رحيل بريجيت باردو.. واسيني الأعرج يودع أيقونة "الزمن الذي لن يتكرر"

بريجيت باردو، التي رحلت عن عمر ناهز الواحد والتسعين عاماً، امرأة تمردت على أمجاد السينما، لم تَدع يوماً أنها الزوجة الصالحة أو الأم المثالية؛ فقد عاشت حياتها بأسلوب واحد: كسر القواعد. وعلى الرغم من أن السينما كانت المسرح المثالي لاستعراض "جمالها الفطري" وحيويتها الخام، إلا أنها لم تملك صبراً على أدوات المهنة؛ فقد ضاقت ذرعاً ببطء التصوير، وبالإعادات المتكررة، وبسلطوية المخرجين. وصمدت في هذا العالم عقدين من الزمان.تصميم البوستر رواس سعيد

كانت بريجيت باردو مريضة، وقد أصبح وضعها الصحي هشا جدا. وكانت تدرك جيدا ان أيامها قليلة؛ وهو ما رواه زوجها برنارد دورمال، الذي ارتبطت به منذ أكثر من ثلاثين سنة، عن لحظاتها الاخيرة. لكنها واجهت هذا القدر القاسي بجرأة وشجاعة.

رحلت بريجيت باردو تاركة خلفها إرثاً حافلاً وعائلة تضم زوجها الرابع والأخير، برنارد دورمال(الصورة)؛ وهو المستشار السابق للسياسي الفرنسي اليميني الراحل جان ماري لوبان. كما تركت باردو ابنها نيكولا شارييه(65 عاما)، وشقيقتها ماري-جان باردو، بالإضافة إلى حفيدتين وثلاثة من أبناء الأحفاد

وصل خبر وفاتها مقتضبا جدا، بلا تعليق ولا ذكر تفصيلي لمنجزها الحياتي. وفي بيان أرسلته مؤسستها التي تحمل اسمها الى وكالة فرانس برس، ورد فيه: "تعلن مؤسسة بريجيت باردو، ببالغ الحزن والاسى، عن وفاة مؤسستها ورئيستها بريجيت باردو، الممثلة والمغنية العالمية الشهيرة التي اختارت التخلي عن مسيرتها الفنية المرموقة لتكريس حياتها وجهودها لرعاية الحيوانات ودعم مؤسستها".

ملصقات تحمل صور بريجيت باردو على حاجز أمني قرب منزلها في سان تروبيه، جنوب فرنسا، الأحد 28 ديسمبر 2025، بعد إعلان وفاة نجمة الستينات الفرنسية التي صارت واحدة من أبرز ساحرات الشاشة في القرن العشرين، قبل أن تكرس حياتها لاحقا لنشاط حاد في الدفاع عن حقوق الحيوان وتتبنى مواقف داعمة لليمين المتطرف. كانت في الحادية والتسعين من عمرها. (أسوشييتد برس) (AP)

من عائلة برجوازية إلى أيقونة القرن الـ20

وُلِدت بريجيت باردو عام 1934 في عائلة برجوازية، وتعلمت الرقص منذ الصغر، ثم دخلت عالم عرض الأزياء وهي صغيرة، مما منحها فرصا واسعة للولوج إلى عالم السينما وهي في مقتبل العمر، حتى غدت واحدة من أيقونات السينما الفرنسية في القرن الـ20.

حوالي عام 1960: الممثلة الفرنسية بريجيت باردو تعزف على الغيتار وهي جالسة على كرسي في ساحة

وأثارت حولها جدلا كبيرا، وحول حرية صادمة لم يكن المجتمع الفرنسي مستعدا لتقبلها، ولا سيما إذا تذكرنا أن المرأة لم يُعترف لها بحق التصويت والانتخابات إلا في منتصف الأربعينيات (1944) ، ولم تشارك في الاقتراع إلا ابتداء من 1945.

إعلان

والمثير في بريجيت أن ذلك كله كان يأتي عفويا، لا يستند إلى تنظير مسبق، وهو ما جعل تأثيرها الشعبي في الجمهور النسوي كبيرا. فسيمون دو بوفوار نفسها، بكل جهودها الفكرية التنظيرية التي خصصتها لقضية المرأة، لم تمس إلا النخب المثقفة، وكانت تعترف بالدور التأثيري الذي مارسته أدوار بريجيت السينمائية.

سيمون دي بوفوار (1908-1986) إحدى أهم أيقونات الفكر النسوي في القرن العشرين؛ فهي لم تكتب كتابا نسويا عابرا، بل وضعت ما يشبه "المرجع المؤسس" للحركة النسوية عبر مؤلفها المفصلي "الجنس الآخر". كانت مثقفة ملتزمة جمعت بين الإنتاج الفلسفي والأدبي، وبين الفعل السياسي على الأرض، بما أسهم في ترسيخ تحولات وتشريعات باقية الأثر. وقد ألهمت سيرتها أجيالا من النساء الساعيات إلى الاستقلال

"التحرر" الجسدي: زمن الخمسينيات والستينيات

بوفاتها يكون زمن بكامله قد ولى، زمن جعل من بريجيت باردو رمزية "التحرر" الجسدي، في حقبة متشابكة بكل ملابسات الخمسينيات والستينيات، ساحبا وراءه أحلام جيل بكامله بنى جزءا مهما من مقاييسه الجمالية والفنية عليها ومن خلالها.

بريجيت باردو خلال تصوير فيلم "المرأة والدمية" ("La Femme et le Pantin") للمخرج جوليان دوفيفييه، في كامارغ (فرنسا)، عام 1958.

زمن الحرية والحداثة، والثورة الجنسية، والفكر، وحرية المعتقد، ووضعية المرأة، التي لم تكن بريجيت باردو معنية بها على الصعيد الفكري بقدر ما كانت معنية بالأيقونة الجسدية.

وكأن بريجيت باردو ختمت ذلك الزمن بوفاتها، على الرغم من اعتزالها الفن مبكرا، في الثلاثينيات من عمرها؛ غير أن حضورها ظل قائما، يرفض شيخوختها، ويرى فيها رمزيته الدائمة التي لا تشيخ. ورفضت بريجيت، على الصعيد الواقعي، إخفاء تجاعيدها، وتعاملت مع الحياة كما "اصطدمت" بها: في عنفوانها وبساطتها.

السينما كوسيلة للتجلي: أنوثة فائضة ونجومية طاغية

كانت السينما وسيلتها للتجلي بأنوثتها الفائضة. وظلت حتى السبعينيات أيقونة السينما الفرنسية، عبر أفلام مثيرة استثمرت جمالها إلى حد بعيد، وكانت تجد متعتها في ذلك العالم قبل أن تتفرغ لعالمها الأثير: عالم الحيوانات.

بريجيت باردو في مؤتمر صحافي لصالح جمعية "حماية الحيوانات ذات الفراء"، في 10 مارس/آذار 1979

وخاضت حروبا غير مسبوقة دفاعا عن حق الحيوان في العيش وتفادي التعذيب. ولم تنس أن تدمج في نقدها طريقة التعامل مع أضحية العيد لدى المسلمين، كما انتقدت العادات اليهودية في التعامل مع الحيوانات.

السياسة واليمين المتطرف: قرابة مضادة لحريتها

وقد استغل ذلك سياسيا من طرف اليمين المتطرف، الذي تواصل معها عبر ممثله التاريخي جون ماري لوبان. ولا نفهم هذه القرابة المضادة لحريتها إلا إذا قرأنا خيباتها العديدة من الرجال الذين عرفتهم وتزوجت بعضهم.

جان-ماري لوبان، مؤسس حزب "الجبهة الوطنية" اليميني المتطرف في فرنسا، إلى جانب ابنته مارين لوبان، التي تولت لاحقا قيادة الحزب وسعت إلى إعادة تقديمه بصورة "أكثر اعتدالا" عبر مسافة سياسية معلنة من إرث والدها المثير للجدل

لم تدم علاقتها بكاتب كلمات بعض أغانيها، سيرج غانزبورغ، إلا مدة قصيرة جدا، قبل أن تلتقي ببرنارد دورمال، الذي سيصبح زوجها الرابع، والذي أثر عليها كثيرا. فقد كان مستشارا سياسيا لزعيم "الجبهة الوطنية" اليمينية المتطرفة، جان ماري لوبان.

شهدت حقبة الستينيات ولادة قصة حب أيقونية ومثيرة للجدل، جمعت بين بريجيت باردو، بوصفها رمزاً للجمال والتحرر، والعبقري الموسيقي سيرج غانسبورغ. وقد أضفت هالة غانسبورغ الفنية صبغة استثنائية على هذه العلاقة؛ إذ عُرفت أعماله بجرأتها الصادمة وتناولها لمواضيع شائكة كالجنس والمخدرات والسياسة

كادت أن تتحول إلى صوت لهذا التطرف؛ ولعل عفويتها وشعبيتها هما ما أنقذها من الانزلاق إلى حالة لا تشبه جوهرها. خروجها من ظل دورمال حررها داخليا. وعندما كانت معه، وفي ظل أفكاره، كانت تقول إن فرنسا "باتت باهتة وحزينة وخاضعة ومريضة ومتلفة ومخربة وعادية وسوقية"، مشيرة إلى أن اليمين هو "العلاج الوحيد الطارئ لاحتضار فرنسا". ولم تُخف عداءها للهجرات العربية والإفريقية، وحتى لمناطق ما وراء البحار التابعة لفرنسا إداريا، وهي جزء حي من الجمهورية.

"Initiales BB": سيرة الرجال والخيبات

وقد ذكرت في كتابها Initiales BB تجربتها الحياتية مع الرجال الذين عرفتهم، وعاشت معهم جزءا من حياتها.أولهم المخرج السينمائي روجيه فاديم، الذي  افتتن بها من الوهلة الأولى بعد محاورتها لأداء أحد أدوار فيلم "وخلق الله المرأة".

أصدرت النجمة بريجيت باردو مذكراتها في كتاب بعنوان "أحرف أولى: ب.ب" (Initiales B.B.) عام 1996، والذي أحدث ضجة هائلة عند صدوره لما تضمنه من صراحة مطلقة وجرأة في كشف تفاصيل حياتها الشخصية والمهنية. وقد تناول الكتاب بأسلوب أدبي مؤثر تحولها الجذري نحو الدفاع عن حقوق الحيوان، معبرة عن خيبات أملها في البشر وبحثها عن العزاء والسكينة في عالم الطبيعة

طلب يدها، لكنها كانت صغيرة على الزواج، وانتظرا حتى بلغت 18 سنة، وتزوجا في 19 ديسمبر 1952.

زفاف بريجيت باردو من زوجها الأول، المخرج روجيه فاديم، في باريس خلال ديسمبر/كانون الأول 1952، وكانت يومها في الثامنة عشرة من عمرها

الفيلم الذي ساهم في شهرتها هو نفسه الذي كسر زواجهما. فقد وقعت في حب شريكها في الفيلم، الممثل الفرنسي الكبير جون-لويس ترانتينيان. لكن هذا الأخير انفصل عنها عندما اكتشف علاقتها السرية مع جيلبير بيكو.

جان-لويس ترانتينيان مع بريجيت باردو في فيلم "وخلق الله المرأة"، عام 1956

وكما في الزيجات السابقة، كان عمر هذه العلاقة الطارئة قصيرا؛ إذ أحبت الفنان الراقص ساشا ديستل. وعاشا معا حالة جنون عشقي توقفت فجأة: فقد سافرت بريجيت باردو لتصوير فيلم، وكان ذلك، في نظرها، إعلانا عن جنازة ذلك الحب.

الممثلة الفرنسية بريجيت باردو تتنزه في ساحة سان ماركو برفقة ساشا ديستل، البندقية، عام 1958

ثم تزوجت جاك شارييه، الذي التقت به أثناء تصوير فيلم "بابيت تذهب إلى الحرب". وكان هو الزوج الوحيد الذي أنجبت منه ابنها: نيكولا-جاك. وبعد أربع سنوات فك عقد الزواج، إذ دخلت في علاقة مع سامي فراي، الذي التقت به أثناء تصوير أحد أفلامها.

الممثلة الراحلة بريجيت باردو، عُرفت بعلاقتها المتوترة مع ابنها، البالغ من العمر 65 عاما. وقد اعترفت أيقونة الإغراء السينمائي في مذكراتها، الصادرة عام 1996، بأنها "لم تُخلق لتكون أما". وذكرت صحيفة "إندبندنت" عام 1997 أن باردو صرحت، خلال مؤتمر صحفي، بأنها كانت "تفضل إنجاب كلب صغير"

غير أن العلاقة توقفت عندما اكتشف هذا الأخير مغامرتها السرية مع الموسيقي البرازيلي بوب زاغوري.

من الشاشة إلى الحيوانات: قرار الاعتزال ومعناه

هذا العالم الرجالي الذي استهلكته بسرعة، واستهلكها أيضا، دفعها إلى مغادرة عالم السينما مبكرا، وفي عز شهرتها، لتتجه نحو الحيوانات، رغم أن شهرتها السينمائية شملت نحو 28 فيلما، وكلها لاقت أصداء مهمة. اختارت بريجيت باردو عن وعي الابتعاد عن الأضواء نهائيا، لأنه لم يعد لديها ما تمنحه للآخرين، وكان عمرها 39 سنة فقط، لتكرس حياتها للدفاع عن حقوق الحيوانات. ولها جملة أثيرة في هذا السياق:


"لقد منحت شبابي وجمالي للرجال، أمنح اليوم حكمتي وتجربتي للحيوانات"

مؤسسة باردو: حملات وحروب ومفارقات

فأسست عام 1986 مؤسستها الخاصة، وكرست جهودها لحماية الحيوانات المعرضة للخطر والإفناء بسبب الصيد المتوحش، بما في ذلك صغار الفقمة. وسخرت من النساء الغنيات اللواتي يستمتعن بغباء بارتداء الجلود والفراء، ومن قتل الخيل والأفيال الإفريقية لأجل عاجها. وأطلقت حملات ضد الذبح الشعائري، ودعت إلى إغلاق المسالخ غير الإنسانية.

بريجيت باردو تودع "مارسيال"، صغير فقمة يبلغ من العمر سبعة أشهر، على شاطئ قرب مدينة كايو في شمال فرنسا، الثلاثاء 27 مارس/آذار 1990، قبيل أن يشق طريقه عائدا إلى البحر؛ لقطة تستعيد أحد وجوه باردو اللاحقة: من نجمة شاشة إلى رمز بارز في الدفاع عن الحيوانات.AP (AP)

هذا الالتفات الحاد نحو عالم الحيوانات، والوعي بوجوب صون الأنواع المهددة بالانقراض، جعلا اعتزالها التمثيل أكثر قابلية للفهم، بعد أكثر من خمسين عاما على ذلك القرار، وبعد مسيرة شاركت خلالها في عشرات الأفلام، كان أولها "Et Dieu… créa la femme" ("وخلق الله المرأة") سنة 1956، الذي أخرجه الرجل الذي سيصبح زوجها لاحقا، روجيه فاديم، عندما كانت قد بلغت سن النضج.

بريجيت باردو في سيارتها "سيمكا" المكشوفة، وروجيه فاديم في سيارته "لانشيا أوريليا سبايدر"، في صورة التقطت لمجلة "باري ماتش" عام 1956 في سان تروبيه، خلال تصوير فيلم "وخلق الله المرأة"

وقد أسهمت أفلامها، مثل "لو ميبري" للمخرج جان لوك غودار، في ترسيخ صورتها رمزا للتحرر الجنسي، وللمرأة التي تتجاوز قيود المجتمع. وكان أسلوبها في اللباس جزءا من شخصيتها القوية والمستقلة، مما جذب إعجاب الكاتبة والمفكرة الفرنسية سيمون دو بوفوار، إحدى أبرز الشخصيات النسوية، التي أشادت بها لكونها "تمشي حافية القدمين، وتتخلى عن الملابس الأنيقة والمجوهرات والعطور والتبرج وكل مظاهر التكلف (…) وتفعل ما يحلو لها".

فيلم "الاحتقار" ("Le Mépris")، إنتاج عام 1963، أحد كلاسيكيات السينما الفرنسية. وهو مقتبس عن رواية للكاتب الإيطالي ألبرتو مورافيا. تدور أحداثه حول كاتب مسرحي تبدأ حياته الزوجية بالتدهور خلال العمل على إنتاج فيلم مقتبس من ملحمة هوميروس "الأوديسة"، ويستعرض ببراعة تفكك العلاقة الزوجية على خلفية تصوير الفيلم في إيطاليا

كانت رؤية بريجيت باردو عفوية، وغير مؤسسة على مرجع معرفي مسبق، سوى حاستها الإنسانية العميقة وعفويتها. لذلك اعتبرت حملات تحرير المرأة، بما فيها انتفاضة 1968في فرنسا، مجرد زوبعة في فنجان: المرأة ولدت لتكون امرأة وليس شيئا آخر. وقالت إن "الحرية هي أن تكون على سجيتك، حتى لو كان ذلك مزعجا". وهو رأي بني على الانطباع لا على التحليل المسبق. وظلت، في أعماقها، طفلة مرتبطة بالعفوية والطبيعية.

في ذروة شعبيتها، كان كل شيء تقريبا في بريجيت باردو يقلد: تسريحة شعرها المنفوش، مكياج عينيها الثقيل، وخياراتها في الموضة، من كنزات ضيقة محاكة، وسراويل شديدة الالتصاق، وأقمشة مربعة، وتنورات مكشكشة تبرز ساقين عاريتين مسمرتين بالشمس

حتى رأيها في منطقة سان تروبيز التي تعيش فيها، في الريفييرا الفرنسية، لم يخرج عن هذا المنطق. فقد تأسفت على تحول "بلدة الصيادين الصغيرة الجميلة، إلى مدينة لأصحاب المليارات لم يعد من الممكن التعرف فيها على ما كان".

ذاكرة واسيني الأعرج صبيا مع بريجيت باردو

مست ظاهرة بريجيت باردو العالم كله، ومن ذلك طفولتنا. كان حضورها طاغيا، بجمالها بالدرجة الأولى، حتى فينا نحن الأطفال، في قرى معزولة بلا كهرباء ولا ماء، في بدايات الستينيات. اكتشفتها شخصيا، وعمري عشر سنوات، عبر مجلة Salut les copains، التي كان يأتي بها أخي حسن من عند صديقه "محمد ولد الفقيه"، الذي كان متقدما فكريا، هو وأخي الذي كان مولعا بالتويست ويرقصه على قواعده، بسنوات ضوئية عن أبناء القرية.

قلائل من النساء حظين بمثل هذا القدر من الشهرة والبريق والاحتفاء. لقد اندفعت بريجيت باردو إلى الشاشات وصفحات الموضة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي بوصفها صورة متحررة ومحررة في آن: تمرد أنثوي، وجاذبية جنسية، وتحد متجهم لصلابة الأخلاق المكبلة

كان محمد يأخذ قيثارته ويصعد إلى المرتفع المطل على القرية، تحت الثكنة العسكرية الفرنسية "الرصفة" القديمة، برفقة أخي وصديقه لخضر، بعيدا عن الناس؛ يستمعون إلى الموسيقى، ويرقصون ويغنون. وكنت أتطفل عليهم، إلى أن أصبحت من المجموعة، ثم صرت متابعا جادا لتحولات بريجيت باردو.

إعلان

وحين ذهبت إلى تلمسان، وكان عمري يحاكي 11 سنة، كنت أشعر كأني أعرف بريجيت باردو جيدا وأعرف أخبارها. وكان مرجعي دائما تلك المجلة الفرنسية، Salut les Copains، التي أصبحت أشتريها في تلمسان، إلى جانب مجلة "الكواكب" المصرية. وكلما رأيت فيلما بطلته بريجيت باردو في سينما ريكس REX ركضت لرؤيته.

سينما "ريكس" بالجزائر وهي قاعة سينما قديمة شيدت خلال فترة الاستعمار الفرنسي، وتمتاز بعمارة "آرت ديكو" التي ظهرت في ثلاثينيات القرن العشرين

غير أن المشكلة الوحيدة لدخول أفلامها كانت عامل السن: لا بد أن يكون عمرك محاذيا لـ14 سنة. ولأن قامتي كانت طويلة، لم يكن أحد يسألني عن عمري؛ على عكس صديقي القصير عمر، الذي كان يجد معاناة كبيرة في الدخول. وكنا نضطر إلى الكذب بأنه أخي الصغير، ولا يمكن أن أتركه في الخارج وحيدا، فيغضون الطرف وندخل معا.

المفارقة الأخيرة: حزن على الحمير وصمت عن فلسطين

مر زمن، ولم تعد بريجيت تعني لي شيئا على مستوى أفكارها، لأنها توقفت عن التمثيل في وقت مبكر. ماتت تلك المرأة التي تعاطفت مع المقاومة الجزائرية، وأخفت في بيتها المسرحي الكبير أنطوان بورسولييه، الذي كان يعمل مع جبهة التحرير الجزائرية، عام 1961، وكان عمرها 27 سنة؛ مما دفع بالمنظمة المسلحة السرية OAS، المعادية لاستقلال الجزائر، إلى تهديدها، ونشرت وقتها رسالة التهديد في مجلة ليكسبريس.

بريجيت باردو تلتقط صورة مع حمار في ملجأ "لا مار أوزو" التابع لمؤسسة بريجيت باردو، في 4 أكتوبر/تشرين الأول 1998 (Getty Images)

أتساءل دائما عن ذلك الحب الملتبس: كيف لامرأة حساسة مثل بريجيت باردو أن تحزن لوضعية الحمير الضائعة في الأراضي المحتلة بعد أحداث 7 أكتوبر، فتقوم بحملة لتجميعها لأنها كانت معرضة للموت في الحرب على غزة، وتنقلها كلها إلى فرنسا، ولا تقول كلمة واحدة عن الإبادة الجماعية اليومية التي كان يتعرض لها الفلسطينيون؟

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان