“الجريمة السياسية” في “الزفاف الأحمر”
من أفلام المخرجين الشباب التي برزت في الدورة الأخيرة لمهرجان الجزيرة للسينما التسجيلية وتم تتويجها نذكر فيلم “الزفاف الأحمر” من كامبودجيا للمخرجين “ليدا تشان” و”غيوم سيوون” حيث فاز بالجائزة الذهبية للجزيرة في فئة الفيلم المتوسط (58 دقيقة ومن إنتاج سنة 2012). تسلمت الجائزة المخرجة “ليدا تشان” التي واكبت فعاليات المهرجان بحضور متميز ولافِت بنقاشاتها الرزينة وعزيمتها لتغيير محيطها.
يظهر لنا مع بداية انطلاق الفيلم اسم المخرج الكمبودجي “ريتي بان” كمنتج وهو الذي في حوزته مجموعة من الأفلام التي أخرجها عن سنوات الجمر والديكتاتورية في بلاده خاصة الفيلم الذي اشتهر به كثيرا “إس 21:آلة الموت”. وبالتالي فهو قد أصبح الراعي والمؤطر لهذه الأفلام التي تعيد قراءة تاريخ كامبودجيا من خلال السينما. يعطينا إسمه ثقة في ما سنشاهده وأننا أمام وثيقة سينمائية تتطلب الانتباه الجيد لها.
ومباشرة، بعد إسم المنتج الذائع الصيت كمخرج، نقرأ على شاشة سوداء وفي صمت مطلق ما يلي: ” خلال ديكتاتورية الخمير الحُمر (1975 – 1979) تم تزويج 250 ألف إمرأة كامبودجية بالقوة ورغما عنها”. فهذه إذن رسالة أولية يطلعنا عليها الفيلم وتضعنا بالتالي مباشرة في موضوعه. وأن تلك الفترة كانت سوداء في تاريخ نساء البلد. لم يتم التطرق لهذا الموضوع من قَبْل أو كان يتصوره البعض حيث كان التركيز منكبا على الاعتقالات والتعذيب والقتل دون الوقوف عند جوانب أخرى من أشكال القمع المسكوت عنه والذي كان هو أيضا قاسيا تَحَمَّلَهُ أصحابه بصمت من جراء سيادة الخوف.
تستمر الشاشة في سوادها لبضع ثوان بينما نسمع أصوات الصراصير ثم يظهر لنا ضوء خافتا لشمعة تتحرك في ذلك الظلام وتتبين لنا حاملتها وهي إمرأة تتجه بها – بالشمعة – نحو طفل مراهق يكتب في أوراق موضوعة على الحصيرة بالأرض مباشرة كما يظهر ضوء شمعة أخرى تضيء في أفق الجانب الأعلى من الشاشة. شمعة تتحرك بضوئها الخافت في مساحة ظلام شاسعة بشاسعة الشاشة وشمعة أخرى صغيرة في الأفق تعطينا ربما الأمل في المستقبل. لقد اشتغل الفيلم على كثير من الحروف والتفاصيل والدلالات التي سنتوقف عند بعضها في مستهل حديثنا عنه.
نعتقد للوهلة الأولى أن الطفل المراهق بصدد إعداد دروسه تحت ضوء الشمع وتحت عيون المرأة التي لا يمكننا إلا أن نخمن بأنها والدته. هذه المشاهد التي قد نحكم عليها على أنها تقليدية هي غير ذلك على الإطلاق خاصة حين تبدأ تتشكل لدينا رؤية، في ما بعد، عن الفيلم بكونها مشاهد أساسية لم يرد أصحاب الفيلم رفع اللثام عنها منذ البداية. هذا إذا ربطنا تلك المشاهد على أنها مقدمة للفيلم حيث يظهر عنوانه “الزفاف الأحمر” مباشرة مكتوبا باللون الأحمر على ظلام الليل الأسود وهو الوحيد الذي كُتب بهذا اللون المختلف إحالة إلى سيادة النظام الأحمر حينها في كامبودجيا.
تظهر – بعد دقائق من ذلك – ملامح الصباح وتلك المرأة التي شهدناها في بداية الفيلم تعمل في الحقل قبل أن تبدأ في التعريف بهويتها الشخصية: “إسمي سوشان بين، عُمري 48 سنة….”. كان في عُمر سوشان 16 سنة حين فرض عليها الخمير الحُمر الزواج بالقوة وضد إرادتها. وبعد 30 سنة من الصمت، تقرر تقديم شكوى إلى المحكمة المكلفة بمحاكمة جرائم الخمير الحُمر.
تشتغل في حقل الأرز الذي يوجد على أرض يطلق عليها سكان المنطقة “مزرعة الأشباح” لأنها كانت حقلا للإعدامات حيث يوجد تحتها مئات من الجثث لذلك تلتجئ المرأة للتقاليد – كما تقول – حتى لا يمسها سوء من أرواحهم. يعود بنا الفيلم من خلال تقنية فلاش باك – اعتمادا على الأرشيف بالأبيض والأسود – إلى تلك المرحلة التي تتبين فيها الجثث والغربان تحوم حولها.
ثم نعود إلي المرأة سوشان التي تحكي عن صديقتها المخلصة والمقربة إليها جدا (نشاهدها بجانبها تشتغل بدورها في الحقل معها) بحيث أصبحا من أسرة واحدة. ينادي أبناء وبنات كل منهن على الأخرى “ماما”. لقد جمعهما نفس المصير بالزواج القسري وهن مازالتا مراهقتين. كان الحكي عن بعضهما في الحقل. فقد تبادلن النقاش والحوار بينهن، في صيغة سؤال وجواب، طيلة مدة الفيلم حتى نتعرف نحن المشاهدون على ما جرى. وهو أيضا شكل من أشكال الإخراج الذي اعتمداه لإيصالنا المعلومات حول تلك الفترة. أما حين شرعت شوسان بالحديث عن زوجها – الذي فرضوه عليها بالقوة – فَقد كنا في فترة الليل (الظلام) وكُنَّا نسمع نباح الكلب من خارج إطار الصورة الذي توقف عند توقفها بالحديث عنه مما يؤكد أنه – أي النباح كدلالة – تم دمجه (الميكساج بلغة السينما) في الفيلم بوعي وليس اعتباطيا لأننا لم نسمعه بعد ذلك طيلة مدة الفيلم، ولم نر الكلب حينها مباشرة وإنما هو خارج إطار الصورة، أصبح جزء من الماضي. فهذه الإحالة السينمائية جميلة بين الصورة والصوت (مقابلة بين معاناة المرأة من اغتصابها ونباح الكلب كممارسة حيوانية) بالقول أن زوجها اغتصبها لرفضها له تحت حراسة عيون الخمير الحُمر. وسنشاهد الكلب، بعد تقدم زمن الفيلم بما فيه الكفاية، في عمق الصورة ممدودا/نائما/في حالة جامدة (لا ندري) حين كانت سوشان تتحدث مع قائد المنطقة عن زوجها المفروض عليها حين كانت تبحث عَمَنْ اتخذ القرار. لأن تقابل اللقطات Champ/Contre Champ بينهما كان حينها الكلب دائما في عمق اللقطات بالوضع المشار إليه قبل قليل باديا للعين. من اتخذ القرار؟

يتضمن الفيلم كثيرا من التقابل المتناقض حيث المعاناة القاسية من تاريخ ماض مستبد تتعايش مع طبيعة جميلة منحت للفيلم جمالية خاصة بلقطاتها البانورامية المفتوحة والحرة والخصبة. فقد تمكن أصحاب الفيلم من توظيفها السينمائي الذكي لها والمعبر لذلك التناقض الصارخ. ومن التقابل الجميل أيضا الذي نجح فيه المخرجان هو التقابل التاريخي بين اليوم والأمس بتوظيف الأرشيف فَجَمَعَ الفيلم بين الألوان (الحاضر) والأبيض والأسود (الماضي) بفضل مونتاج ذكي لا يخرجك عن تسلسل الفيلم بقدر ما يدفعك لفهم أفضل لما جرى ويجري في تصاعد للأحداث. وبالتالي، فتوظيف “الوثيقة السينمائية” هنا هو توظيف سينمائي وجمالي وتاريخي بوضعها في مكانها الصحيح والدقيق ما يعبر على الاشتغال الجيد في الكتابة السينمائية. ولم تكن لمجرد الاستشهاد بها. كانت تلك “الوثائق المصورة” في لُبِّ الفيلم وكأنها “صُوِّرَتْ” خصيصا له.
ونستحضر في نفس الإطار مشهدا من أهم مشاهد الفيلم الذي جمع المرأتين معا حول الطاحونة اليدوية – في الربع الساعة الأولى من زمن الفيلم – حين كُنَّ يَقُمْنَ بعملهن بشكل عاد وهن يتبادلن أطراف الحديث عما وقع لهن خاصة لسوشان فبدأت تذرف هذه الأخيرة دموع الحسرة عن ماضيها المأساوي كإمرأة في بلد يقول شيوعيا واشتراكيا يدافع عن القيم الإنسانية النبيلة واحترام حقوق المرأة. كانت دموع سوشان توازيها سيلان العصير الأبيض من الطاحونة. فكان هذا التقابل في اللقطات بينهما كطاحونة الحياة التي دمرت تلك المرأة في سن مراهقتها بسبب إيديولوجية ديكتاتورية فاشستية.
يعود الفيلم بين حين وآخر إلى تلك الأوراق التي كان الطفل يكتبها في البداية، تارة في يدي المرأة وتارة أخرى بالإطلالة عليها بالكاميرا، أو بين المرأتين معا، فشكلت تلك المشاهد فواصل وفي ذات الوقت درجة جديدة من تقدم الحكي الذي يواكبه ما تقوله لنا المرأة الفلاحة سوشان عن حياتها السابقة من زواجها القسري. ستتفوق في النهاية بعد تردد طويل لكي تجمعها في غلاف وبعثه إلى المحكمة حيث ستعطيه – أي الملف/الغلاف – للطفل نفسه (ابنها) ليقوم بهذه المهمة عندما كان متوجها إلى مدرسته. أن تملأ ملفها (الشكاية) تحت ضوء الشمع، في البداية، بمساعدة ابنها الذي يكون هو الوسيط لمساءلة هذه الفترة من التاريخ المظلم لكامبودجيا باعتباره متعلما، ثم تجمع ملفها في النهاية، في واضحة النهار بغرفتها التي تخترقها أشعة الشمس من نافذتها رغم وجود القضبان بها، وتحمل ملفها لتخرج به إلى فضاء النور الطبيعي هو رسالة سينمائية أخرى قوية حيث تجاوزت فترة الظلام وأقدمت على خطوة أخرى نحو التحرر ومُحاسبة التاريخ.
تتطور أحداث الفيلم بشكل سلس من كتابة الشكوى والحكي الشخصي إلى البحث عما جرى من خلال اللقاء بعدد من الأشخاص الذين كانوا مسؤولين حينها في الحزب السائد وتطبيق سياسته في المجتمع. وكم كانت الشهادة/الوثيقة غنية التي وظفها الفيلم عند حديثه بالضبط عن الزواج. وثيقة صوتية للزعيم السياسي يقول “نحن شعب صغير لا نتجاوز 8 مليون نسمة نرغب في الوصول إلى 20 مليون نسمة”. يدعو إذن للنسل ولذلك تم بموجبه تطبيق سياسة التزويج/الزواج بالقوة/بالعنف وكأن المرأة مجرد “معمل للنسل”. كانت تظهر لنا، أثناء الخطاب المذكور، مشاهد من الأرشيف بالأبيض والأسود لمجموعة من المراهقين الشباب والشابات تنصت لـ “التوجيه السياسي” الذي يحثهم على ضرورة النسل وكأنهم في جنازة لكونهم يعرفون المصير الذي ينتظرهم خاصة الفتيات.
لم يكن للمواطن معنى، فهو جزء من الكل مفروض عليه نمط معين من العيش ينبغي الخضوع له وهو ما أشار إليه أصحاب الفيلم بكون المجتمع مجرد قطيع وليس الزواج الأحمر إلا مظهرا من مظاهره الأقصى. فقد أبرز لنا الفيلم العمل الجماعي في المزارع والبناء على إيقاع الأغاني الثورية التشجيعية والحماسية حيث نشاهد بينهم الأطفال أيضا.
الرغبة الوحيدة لهذه المرأة الفلاحة سوشان، التي اقترب عمرها من نصف قرن، أن تعرف الحقيقة لأن ما حصل لها مازال ضاغطا عليها نفسيا فتبكي أحيانا وحدها (رغم أنها تزوجت من جديد بعد انهزام الخمير الحمر ولها 6 أطفال من زوجها الثاني الذي قُتِلَ في الحرب الأهلية). وقد واكب هذه الرغبة لهذه المرأة/الضحية تحولا في صيرورة أحداث الفيلم إذ بدأت حينها بملء أوراقها الرسمية لإيداع الشكاية تحت ضوء الشمس وبذلك خرجت من مرحلة الظلام بمقابلة ذلك بمشهد لكابوس يظهر الحريق والهجوم الأمريكي على الكامبودج بدون تعليق صوتي (كلاما كان أو موسيقى أو صواريخ حتى).
تفيق المرأة سوشان من كابوسها لتركب حافلة تشق طرقها في إعصار واضح، وكأنها حركت التاريخ واستفاق من سباته، لأن المشاهد الموالية ستدخلنا في مرحلة جديدة من زمن الفيلم وهو بحثها الشخصي عن الأشخاص المسؤولين عما جرى لها في تلك الفترة ببحثها عن من كان يعطي الأوامر. ذهبت عندهم بنفسها تَسْأَلُهم وتُسَائِلُهُم عن الماضي. سألت المسؤولين من الرجال والنساء، ووصلت إلى أفراد من أسرة زوجها الذي فُرِض عليها عنوة. فيتشكل ملفها شيئا فشيئا في نفس الوقت الذي نتعرف فيه على ما جرى لها وعن مرحلة من تاريخ ذلك البلد الذي حكمها الخمير الخُمر. فهو سفر مواز في اتجاهين (الشخصي والعام) لنعلم أن ما جرى هو ليس حالة خاصة واستثنائية بل ظاهرة أسستها سياسة وإيديولوجية لذلك جاء العنوان ترجمة صادقة له.
من الاجتهادات الإبداعية في فيلم “الزفاف الأحمر” نذكر الاشتغال الجيد على الشريط الصوتي حيث تجاوز بشكل مطلق الحشو بالموسيقى الدرامية للتصعيد منها وإثارة العواطف بل تخلى عنها نهائيا ولم تحضر الموسيقى إلا كعنصر مشارك أساسي وجزء من الحدث (أناشيد الثورة – أغاني الأعراس) فيما ترك الأصوات الطبيعية تتفاعل مع الصورة لأنها من إنتاج محيطها نفسه: نباح الكلب وزقزق الطيور والدجاج وصوت الريح وخرير الماء وخطوات البقر وأرجل الناس… وأحيانا نستمع للصمت أيضا في هدوئه تاركا السيدة في عزلتها وحيرتها تسمع لصدى تاريخها ووقعه على حياتها الحالية هي التي صمتت لأزيد من 30 سنة. وبنفس القوة أيضا اشتغل الفيلم على الإضاءة ضمن ثنائياته باستحضار الظلال والضوء في بعض المشاهد كإحالة للتجاذب في حياة المرأة ولغياب الوضوح التام حول سنوات الجمر التي لم تذهب بعيدا في الحسم فيها خاصة وأن بعض المواطنين في المناطق النائية مازالوا يخافون من الخمير الحمر الذين يحتفظون فيها بسلطتهم إلى الآن.
ينتهي الفيلم في مَشَاهِدِه الأخيرة بتشابك أيادي المرأة سوشان بأيادي إبنتها العروس بملامح على وجههن لا نعرف هل هي من الفرح أو الحزن حيث الخيط الفاصل بينها غير واضح تماما مثلما هو غير واضح مصير تاريخ برمته لتظهر مباشرة أيادي المرأة تلامس سنابل الأرز وهي تشق طريقا وحدها وسط المزرعة في مطلع الفجر حيث تظهر الخيوط الأولى للشمس التي تنظر المرأة تُجاهها أملا في يوم جديد مشرق (لاحظوا معي اختيار الزمن والمشهد كآخر ما يظهر في الفيلم / نهاية مفتوحة عن الأمل المشرق بينما بدا الفيلم بضوء شمعة خافت). ثم يبدأ الجنيريك الأخير في الظهور الذي يبرز لنا اللالتزام الكلي للمخرجين في الفيلم بمساهمتهما الفعالة في مختلف مرافق الفنون السينمائية كالمونتاج والإنتاج وكتابة السيناريو والتصوير وترجمة الحوار و… إلتزام فني وأدبي وسياسي.
فمن خلال كل ما سبق يتبين من المُشاهَدَة العميقة والمتأنية أن الفيلم قد تم التفكير فيه وفي تفاصيله الإخراجية بشكل مسبق ومدروس صحبة الشخصية الرئيسية في الفيلم المرأة الفلاحة/الضحية فينتفي فيه الفرق التقليدي بين الفيلم الوثائقي والروائي بل يُزَوِّجُ بينهما في تنسيق متكامل ومتناغم. لم يعتمد الفيلم الاشتغال على المونتاج فقط بعد شهور أو سنوات من التصوير ليتم صياغته في المختبر بقدر ما يحمل فيلم “الزفاف الأحمر” كتابة سابقة وإعداد احترافي، يعني السيناريو أولا انطلاقا من أحداث حقيقية ثم التخطيط للتصوير ثانيا مادام الموضوع جد خاص بخصوصيته الحميمية. هذه الاحترافية هي التي أعطت فيلما جميلا يجمع الوقائع بالتحليل .