعام. الاسترداد من: https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/8201963/
[4] بيس، جي ام (2013). دراسة: نمط الحياة والغذاء وعلاقتهما بطول عمر الذكور في سردينيا: دراسة بيئية. الاسترداد من: https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/21958760/
[5] لي، ام اي (2000). علاقة النشاط البدني الخفيف والمتوسط والقوي بطول العمر. دراسة صحة خريجي جامعة هارفارد. الاسترداد من: https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/10670554/
[6] هناه، ارم، وآخرون (2015). دراسة: النشاط البدني في أوقات الفراغ ومعدل الوفيات: تحليل مفصل مجمع للعلاقة بين الجرعة والاستجابة. الاسترداد من: https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/25844730/
[7] روبرتسون، رويري (2024). لماذا يعيش سكان “المناطق الزرقاء” أطول من بقية العالم؟. الاسترداد من: https://www.healthline.com/nutrition/blue-zones
[8] هيل، إيرين (2024). يقول أكاديمي: “المناطق الزرقاء” حيث يصل الناس إلى 100 عام تعد بيانات مزيفة. الاسترداد من: https://www.aljazeera.com/news/2024/9/26/the-secret-of-blue-zones-where-people-reach-100-fake-data-says-academic
