“بِاسم المعبد”.. صعود كاسح للمتطرفين يهدد مستقبل إسرائيل

في اليوم الأخير من شهر سبتمبر/ أيلول عام 2000، بعث مراسل مكتب القناة الثانية الفرنسية في إسرائيل “شارل أندرلان” تقريرا إخباريا عاجلا عن مقتل الطفل الفلسطيني محمد الدرة، تضمّن تسجيلا حيا للّحظة التي أطلق فيها الجيش الإسرائيلي النار عليه وهو في حضن والده.

وقد أثار ردود فعل كبيرة هذا التقرير الذي أعدّه المصوّر التلفزيوني الحر طلال أبو رحمة وعلّق عليه المراسل الفرنسي، وعلى إثرها تحولت التسجيلات الصادقة إلى “شاهد” على الممارسات الإجرامية والشنيعة للجيش الإسرائيلي، مما دفع أجهزة الإعلام الإسرائيلية لشنّ حملة تشهير منظمة ضد “أندرلان”، اتهمته فيها بتلفيق الحقائق، كما أنكرت قتل قواتها للطفل.

لم تخِف هذه التهديدات والتهم الباطلة “أندرلان”، فأصدر بعد عشر سنوات كتابا بعنوان “مقتل طفل”، أكد فيه مرة ثانية مسؤولية الجيش الإسرائيلي عن موت محمد الدرة بنار أسلحتهم، ثم أكمل الطريق وأخرج فيلمه الوثائقي “باسْم المعبد.. الصعود الكاسح للأصولية اليهودية” (In the Name of the Temple: The Irresistible Ascension of Jewish Fundamentalism).

“شارل أندرلان” مراسل مكتب القناة الثانية الفرنسية في إسرائيل

وقد تصاعدت الأصوات اليهودية مرة ثانية بعد الفيلم، وطالبت القناة الفرنسية الثانية بمنع عرضه، لكونه فيلما يسيء إليها ويشوّه الحقائق التاريخية المتعلقّة بحقها في إحياء “هيكل سليمان” من تحت “المسجد الأقصى”!

فيلم من داخل غرفة المونتاج.. أسلوب سينمائي خاص

تبرر مشاهدة الفيلم خلال عروضه الأوروبية ذلك الخوف من الفيلم، لأنه يبرهن بشكل مذهل على أن ما تقوم به إسرائيل اليوم من محاولات لإعادة إحياء “هيكل سليمان” ما هي في الحقيقة إلا امتدادا لسياسة توسعيّة ممنهجة، بدأت حكوماتها بتطبيقها عمليا منذ حرب حزيران 67، وكان هدفها النهائي السيطرة على كل القدس ومحو كل أثر للمسلمين وديانتهم فيها، وأن التيارات الأصولية اليهودية المتشددّة لا تؤمن بفكرة التعايش بين الديانات، ولا تريد إقامة دولة فلسطينية مستقلة. فكل ما تريده هو إسرائيل الكبرى.

ومع كل خبرته الصحفية ومعرفته بالمكان الذي عمل فيه مراسلا لسنوات، فقد اختار “أندرلان” أسلوبا سينمائيا خاصا، لم يعتمد فيه كثيرا على المقابلات والحوارات، بل لجأ إلى غرفة المونتاج، ولم يصوِّر خارجها إلا ما ندر.

الحكومات الإسرائيلية تسمح للمستوطنين تدنيس المسجد الأقصى وإقامة شعائرهم فيه

هناك في غرفة المونتاج جلس طويلا، وتفحّص مئات الساعات من الأرشيف الغني والمُنوّع، ومنه أخذ ما يُعزّز فكرته ويُقنع مُشاهده بأفكاره وموقفه من حراك آني، تُنبئ تطوراته بتصادمات جديدة، وباحتمال إشعال “انتفاضة ثالثة”، بل ربما حربا أوسع من سابقاتها.

وعلى المستوى الأسلوبي يمكن مقارنة فيلمه “الأرشيفي” بأفلام اللقطة الواحدة، فالاعتماد الأكبر فيها هو على قدرة الممثلين وجلادتهم في المواصلة وتطوير المواقف الداخلية وتصعيدها. أما في الأسلوب الأول، فعناية مخرجيها تتركّز على المادة الأرشيفية، وفحص مقدار استجابتها لمتطلبات موضوعهم الرئيسي.

“هيكل النبي سليمان”.. دعاوى هشة من وحي الخيال اليهودي

يعرض الفيلم مشهدا عاما لحركة حاخامات يهود داخل الممرات والأنفاق التي حُفرت تحت المسجد الأقصى، وهي تفضي إلى “حائط المبكى” أو إلى “جبل الهيكل” المزعوم. وخلال الدقائق العشر الأولى من الفيلم، عرَض مواقف رجال دين ومؤرخِّين ومُنظّرين يهود، وكلها تؤكد حقيقة ما ورد في كتابهم من روايات عن بناء “هيكل النبي سليمان” قبل أكثر من ألفي عام.

المسجد الأقصى وجنباته أرض إسلامية لا موطئ قدم فيها للمحتل

في المقابل يُشدِّد المسلمون على معاني وجود المسجد الأقصى فوق أرض فلسطين، كما وردت في القرآن الكريم، وافتخارهم بقوة حضوره الروحية، لذلك فإن المساس به والحفر تحته، ما هو إلا محاولات مستحيلة لإزالة ثالث أعزّ مقدساتهم بعد مكة والمدينة.

على هذه الخلفية النظرية يبدو الجانب اليهودي ضعيفا لأن الوقائع التاريخية والشواهد الأثرية تقف إلى جانب المسلمين، بينما تبدو قصص اليهود خيالية بلا سند علمي. وبناء على هذا يركز الوثائقي أكثر عليهم، ويبحث في مغزى مطالباتهم والظروف السياسية التي تسمح لهم اليوم بتصعيدها.

هزيمة حزيران.. صلاة مقدسية لم يحلم بها اليهود من قبل

يترك الوثائقي النظريات جانبا، ويعود إلى التاريخ الحديث، وبالتحديد إلى حرب 1967، فهي نقطة الارتكاز القوية التي انطلقت منها الحركات الدينية اليهودية الأصولية المعاصرة -ومعها القومية المتشددة- في مشروعها التوسعّي، جغرافيا وسياسيا.

بوستر فيلم “باسم الهيكل”

فباحتلالها سيناء ومرتفعات الجولان وغزة والصفة الغربية، تجرأ المتشددون اليهود على دخول القدس، وصلى بعضهم أول مرة عند حائط المبكى، وقد وصف بعض قادة وحدة المظليين دخولهم هناك بأنه فصل جديد من تاريخ التوراة، يدخل فيه أحفاد الملك سليمان إلى “جبل الهيكل”.

وقد استغل المتشددون القوميون نشوة النصر، وراحوا يدخلون أفواجا إلى حائط المبكى في خرق للمعتاد، فالقدس كانت حتى الأيام الأولى من شهر حزيران 1967 حصرا على المسلمين، ولا يسمح بالصلاة لغيرهم داخل الحرم القدسي.

كانت ردود أفعال المسلمين، والخشية من ردود أفعال خارجية أشدّ، من ما دفع “موشي ديان” إلى إصدار أوامره بمنع جنوده من الصلاة هناك، وطلب مغادرة اليهود “طريق البراق”، وهو اعتراف منه بعدم وجود شيء اسمه “جبل الهيكل” أو “معبد سليمان”.

بعد حرب حزيران/يونيو 1967، استغل اليهود النصر ودخلوا يؤدون صلاتهم عند حائط البراق

ويُبيّن التصادم بين اليهود المتشدّدين وحكومتهم وحده ضعف حجّة رجال الدين في أحقيتهم التاريخية بتلك الأماكن، لكن بعد وقت قصير تراخت قبضة الحكومة، وسُمح للجنود بالدخول التدريجي إلى هناك، ومع الوقت بدؤوا إقامة مستوطنات يهودية قريبة من المسجد، وهو ما يدل على تغير في مواقف الحكومة وقادة الجيش.

مدارس “يشيفا”.. بيئة متطرفة أنتجت الساسة وقادة الجيش

لتعميق تحليله ونظرته التاريخية الثاقبة، يعود الوثائقي لتفسير أسباب قبول وتشجيع قادة الجيش الإسرائيلي على بناء المستوطنات، ويعرض تسجيلا نادرا يقدمه خلال مراجعته لدور مدارس “يشيفا” المتشددة في رفد الجيش بقادة من خريجها.

هيكل مزعوم لم يثبت له أي وجود ينوي المتطرفون اليهود بناءه على أنقاض المسجد الأقصى

في تسجيلات قديمة تعود إلى بداية العشرينيات من القرن الماضي، يظهر الحاخام “إبراهام إسحاق كوك” الأشكينازي، الذي مهد لفكرة دولة إسرائيل الكبرى، فقد أراد “كوك” إحياء مشروع هيكل سليمان من تحت الأقصى والسيطرة على القدس كلها، بالسماح لليهود بدخولها والإقامة فيها وإحداث تغيير جيوسياسي عبر بناء مستوطنات يهودية في كل “إسرائيل”.

وقد أصبح خريجو مدارسه بعد عقود قادة كبارا في الجيش الإسرائيلي، يحملون في دواخلهم قناعاته، وإيمانا راسخا بحقّهم في استعادة “الهيكل الثالث” الموعود.

“الخليل ومستوطناتها الأولى”.. فصل من كتاب التشدد اليهودي

بعد هذا الفصل الرائع والشديد الإقناع، يدخل الوثائقي إلى مساحة تاريخية جديدة من تاريخ التشدد اليهودي عنوانها: الخليل ومستوطناتها الأولى.

فقد كانت الخليل ومسجدها الإبراهيمي عقبة كبيرة في طريق مشروعهم التوسعّي، لهذا حاولوا، بعد هزيمة حزيران التسلّل إليها، فدخلت أول مجموعة من اليهود فندقا كبيرا ونظمّت ندوة دينية فيه دعت اليهود خلالها إلى البناء حول المدينة والمشي في شوارعها.

المتطرفون اليهود يقتطعون جزءا كبيرا من الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل

وستكون مستوطنة “كريات أربع” الخلية السرطانية الأولى، ومنها ستتوسّع دائرة تخريب الجسد الفلسطيني، فقد انتهى إلى غير رجعة قرار الحكومة بعدم بناء المستوطنات في المناطق المحتلة.

“يهودا والسامرة”.. قضم غزة والضفة بنصوص التوراة

يواصل الوثائقي قراءة تاريخ الحكومات الإسرائيلية ومواقفها من بناء المستوطنات، بوصفها مؤشرا على رغبتهم الدائمة في التوسّع على حساب الشعب الفلسطيني وتحديا صارخا له.

ويتوقف طويلا عند وصول حزب الليكود برئاسة “مناحيم بيغن” في السبعينيات، فقد وضع حدّا “للاعتدال” الحكومي السابق المتمثل بـ”إسحاق رابين” الذي كان “متحفِّظا” على قضم الضفة الغربية، إذ سيطلق “بيغن” على غزة والضفة اسما عبريا توراتيا هو “يهودا والسامرة”، وسيدعو إلى بناء مستوطنات فيها، فهذه المناطق تعود إليه وإلى شعبه، لا إلى عرفات وغيره من الفلسطينيين.

السادات وبيغن، لقاء قريب في محادثات السلام 1979

والمفارقة أنه في هذا الوقت من التصعيد جاءت معاهدة السلام التي وقعّها الرئيس المصري أنور السادات مع “بيغن” نفسه، فبعد عقود من الصراع، ظهرت بوادر سلام بين الطرفين، لكن اليمين المتطرّف والأصوليين اليهود وقفوا ضدها، واستطاعوا إفشالها في النهاية، وكان “بيغن” وحزبه من أشد مناصريهم.

“غوش إيمونيم”.. تطرف يخرب المقدسات ويغتال الرئيس

يلاحق الوثائقي المشوِّق رحلة الحركات المتشدّدة منذ حرب 1967 حتى وقتنا الحالي، فيلاحق مواقف حركة “غوش إيمونيم” على وجه الخصوص، ويُظهر دورها التخريبي الرافض للوجود الفلسطيني بالمطلق، على طول المراحل التاريخية التي أعقبت الهزيمة، ودورها الضمني في تصفية رئيس الوزراء “رابين”، على يد المتطرف “إيغال عامير”، بعد تفاوضه مع الفلسطينيين في أوسلو أواسط التسعينيات.

اليمين الصهيوني المتطرف متمثل بنتنياهو ووزيره بن غفير

لقد لعبت الحركة على تهييج المشاعر القومية والدينية ضد العرب والمسلمين، ووقفت ضد كل تيار “معتدل” يظهر من الداخل، كما كانت وراء محاولات تخريب أماكن المسلمين المقدسة.

وليست حركة “غوش إيمونيم” وحدها، بل كانت هناك حركات أخرى شجعت على إحياء فكرة “جبل الهيكل”، ولا سيما تلك القريبة من مدرسة “كوك” المتطرفة التي أثرّت كثيرا في قرارات الساسة والجنرالات الكبار، ودفعتهم للضغط أكثر على الشعب الفلسطيني، حتى فجّر في نهاية الثمانينيات انتفاضته الأولى، ردا على الظلم والتوسّع على حساب حقوقه وأرضه.

“بنيامين نتنياهو”.. مثال مصغر لتيار فكري متشدد

كل هذا السجل التاريخي يقدّمه الوثائقي من خلال تسجيلات قديمة تقول كل شيء بوضوح، حتى يتساءل المرء: من أين له كل هذه الكنوز المسجلة؟ وكيف استطاع معرفة هذا التاريخ الملتبس والمتداخل بين السياسي الواقعي وبين “الحلمي” الديني الوهمي المغذي للتطرف والتصعيد؟

مناحيم بيغن، أول من نادي الضفة الغربية باسم يهودا والسامرة

لقد أصبح للمتطرفين والمستوطنين اليد الطولى في إسرائيل منذ عام 1967، وهذا يفسر سر فشل كل تقارب سياسي محتمل مع الفلسطينيين، فالدولة تُقاد وتُدار بتأثير الفكر الديني المتشدد، وهو متحالف مع السياسي المنتفع منها وغير البعيد عن قناعاتها.

ويخصص “أندرلان” فصلا قصيرا لـ”بنيامين نتنياهو” بوصفه مثالا مصغرا لتيار فكري متشدد، يريد كتابة التاريخ اليهودي التوراتي، وفق تصورات متخيلّة تكرر فكرة الحفر تحت الحرم الشريف، مما دفع الفلسطينيين إلى الانتفاضة الثانية سنة 2000.

توسع المستوطنات.. بذرة انتفاضة ثالثة توشك على الانفجار

يستنتج الوثائقي من قراءته المتأنية للتاريخ اليهودي المعاصر إلى جانب أشياء مهمة كثيرة، أن المشروع التوسعّي اليهودي ماضٍ كما كان مخططا له منذ البداية.

فانتشار المستوطنات في اتساع، والقبول بفكرة قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس غير وارد في ذهن الطرف الثاني، لأسباب أصرّ الفيلم على تثبيتها في كل وقفة له من وقفاته الكثيرة والمتأمّلة للمشهد السياسي الإسرائيلي، بعين مفتوحة وذهن متقد، مما جعل نصّه الرائع واحدا من المراجع السينمائية المتناولة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي بموضوعية.

اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية سنة 2000 بإثر تدنيس المسجد الأقصى من قبل شارون والمستوطنين

فقد ساهمت هذه الموضوعية في فهم كثير من إشكالات الصراع، ومعرفة أسباب التوتر الحالي بين الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي، وظهيره من الأصوليين اليهود الراغبين في الاستيلاء على مزيد من أراضي أصحاب الوطن، وتخريب أماكن عبادتهم.

غزة تذل الكيان الصهيوني ومَن وراءه، وتفضح جرائمهم على أعين الناس

وربما قاد ذلك التعنت إلى انتفاضة ثالثة، أو إلى حرب جديدة لا يستنكف قادة إسرائيل ولا رجال دينها اليهودي من الترحيب بها، لأن كثيرا منهم ما زال منتشيا بنتائج حرب 1967، ولم يتعظّ بعد من تجارب الانتفاضات ومن خطر توسيعها إلى حرب دينية شاملة تخرج عن حدودها الحالية، كما يلمِّح الفيلم أكثر من مرة.


إعلان