رأفت الميهي.. صانع السينما الحائر بين الواقع والخيال

وُلِد المخرج والسيناريست محمد رأفت إبراهيم الميهي في سبتمبر/ أيلول 1940 بمدينة القاهرة، وتخرّج في كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية بجامعة القاهرة، ثم واصل شغفه بالفن فالتحق بمعهد السينما، ونال دبلوم الإخراج السينمائي عام 1965.

وبعد تخرجه عمل معلّما للغة الإنجليزية في مدرسة منوف الثانوية، مسقط رأس عائلته، لكنه لم يكن راضيا عن هذا المسار، ويراه بعيدا عن طموحه الأدبي والفني. فلما أسس المخرج صلاح أبو سيف معهد السيناريو عام 1962، التحق رأفت به، وبدأ أولى خطواته نحو السينما التي طالما حلم بها.
من معهد السيناريو إلى قسم القراءة والإعداد
كانت الدولة يومئذ قد شرعت في تأميم صناعة السينما، وقد عيّن وزيرُ الثقافة والإعلام د. عبد القادر حاتم المخرجَ صلاح أبو سيف رئيسا لأول شركة إنتاج سينمائي، تابعة للقطاع العام.
كانت مهنة كتابة السيناريو حينذاك حكرا على نخبة قليلة من الروّاد، منهم علي الزرقاني، ويوسف جوهر، والسيد بدير، فدفع ذلك صلاح أبو سيف إلى استحداث قسم جديد في الشركة، سماه قسم القراءة والإعداد، هدفه استقطاب مجموعة من خرّيجي الجامعات والمعاهد الفنية، ليشاركوا في قراءة النصوص المقدّمة للشركة، ويتلقوا تدريبا عمليا على كتابة السيناريو.

نجح رأفت الميهي في الانضمام إلى هذا القسم، الذي سرعان ما أصبح حاضنة لأسماء بارزة في تاريخ السينما المصرية، منهم مصطفى محرم، وأحمد عبد الوهاب، وفاروق سعيد، وفي مجال الفيلم الوثائقي أحمد راشد وهاشم النحاس، وفي الإخراج الروائي محمد خان.
لقد كان هذا القسم بمنزلة ورشة فنية متكاملة، أسهمت في صقل موهبة رأفت الميهي، وتهيئته لانطلاقته الحقيقية في عالم السينما.
الانطلاقة: فيلم جفت الأمطار
قدّم رأفت الميهي نفسه في بداياته كاتبا للسيناريو عام 1967، بفيلمه الأول "جفت الأمطار"، الذي تعاون فيه مع المخرج سيد عيسى. ثم توالت أعماله بعد ذلك في كتابة أفلام بارزة، منها:
- "غروب وشروق"، للمخرج كمال الشيخ (1970).
- "شيء في صدري"، للمخرج كمال الشيخ (1971).
- "غرباء"، للمخرج سعد عرفة (1973).
- "أين عقلي"، للمخرج عاطف سالم (1974).
- "الهارب"، للمخرج كمال الشيخ (1974).
- "على من نطلق الرصاص"، للمخرج كمال الشيخ (1975).

ومن هنا سنحت له الفرصة، ليبدأ أولى خطواته في السينما، فعمل مع المخرج سيد عيسى، وكان قد عاد حديثا من دراسته السينمائية في الاتحاد السوفياتي.
كان عيسى قد أخرج قبل سفره فيلمين لم ينجحا نجاحا يُذكر، حتى عهد إليه صلاح أبو سيف بإخراج فيلم عن قصة كتبها الأديب عبد الله الطوخي، بعنوان "جفت الأمطار".
لم ينجح الفيلم النجاح المأمول، بسبب جفاف موضوعه وحدّته، حتى إن إدارة سينما "كايرو" اضطرت إلى رفعه من جدول العرض، بعد 4 أيام فقط من بدء عرضه الجماهيري.

يحكي فيلم "جفت الأمطار" عن سكان قرية الكفر، الذين يُجبرون على الرحيل عن أرضهم إلى أرض جديدة، خُصصت للإصلاح الزراعي، بحجة إقامة جامعة.
تثير هذه القرارات صراعا في القرية، بين من يقبل بالرحيل، ومن يرفض التخلّي عن أرض الأجداد. وبين هذه الأحداث نتابع رحلة بطل القصة حسين راشد (الفنان شكري سرحان)، وهو يكابد مشقّة الغربة والفقر، في سعيه لتحسين مستقبله.
ومع أن الفيلم لم يحظَ بشهرة كبيرة لدى الجمهور وصنّاع السينما، فإنه يُعدّ عملا متقن الصنعة، فقد أظهر المخرج سيد عيسى براعة لافتة في السرد البصري. فمع أن القصة تبدو مألوفة، فإن جودة الإخراج وأسلوب الحكي جعلَا المشاهدة ممتعة، بفضل ما أضفاه المخرج من حسّ فني في استخدام الكاميرا، وحركة المشاهد، وزوايا التصوير.
ومع ذلك، شكّلت هذه التجربة نقطة انطلاق مهمّة لرأفت الميهي، فقد أتاحت له الاحتكاك المباشر بالعمل السينمائي وبيئة الإنتاج.

ثم توالت بعد ذلك أعماله في كتابة السيناريو، حتى أصبح من أبرز كُتّاب جيله وأكثرهم تأثيرا، وبلغت تجربته ذروتها مع فيلمه الأخير كاتبا للسيناريو، قبل انتقاله إلى الإخراج، وهو فيلم "على من نطلق الرصاص".
وقد نقل لنا صديقه المقرّب السيناريست مصطفى محرم تفاصيل القرار المصيري الذي اتخذه رأفت، في مقال كتبه في جريدة الدستور بعنوان "رأفت الميهي… صديق العمر الذي رحل"، قال فيه:

فاجأني رأفت حين أخبرني أنّه قرر أن يُخرج الأفلام التي يكتبها، لأنه يرى أنّ المخرجين لا يحققون رؤاه كاملة، ويختلفون معه فكريا، فساورني القلق على خطوته الجريئة، لكنّه أثبت نجاحه مخرجا كما نجح كاتب سيناريو، وقدّم أفلاما مختلفة تماما عن السائد في شكلها وأفكارها، وأصبحت علامات بارزة في السينما المصرية، مثل:
- "عيون لا تنام" (1981).
- "الأفوكاتو" (1984).
- "للحب قصة أخيرة" (1986).
- "السادة الرجال" (1987).
- "سمك لبن تمر هندي" (1988).
وحصل عن بعضها على جوائز داخل مصر وخارجها.

ويكشف لنا صديق آخر جانبا غير مألوف من شخصية رأفت الميهي، وهو الناقد الراحل سمير فريد، إذ يقول:
لم يكن من المستغرب أن يؤسس الميهي -بعد توقّفه عن الإخراج عام 2000- مدرسة لتعليم فنون وعلوم السينما في إستوديو جلال الذي استأجره، فقد بدأ حياته العملية مدرسا، وبقيت فيه روح المعلم حتى النهاية.

كما صدرت له روايتان؛ الأولى بعنوان "هورجادا سحر العشق"، أصدرها صديقه الكاتب والصحفي والناقد قصي صالح الدرويش في باريس عام 2001، لكنها مُنعت من التوزيع في مصر، والثانية بعنوان "الجميلة حتما توافق"، صدرت عن دار الهلال عام 2006.
كتب الميهي أيضا عددا من السهرات التلفزيونية، لكنه وجد ذاته الحقيقية في السينما، كاتبا للسيناريو منذ عام 1965، ثم كاتبا ومخرجا منذ عام 1981 وحتى عام 2000، حين قدّم فيلمه الأخير "شرم برم".
بداية الإخراج: عيون لا تنام
حين أثبت رأفت الميهي جدارته كاتب سيناريو بارز، بدا أنّ الكتابة وحدها لم تكن تكفيه لتحقيق طموحه الفني، ففي عام 1981، قدّم نفسه مخرجا أول مرة بفيلمه "عيون لا تنام"، من بطولة فريد شوقي، وأحمد زكي، ومديحة كامل.
يظهر في هذا الفيلم أثر خلفيته الأدبية، فقد استوحى قصته من المسرحية العالمية الشهيرة "رغبة تحت شجرة الدردار"، للكاتب الأمريكي الكبير "يوجين أونيل" (1888-1953)، الحاصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1936، وأحد روّاد المسرح الواقعي الحديث.
تدور أحداث النص الأصلي حول شخصية المزارع الصارم "إفرايم كابوت"، الذي يمتلك مزرعة كبيرة، وله 3 أبناء من زواجين سابقين، وهم "سيميون" و"بيتر" اللذان يكرهان أباهما، ويتطلعان إلى حياة حرة بعيدة عنه، أما الابن الأصغر "إبين"، فيرى المزرعة حقه الشرعي، ويريد الاستحواذ عليها بعد وفاة أبيه.

يتزوج الأب شابة تُدعى "آبي"، وهي امرأة طموحة تسعى إلى أخذ مكانتها في المزرعة، ثم تنشأ بينها وبين "إبين" علاقة محرّمة، فتقع مأساة معقّدة حين تحمل منه، وتحاول إقناعه بأن الطفل سيضمن له حقه في المزرعة. لكن الغيرة والطمع والشعور بالذنب تدفع الأحداث نحو نهاية مأساوية غير متوقعة.
وعند مقارنة الرواية بالمُعالجة السينمائية في فيلم "عيون لا تنام"، نجد اختلافات جوهرية بين النص المسرحي وما قدّمه رأفت على الشاشة. وقد علّق على ذلك بقوله: أنا مسؤول عن نص "عيون لا تنام" من أوله إلى آخره. لست ناشرا أعيد تقديم رواية كما هي، بل أتناولها وأعيد كتابتها برؤيتي.

وقال في حوار آخر، موضحا رؤيته لدور المخرج:
السيناريست يحكي على الورق، وينتهي إبداعه هناك مؤلفا، لكن المخرج ليس مترجما ولا منفذا حرفيا لما كُتب، بل يضيف ويبتكر ويجب أن يمتلك خيالا آخر، يُضاف إلى خيال الكاتب. فإذا لم يكن لديه تعبير أو رؤية تُغني النص وتضيف إليه، فلا داعي لأن يتصدى للإخراج أصلا.
وعندما سُئل رأفت الميهي عن سبب تحوّله إلى الإخراج، قال:
كان من المنطقي أن أتحوّل إلى الإخراج، لأنني كنت أرغب في امتلاك العمل بصورة كاملة، لا أن أكتفي بكتابة السيناريو، وذلك لاستكمال المنظومة الفنية. في ذلك الوقت، كنت تلميذا للمخرج الكبير صلاح أبو سيف، وكنت دائم التردّد على الإستوديوهات للتعرّف إلى مختلف تقنيات الإخراج، وكانت تلك محاولة مني للتعبير عن ذاتي الفنية بكل الوسائل المتاحة.
ويقول في حوار آخر، موضحا طبيعة هذا التحوّل:
إنني لا أجد سببا محددا لتحولي إلى الإخراج، فقط شعرت أنني أريد أن أُخرج، كما يرغب الإنسان في أن يشرب أو ينام. يمكنك اعتباره تطورا بيولوجيا، تحولا منطقيا وعادلا. ربما كانت بداخلي رغبة في امتلاك العمل بصورة كاملة.
ويُلاحظ أنّ قصة فيلمه الأول مخرجا "عيون لا تنام" جاءت تقليدية، تدور حول صراع بين إخوة يدفعهم الطمع والجشع، ولم يكشف الأسلوب المميّز الذي عُرف به الميهي في ما بعد، فجاءت الحكاية أقرب إلى السائد آنذاك، والإخراج متوافقا مع المدرسة السائدة يومئذ.
وعند النظر إلى أعماله الأولى -تأليفا أو إخراجا- لا نجد ملامح واضحة، ولا مقدمات تشي بما سيصبح عليه أسلوب الميهي لاحقا، سواء في فيلمه الأول كاتبا "جفت الأمطار"، أو في تجربته الإخراجية الأولى "عيون لا تنام".
الميهي: رجل صناعة
كان رأفت الميهي أكثر من مجرد مخرج أو كاتب سيناريو، فقد كان رجل صناعة سينمائية حقيقي، جمع بين شغف الإبداع ووعي المسؤولية تجاه السينما، بوصفها فنا ورسالة وصناعة.
لم ينغلق على ذاته أو يكتفِ بأفلامه، بل انخرط في حركة التغيير التي قادها جيله في أواخر الستينيات، مؤمنا بضرورة تقديم سينما تعبّر بصدق عن الواقع المصري، وتكسر نمطية السائد الرتيب آنذاك.

وقد أسهم في تأسيس جماعة السينما الجديدة، ودافع بحماسة عن حق الشباب في صناعة أفلام تحمل رؤى جريئة ومغايرة. ولم يكتفِ بتقديم أعماله، بل فتح الباب أمام مخرجين آخرين، ليخطوا خطواتهم الأولى، مؤمنا بأن السينما مشروع جماعي ومسؤولية فكرية، قبل أن تكون مهنة أو وسيلة للشهرة.
وكان من أبرز الوجوه المؤسسة لجماعة السينما الجديدة، التي جاء في بيانها الأول عام 1969:
إن الذي نريده هو سينما مصرية، أي سينما تتعمق في حركة المجتمع المصري وتحلل علاقاته الجديدة، وتكشف معنى حياة الفرد وسط هذه العلاقات. ولكي تكون لدينا سينما معاصرة، لا بد أن نمتص خبرات السينما الجديدة على مستوى العالم كله.
ظل الميهي وفيا لهذا النهج، حريصا على دعم تجارب المخرجين الشباب، فقد شجع أعمالا رائدة، منها فيلم "أغنية على الممر" (1972) للمخرج علي عبد الخالق، وفيلم "الظلال في الجانب الآخر" (1975) للمخرج غالب شعث، ثم أتاح الفرصة الأولى للمخرج مجدي أحمد علي بفيلمه الشهير "يا دنيا يا غرامي" (1995)، مؤكدا أن السينما تزدهر حين تُتاح الفرص وتتنوع الرؤى.

إنّ سيرة رأفت الميهي ليست مجرد رحلة صعود فنان في عالم السينما، بل هي شهادة حية على أن الخيال يمكن يصبح وسيلة للمعرفة، والفن قد يصبح أداة لفهم المجتمع، وكشف تناقضاته العميقة.
لم يكن مجرّد صانع أفلام، بل كان صوتا مغايرا، حمل على عاتقه هموم جيله، مؤمنا بقدرة السينما على تغيير الواقع، لا الاكتفاء بتصويره. ومن فيلم "جفت الأمطار" حتى آخر أفلامه، ومن مقاعد التدريس إلى تأسيس مدرسته السينمائية، ظل وفيا لفكرته الجوهرية؛ أن السينما ليست مهنة، بل حياة كاملة تُعاش بالشغف والتمرّد والبحث عن الحقيقة.
ولعلّ الخيال الحائر الذي ميّز أعماله، سيبقى مفتاحا لفهم شخصيته وفهم زمنه، وإرثا ملهما ومفتوحا أمام الأجيال القادمة، من المبدعين والسينمائيين.
