"كلوديا كاردينالي".. رحلة نجمة السينما الإيطالية المولودة في تونس إلى أضواء هوليود

من تونس إلى روما، ومن هوليود إلى باريس، حملت "كلوديا كاردينالي" معها ملامح المتوسط وثقافة الجنوب، وجعلت حضورها مزيجا من الأناقة والقوة، ومن البراءة والغموض. لم تكن مجرد "فتاة أحلام إيطاليا"، بل رمزا عالميا للسينما، ووجها خالدا في الذاكرة البصرية بالقرن العشرين. الملصق من تصميم رواس سعيد

عشتُ في قصور الفهد، وفي فيلات هوليود، وفي أفخم فنادق باريس. لكنّ وطني الحقيقي في مكان آخر، على ساحل تونس.

"كلوديا كاردينالي"

في ضاحية باريسية هادئة، توفيت الممثلة التونسية الإيطالية "كلوديا كاردينالي"، وقد ناهز عمرها 87 عاما، وكان قد ارتبط قدرها بجنوب المتوسط، ذي بشموسه اللاهبة، وشطآنه الممتدة، وبلبلة ألسنته وشعوبه، على منوال كثير من الإيطاليين، منهم الرسام "أنتونيو كوربورا"، والشاعر السينمائي "بابلو بازوليني"، والموسيقار "فرانكو باتياتو".

لم تكن "كلوديا" ممثلة عادية، قذف بها الحظ على باب شبحيّة الكاميرات وأمجاد النجوميّة، بل أسطورة حقيقية صنعت لنفسها حظوة وهالة في ذاكرة السينما الحديثة.

في سنواتها الأخيرة، عاشت "كلوديا" مع ابنها وابنتها في مدينة نيمور الفرنسية، حيث أسست مؤسسة تحمل اسمها، تدعم الفنون التي تركز على المرأة والبيئة. وفي عام 2000، عيّنتها اليونسكو سفيرة للنيات الحسنة، "تقديرا لالتزامها بتحسين وضع النساء والفتيات بالتعليم، وكذلك تعزيز حقوقهن" (رويترز)

من حلق الوادي إلى الحلفاوين، وحتّى جريد الواحات والكثبان والنخيل، فتحت "كلوديا" عينيها على أطياف أوليس بين الموج والضباب، وعلى أصوات الباعة في الأسواق العتيقة، وعلى روائح العطور والبخور والتوابل القادمة من الشّرق.

ثم شقّت طريقها بعد ذلك نحو روما الموضة، فهوليود الصناعة، حتى أصبحت من أيقونات السينما الإيطالية والعالمية، لكنها لم تفقد قط انتماءها المغاربي والمتوسطي.

كثيرا ما قورنت "كلوديا كاردينالي" بالممثلتين "صوفيا لورين"، و"جينا لولوبريجيدا"، فهن نماذج الجمال والإثارة الإيطالية في الستينيات والسبعينيات، لكن شخصيتها السينمائية بدت أكثر قربا من الناس (صور غيتي)

إيطاليّو تونس.. جذور في أرض المتوسط

تنتمي "كلوديا كاردينالي" (1938-2025) إلى مجموعة ثقافية تُعرف بإيطاليّي تونس، وكان قد نزح معظمهم أواسط القرن التاسع عشر من صقلية، إمّا منفيين أو لاجئين، قبيل توحيد إيطاليا، وذلك إبّان المعارك الطاحنة التي قادها الجنرال "جوزيبي غاريبالدي" ورفاقه.

إعلان

تقول "كلوديا" في إحدى حواراتها: "ولدت في تونس، وهذا ما جعلني مختلفة. لم أكن إيطاليّة خالصة، ولا فرنسيّة خالصة، بل كنت دوما شيئا آخر، شيئا يخص المتوسط".

وُلدت "كلوديا جوزيفين روز كاردينالي" في 15 أبريل/ نيسان 1938 في تونس، لأبوين مهاجرين من صقلية، هما "فرانشيسكو كاردينالي" و"يولاندا غريكو"، وكانت الكبرى بين 4 إخوة، نشؤوا في مجتمع صقلي مترابط في العاصمة تونس، وقد عمل أبوها مهندسا تقنيا في السكك الحديدية التونسية، وأدارت والدتها شؤون المنزل

مراهقة خجولة إلى ملكة جمال تونس

ولدت "كلوديا" في حلق الوادي، ضاحية تونس الشماليّة المطلة على الجزر المُنجّمة، وكان البلد يومئذ يرزح تحت الحماية الفرنسية، ويضجّ بالعرب والأمازيغ واللاتينيين واليونان.

عندما بلغت كلود 18 عاما، دخلت مسابقة جمال نظمت جزئيا في السفارة الإيطالية بتونس، وكانت أمها داعمة لها، فتُوجت بلقب "أجمل فتاة إيطالية في تونس". وكانت جائزتها رحلة إلى مهرجان البندقية السينمائي، والتقطت لها وسائل الإعلام الإيطالية صورا هناك، وقالت فيما بعد إن سبب شهرة صورها هو "البكيني" الذي لبسته

هكذا كبرت "كلوديا" في بيئة اجتماعية ولغوية متعددة، فالصقلية في البيت، والفرنسية في المدرسة، والعربيّة الدارجة مع الأصدقاء، وقد منحها هذا المزيج اللساني والثقافي المبكر حسا فريدا، ظلّ يرافقها طوال حياتها، وجعلها تبتكر لنفسها شخصية متوسطية أصيلة، ميّزتها عن بقية نجمات جيلها، أمثال "بريجيت باردو"، و"آنا كارينا"، و"جين فوندا"، و"ناتالي وود"، اللائي بقين حبيسات المركزية الأوروبية والأمريكية لغة ومخيالا.

رئيس تونس الراحل الباجي قائد السبسي، يصافح الممثلة الإيطالية "كلوديا كاردينالي" في قصر قرطاج بتونس – 18 أبريل/ نيسان 2015

شهادة الميلاد الفنية.. مع عمر الشريف

لم تكن "كلوديا" في بداياتها تحلم بالسينما، بل كانت يافعة خجولة، تهتم بالدراسة وتلتزم قواعد أسرة مغاربية محافظة، وتقول إنها كانت منذورة لأن تصير أستاذة في الجنوب التونسي، لكن الصدفة أدت دورها حين فازت عام 1957 بمسابقة "أجمل إيطالية في تونس"، وكانت الجائزة تمثيل البلاد في مهرجان البندقية السينمائي.

بشعرها النحاسي، وعينيها السوداوين، وقوامها الممتلئ، وصوتها الأجش، جسدت "كلوديا" صورة الأنوثة المتوسطية كما تخيلها المخرجون والمنتجون. منذ تُوّجت في مسابقة جمال وهي ابنة 18، أصبحت مطلوبة دائما أمام الكاميرا، فبدأت مسيرة امتدت 7 عقود

هناك لفتت أنظار المخرجين، فبدأت رحلة لم تكن تتوقعها. وقد كتبت في سيرتها الذاتية: في السّابعة عشرة من عمري، غادرت إلى البندقية. حملت في حقيبتي بكيني وبُرنُسًا، ذلك المعطف الكبير التقليدي في بلادي. جعلني الأول مشهورة، وتحت الثاني أخفيتُ تونس.

لكن علاقتها بالسينما لم تبدأ في أوروبا، بل على أرض تونس نفسها، فقد دأبت على متابعة الإنتاجات الفيلمية مع أخلائها في صالة "الرّيكس" بحلق الوادي.

بعد استقلال تونس عام 1956، شاركت "كلوديا" في أوّل عمل سينمائي لها، وهو الفيلم القصير "سلسلة من ذهب" (Les Anneaux d’or)، المقتبس من قصّة للأديب التونسي مصطفى الفارسي بالعنوان نفسه، وأخرجه مع الفرنسيّ "رينيه فوتييه"، وصُور في مدينة المنستير.

كان مكتشفها وراعي بداياتها المنتج الإيطالي النافذ "فرانكو كريستالدي"، الذي أراد أن يجعلها "إيطالية في مواجهة باردو". حتى إن "بريجيت باردو" نفسها قالت عام 1965: "بعد B.B. تأتي C.C، أليس كذلك؟". لكن خلف الكواليس، روت "كاردينالي" معاناتها مع سيطرته الصارمة، فقد منعها من زيادة وزنها، وقص شعرها، وإجراء حوارات منفردة

في تونس ما بعد الحرب، زمن المجاعة ومع اقتراب الاستقلال، قرر كبار مُلاّك مراكب الصيد بيع مراكبهم لتحقيق أرباح شخصية طائلة، وعانى صغار المالكين من تراجع حاد في الإنتاج، وخسائر في فرص العمل.

إعلان

عندها قررت زوجات الصيادين تشكيل تحالف اقتصادي، فجمعن سلاسلهن وخواتمهن الذهبية، واستخدمنها في شراء مراكب جديدة. وقد ظهرت "كلوديا" في زيّ الزوجة الشابة، مُلتحفة السفساري مع نساء أخريات، عند هضبة مُطلة على الميناء الصغير. كان الفيلم مُهدى إلى نساء مدينة المهدية، ومن خلالهن إلى كل نساء تونس الجديدة بعد الاستقلال.

في العام الموالي، شاركت "كلوديا" في فيلم "جحا" (1959) من إخراج "جاك باراتييه"، وظهرت مع النجم المصري عمر الشريف، في تجربة جمعت الحكاية الشعبيّة العربية بالسينما الناشئة.

ومع أن هذين الدورين لم يظهرا موهبتها الكبيرة، فإنهما مثّلا انطلاقة جنينية لمسيرتها، وكانا بمثابة شهادة ميلاد فنية لفتاة لم تتوقع أن تُصبح يوما واحدة من أكبر نجمات الشاشة في العالم.

تقاسمت "كلوديا كاردينالي" شاشة السينما مع ألمع نجوم عصرها، حتى لفتت أنظار النجم المصري عمر الشريف، فدعاها لتجسيد دورها الأول في الفيلم التونسي "جحا"، فبدأت من هناك أولى خطواتها نحو المجد

تقول في سيرتها: قفزتُ إلى القطار، قطار تونس، الذي كان يحملني من حلق الوادي إلى قرطاج. قطار الحياة، الذي قادني إلى المنستير، أمام كاميرا "رينيه فوتييه" و"جاك باراتييه". صدفة؟ قدر؟ لا يهم: فقد أحببت دائما أن أركب القطار وهو يسير. قطاري أنا هو الذي سمح لي بعبور المحيطات، ثم كثيرا ما أعادني إلى بيتي.

من الشرنقة إلى حدائق روما

عادت "كلوديا" إلى روما، وقررت الالتحاق بمركز السينما التجريبية. وكانت السينما الإيطالية يومئذ في أوجها مع مخرجين لامعين، منهم "لوتشينو فيسكونتي"، و"فيديريكو فليني"، و"مايكل أنجلو أنتونيوني". وفي هذا المناخ الإبداعي، تفتّقت مسيرة "كاردينالي" العالمية، فقد بدأت بأدوار صغيرة، لكنها سرعان ما أصبحت بطلة أعمال كبرى.

أما "لوشينو فيسكونتي"، فقد ظهرت معه في فيلم "روكو وإخوته" (Rocco e i suoi fratelli) عام 1960، ثم في رائعته التاريخية "الفهد" (Il gattopardo) عام 1963، مع الممثلين "برت لانكستر"، و"ألان ديلون"؛ وقد جعلها هذا الفيلم رمزا للأناقة الإيطالية، وصوتا للمرأة التي تجسّد تحولات مجتمع بأكمله.

وأما "فيديريكو فليني"، فقد أدخلها عالم السينما الطليعية بفيلم "8 ونصف" (8½) في عام 1963، فأدت دور المرأة الملهمة في عالم مخرج متأزم، يراوح بين الواقع والخيال.

وأما "سيرجيو ليوني"، فقد خلّدت معه حضورها في تاريخ أفلام الغرب الأمريكي، بفيلم "حدث ذات مرة في الغرب" (Once Upon a Time in the West) عام 1968، وقد أدت دور "جيل"، المرأة القوية والرهيفة في آن واحد.

تقول ابنتها "كلوديا سكويتييري": كانت أمي امرأة قادرة على التكيّف بدرجة مذهلة. لم تكن متطلبة ولا متقلبة بسبب شهرتها وهي نجمة، بل كانت دائما متواضعة في طلباتها. وكانت دائما تتوقف للتوقيع للناس، وكانت تكره اتخاذ الحراس، فقد أرادت أن تكون قريبة قدر الإمكان من الناس. كانت تشعر بأنها محظوظة للغاية بما أنعم الله عليها من مسيرة وحب جماهيري (أسوشيتد برس)

وقد تألقت في هوليود بأدوار متنوعة ومُركبة، لا سيما في فيلم "النمر الوردي" (The Pink Panther)، للمخرج "بليك إدواردز" عام 1963، مع الممثلين "ديفيد نيفن"، و"بيتر سيلرز".

ثم تألقت في فيلم "المُحترفون" (The Professionals)، للمخرج "ريتشارد بروكس" عام 1966، مع الممثل "بيرت لانكستر"، وقد أثبتت فيه قدرتها على التكيّف مع أنماط شتى من التشخيص، من غير أن تفقد هويتها الجمالية الأولى.

لم تحصر "كلوديا" نفسها في نوع واحد من الأدوار، بل تنقّلت بين المرأة الرقيقة والعاشقة والأم والسيدة المتمرّدة، وحتى المرأة الخارجة عن القانون.

في عام 1963، تألّقت "كلوديا كاردينالي" بدور الصقلية الفاتنة التي يتودد إليها "آلان ديلون" في تحفة "لوتشينو فيسكونتي" الخالدة "الفهد"، وقد خلدت ذاكرة عشاق السينما رقصة الفالس التي جمعتها مع "بيرت لانكستر" الأمير العجوز. نال الفيلم السعفة الذهبية في مهرجان كان، وكرّس مكانتها نجمةً عالمية

علاوة على مرحلتيها الإيطالية والهوليودية، شاركت "كلوديا" في عدد من الأفلام الفرنسية، مع المخرجين "فيليب دي بروكا"، و"هنري فيرنوي"، كما تقاسمت البطولة مع "كلاوس كينسكي" في فيلم "فيتزكارالدو" (Fitzcarraldo)، للمخرج الألماني "فيرنر هرتزوغ" عام 1982.

عودة "الفرطوطّو" إلى نار تحرقه

في شمال أفريقيا، يشيع استعمال كلمة "فَرْطوطّو" (ⵓⴼⵕⵟⴻⵟⵟⵓ) الأمازيغيّة، للدّلالة على الفراشة. تنسج الدودة الحرير وتتلحّف به كما تلحّفت "كلود" -التي أصحبت لاحقا "كلوديا"- بالسّفساري في فيلم "سلسلة من ذهب".

إعلان

تقول في سيرتها الذاتية: الهادي الجويني، يا أيّها المطرب الحالم العذب من الخمسينيات، هل غنّيتَ أنت أيضا لـ"كلوديا" في تلك الليلة الصيفية في كازينو المرسى، حيث تُوِّجت أجمل إيطالية في تونس، أم أن قلبك اللعوب لم يجرؤ حينها على الاختيار بين عطر آنسة بنزرت، وجمال ساقَي أميرة صفاقس، وابتسامة ملكة قابس؟

الممثل الإيطالي "مارتشيلو ماستروياني" يسير ممسكا بذراعه ذراع النجمة الإيطالية التونسية "كلوديا كاردينالي" وهي ترفل في فستان زفاف، في أحد مشاهد فيلم "أنتونيو الوسيم" (Il bell’Antonio)، للمخرج "ماورو بولونييني" عام 1960

هكذا تستذكر "كلوديا" -الكهلة العائدة إلى صباها- صوت الهادي الجويني، حين كانت فيه يرقة صاعدة، كأنها كانت تردّد معه في كورال العود الأبدي لازمة من أغنيته "حبّي يتبدّل يتجدّد":

كيف ما يرجع الفرطوطّو
للنار اللّي تحرقه

كيف ما يرجع الفلاّح
للحقل اللّي عرقه

كيف ما يرجع الملاّح
للبحر اللّي غرقه

نرجع لك حاير ومهني
أنتِ وقلبي أقوى مني

وداعا "كلود"!

في ذروة صعود نجمها، ظلّت "كلوديا كاردينالي" وفيّة لجذورها التونسية، متشبثة بخلفيتها الثقافية المغاربية، فقد عادت لاحقا وهي في ربيعها 58، للإسهام في السينما المحلية، بفيلم "صيف حلق الوادي"، للمخرج فريد بوغدير (1996).

وقد جسّدت في الفيلم دور الأم الإيطالية، في قصة تحتفي بالعيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين واليهود في تونس الستينيات، وشاركها الشاشة النجم المصري الراحل جميل راتب.

"كلوديا كاردينالي"، ابنة حلق الوادي وسفيرة الأنوثة المتوسطية، تعود إلى أرضها الأولى تونس، لتتألق في حفل مهرجان جربة للتلفزيون بالكازينو، في جزيرة جربة – 28 أبريل/ نيسان 2006. عودة الحنين إلى الوطن الذي شهد البدايات، حيث تصافح ذاكرتها السينمائية جذور الطفولة

في عام 2022، عادت "كلوديا" آخر مرة إلى حلق الوادي، بدعوة من جمعية "صقلية الصغيرة"، لحضور عرض فيلم "جزيرة الغفران" للمخرج رضا الباهي، الذي مثّلت فيه دور الجدة، كما دشّنت جدارية وزقاقا يحمل اسمها، ورقصت على إيقاعات موسيقى المزود التونسي، وتلقّت الهدايا كطفلة في عيد ميلادها السّابع.

كيف تهجّت اسمها وهي تزيح الستار عن اللوحة التذكارية يا ترى؟ بلكنة تونسية أم بغنج صقلي؟ وهل ركبت مع الموسيقي "فرانكو باتياتو" آخر قطار إلى توزر في بلاد الجريد البعيدة؟ لا أحد يعلم. لا أحد يعرف بمَ تفكّر الفراشات وهي تحترق في عرض المتوسط… وداعا يا "كلود"!

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان