كنعان وصفي.. ممثل عراقي في السينما المصرية ومطرب نجح في أدوار الشر

كنعان وصفي لمع اسمه في عشرات الأعمال السينمائية والتلفزيونية والمسرحية المصرية، غير أن كثيرين لا يعرفون أنه ممثل ومطرب وملحن عراقي كردي؛ بدأ خطواته الأولى من بيروت قبل أن يحط في القاهرة عام 1963 للالتحاق بالمعهد العالي للموسيقى. (البوستر) تصميم رواس سعيد.

كنتُ أشاهده في مقهى دائرة السينما والمسرح بمسرح الرشيد، يجلس في أقصى المكان، منفردا في أغلب الأحيان، نحيلا يطرّز الشيبُ ذؤابتيه، لا يشبه أيّ صورةٍ له في أفلامه، فقد كانت بنيته فيها قوية وجسمه ضخما نوعا ما.

كانت تبدو على ملامحه كآبة وحزن، وكنا نقترب منه ونُحييه، ونجلس أحيانا قربه في أحاديث بسيطة، يبثّني فيها لواعج قلبه، لكنها ليست أحاديث صحفية، بل همومه عن رحيل زوجته، ومعاناته مما لقي من وزارة الاتصالات، وكأنه يراها تهمة لا تليق به.

كنعان وصفي في نحو الستين من عمره: قسمات مصقولة بالتجربة، ونظرة يكسوها وقار السنين، وابتسامة خافتة

ذلكم هو الراحل كنعان وصفي (1930-2000)، رجل ذو مسيرة حافلة وجريئة وشجاعة، فليس يسيرا اختراق عوالم الفن في مصر، فقد قفز قفزتين؛ الأولى من الموصل إلى بيروت، والثانية من بيروت إلى مصر، ولم يفعل ذلك فنان عراقي غيره.

الفنان كنعان وصفي—بجسده الضخم وعضلاته المفتولة وملامحه الحادة الجامدة ونظراته النارية—عرفناه واحدا من أشهر من جسدوا أدوار الشر في السينما المصرية. وهو من النجوم العرب الذين أحبوا مصر وعاشوا فيها وتألقوا على شاشاتها، فعرفه الجمهور العربي

ومن الطريف أن نقرأ للروائي العراقي نزار عبد الستار قصة "رائحة السينما"، وهو يتحدث فيها عن فنان حاول مجاراة كنعان وصفي، فيقول: منذ أن أضاع حظّه فرصة السفر مع كنعان وصفي إلى القاهرة.

وُلد كنعان علي وصفي بمدينة الموصل، في 19 مارس/ آذار 1930، ويقول المقرّبون منه إنه تميّز بطيبة القلب ورقّة الإحساس، وإنه طالما شدا وتغنّى بالمئات من الأغاني الرومانسية، باللهجتين العراقية والمصرية بطلاقة.

كنـعان وصفي طفلًا (يسارًا) بعمر يقارب الخامسة مع شقيقه الأكبر عدنان

وبما أننا نعرف من هو كنعان وصفي الممثل، فلا بد أن نعلّق أنظارنا على الصور التي ستأتي عنه.

عالم الغناء والاستعراض

عالم من أغنيات وأفلام وموسيقى وتمثيل، وفنون جميلة أخرى، ولا يمكن لأحد أن يغفل عن أغنية "صدفة.. يا هوانا التقينا صدفة" التي غنّتها أنوار عبد الوهاب، أو حتى "على العنوان"، التي غنّاها أحمد نعمة.

كنعان وصفي فنان متعدد المواهب؛ كان ممثلا ومطربا وملحنا، كما كان رساما ومصورا ومهندس ديكور. تعلم في المعهد العالي للموسيقى بالقاهرة، وبدأ خطواته الأولى عام برسم صور الفنانين والعمل في تصميم الديكورات في بيروت

وقد غنّى في القاهرة بسهرة "جهاز العروسة"، أغنية "أهواك وأحب لقاك" مع سعاد مكاوي، كما غنّى أغنيات عدة ما زالت محفوظة عند المهتمين، منها:

إعلان
  • نجوم في الليل.
  • وصية.
  • حبيبتي.
  • حلم وردي.
  • وطني الأكبر.
  • وجهة الشمس وجهتي.
بوجهٍ مميز في الدراما والسينما المصرية، شقّ كنعان وصفي—الممثل والمطرب والملحن—اسمه بين نجوم جيله. تنوّعت أدواره بين الاجتماعي والتراجيدي، غير أنّ المخرجين غالبًا ما وجّهوه إلى شخصيات الشر، فغدا من الوجوه التي لا تُنسى على الشاشة المصرية، متألّقًا في أدوار رجال العصابات ودور الخواجة

كما شارك في استعراضات غنائية كثيرة، منها أوبريت "مهر العروسة" مع شريفة فاضل، وأوبريت "وداد الغازية" مع هدى سلطان، وغيرها من الاستعراضات الغنائية.

وله في الغناء والتلحين نحو 300 أغنية. ويقول عنه الناقد الموسيقي والإذاعي الراحل سعاد الهرمزي: صوته أفضل بكثير من بعض الأصوات التي تغنّي حاليا، ولكن حظّه سيئ في الغناء.

"لبناني مثّل في السينما المصرية"

بدأ كنعان وصفي مسيرته الفنية عام 1948 رسّاما لصور الفنانين، ثم أوكل إليه كازينو بطرس في بيروت عام 1951 مهمة رسم أثاث المسرح الصيفي، وكان يغنّي أثناء عمله أغنيات لمحمد عبد الوهاب.

مشهد من فيلم "الخطافين" (1972) يجمع كنعان وصفي و"وحش الشاشة" فريد شوقي؛ لقطة مشحونة بالتوتر الدرامي وحضور راسخ على الشاشة. إخراج حسام الدين مصطفى

لفت ذلك نظر مالكة الكازينو نادية شمعون، فأُعجبت بصوته، وطلبت منه الغناء في الكازينو، فنجح في ذلك ذلك. ثم أسّس بعدها فرقة مثّل معها قصة طرزان.

وذلك ما جعل القائمين على "دليل الممثل العربي في سينما القرن العشرين" يعرّفون كنعان وصفي بأنه "ممثل لبناني مثّل في السينما المصرية".

"الأرملة الطروب".. مدخل إلى مسرح الأوبرا

يروي الفنان كنعان وصفي أن محطته الأولى كانت في حلب، فقد أُتيحت له فيها فرصة دراسة الموسيقى، ثم ارتحل إلى القاهرة، وجاء دار الأوبرا بنية الاشتراك في اختبار التقديم للفرق الاستعراضية، التي كانت تستعد لتقديم الأوبريت العالمي "الأرملة الطروب" (Die lustige Witwe)، المقدَّم بعدة لغات عالمية.

شاءت المصادفات أن يكون مخرج الأوبريت الأصلي حاضرا للاختبارات، وهو النمساوي "توني نيسنار"، فاختاره بطلا للأوبريت بدور "دانيلو"، متفوقا على منافسيه آنذاك، وهما محرم فؤاد، وكارم محمود.

وقد قدّموا الأوبريت عام 1963 بعد ستة أشهر من التمرينات المتواصلة، وحضره كبار الفنانين العرب يومئذ، ومنهم أم كلثوم، وعمر الشريف، وفاتن حمامة.

"بدأت أصعب أيام حياتي"

بدأت شجون كنعان عام 1992، حين توفيت زوجته المصرية أم أبنائه الثلاثة كريم وناغين وسالين، وكانا قد تعارفا أثناء بروفات مسرحية الأرملة الطروب في القاهرة عام 1963، وعاش معها 29 عاما. وقد قال عن وفاتها: مع وفاة زوجتي بدأت أصعب أيام حياتي.

لقطة عائلية من الثمانينيات تجمع الفنان كنعان وصفي بزوجته عازفة البيانو المصرية حليمة الهنيدي، مع ابنه كريم وابنته ناغين.

كانت روحه في تلك المدة لا تعرف الاستقرار؛ فتارة يجيء إلى العراق، وتارة يعود إلى القاهرة، وكان الإهمال يحيط به من كل الجهات، والأضواء تنحسر عنه.

ثم فُوجئ بوزارة الاتصالات تطالبه بدفع 8 ملايين دينار، عن مكالمات ليس له علاقة بها، وقد حاول إبراء نفسه من هذه المكالمات، ولقي وزير المواصلات ووزير الإعلام كي يحلّا مشكلته، لكن لم يفلح في كل ذلك، وهذا ما أحزنه.

شهادة كريم وصفي

سألتُ نجله الموسيقار كريم وصفي: هل دُفِعت الملايين الثمانية لوزارة الاتصالات سابقًا؟ فقال: «المبلغ ببساطة لم ولن يُدفَع، لأن هذه مكالمات لم تُجرَ من المنزل، وإنما كان الهاتف قد سُرق، واستخدمته جهات أخرى.

المايسترو العراقي الشهير وعازف التشيلو كريم وصفي، نجل الفنان كنعان وصفي، يعزف في المدينة القديمة في الموصل، التي دمرتها الحرب، يوم 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2018. كانت المدينة تُخرّج أفضل فناني العراق منذ قرون، وكان الموسيقيون يفدون من بعيد للعزف فيها، وبعد تحررها من تنظيم "الدولة"، تستعيد المدينة تقاليدها الموسيقية. تصوير: زيد العُبيدي/وكالة فرانس برس (AFP)

وسألته: هل ترى أن هذا ما أشعره بالألم وأدّى إلى رحيله؟

إعلان

فقال: بالتأكيد ليس هذا لأنه شيء سطحي، ولكن آلمه وضع العراق، فقد أثّرت في نفسيته أمور أكبر وأوسع، منها الحصار الاقتصادي، ووضع الإنسان العراقي في التسعينيات، وتخلخل الحالة الثقافية، ناهيك عن تحوّل الذوق العام إلى ذوق بائس وسيئ جدا.

أدوار الشر ومصاف النجومية

ليس منا أحد لم يكره عكرمة بن أبي جهل في فيلم "الشيماء أخت الرسول"، الذي كان من أشدّ المعادين للإسلام، وكان لإجادة كنعان تجسيده سبيلٌ إليه من المشاهدين، فوضعه الدور في مصافّ النجومية.

في رحلته على الأراضي المصرية، التقى في الخمسينيات بالفنان المصري علي إسماعيل، وقدّم له لحن أغنية "في سكون الليل"، وعلى إثر العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، قدّم مع الفنانين كارم محمود وفايدة كامل عدة أغنيات وطنية حملته إلى مقدمة مصاف النجومية.

ثم استطاع أن يقف على خشبة المسرح ممثلا في نهاية الخمسينيات، فأدى دور البطولة في أول مسرحية له في القاهرة، وهي مسرحية "الأرملة الطروب"، التي ألفها الموسيقي المجري "فرانز ليهار".

البنية والملامح وتأدية الأدوار الصعبة

تميّز كنعان وصفي بضخامة جسمه وقوة بنيانه وملامح الأجنبية، وتلك علاماتٌ أهلته وساعدته في أداء الأدوار الصعبة في كثير من الأفلام، منها دور المحارب الروماني في فيلْمَي "بنت عنتر" (1964) ، و"من عظماء الإسلام" (1970) ، ناهيك عن عدد من الأفلام، امتهن فيها أدوار الشر.

من فيلم "مهمة في تل أبيب" (1992) إخراج نادر جلال، لقطة تجمع الفنانة المصرية نادية الجندي إلى جوار الفنان العراقي كنعان وصفي الذي يجسّد هنا شخصية بنحاس سابير (ضابط في الموساد). يحضر وصفي بملامحه الحادة وحضوره الطاغي كوجهٍ مألوف لأدوار الأجانب ورجال العصابات، في واحد من أهم أعمال التجسّس السياسية في تسعينيات السينما المصرية

وقد ظهر في نحو 40 فيلما سينمائيا، منها 32 فيلما مصريا، و4 أفلام عراقية، وفيلمان لبنانيان، وكان من أبرز أدواره:

  • عكرمة في "الشيماء أخت الرسول" (1972).
  • مارشيلو في "أخطر رجل في العالم" (1967) مع فؤاد المهندس.
  • مستر جو في "المساجين الثلاثة" (1968).
  • الخواجة بترو في "هي والشياطين" (1969).
  • ماركو في "ساعة الصفر" (1972).
  • المغيرة بن شعبة في فيلم "القادسية" (1981).
  • رجل الموساد بنحاس سابير في "مهمة في تل أبيب" (1992) مع النجمة نادية الجندي.
  • التاجر فتوح دياب في "لهيب الانتقام" (1993).
  • اليهودي في مسلسلي "الوعد الحق" (1993) و"السقوط في بئر سبع" (1994).
  • القائد العسكري التركي كتبغا في مسلسل "الفرسان" (1995).

"كان يعطينا كل قدراته"

يقول الفنان فاروق هلال -الذي ترأس عام 1975 جمعية الموسيقيين العراقيين- في احتفالية أقامتها نقابة الفنانين للراحل في مايو/ أيار 2023: كان يعطينا كل قدراته التشكيلية والفنية الأخرى.

لم تكن الجمعية يومئذ أكثر من منتدى، ولكن بوجود كنعان وصفي ودعمه لي أصبح المنتدى شيئا آخر، فكان الرفيق الحقيقي والإنسان المثابر، الذي كان يعطي أكثر مما كنتُ متحمّسًا له. لذلك استطعت معه أن أنقل جمعية الموسيقيين من هذا المنتدى إلى منتدى ثقافي وسياسي أيضا.

من ذاكرة الثمانينيات: الفنان كنعان وصفي يحمل ابنتيه ناغين وسالين، وإلى جانبه زوجته عازفة البيانو المصرية حليمة الهنيدي

أعدّ الراحل كنعان وصفي هو النصف المكمّل لكل ما صنعته في تاريخ العراق الفني موسيقى وغناءً، ودعمني أكثر حين طلبتُ منه أن يلحن لإحدى الشابات، فلحّن أول أغنية لشابة نسيتُ اسمها، فكان اللحن الذي وضعه علامة برز بها، فلا هي من المقام، ولا هي من الغناء الريفي، لأنني كنتُ أقول إن الحداثة في الموسيقى والغناء لا ترتبط بالمقام ولا بالأطوار الريفية.

اللحن الأول الذي وضعه أراه نمطا تلحينيا من الحداثة في الأغنية العراقية، لأنني أرى الغناء في العراق مثل دجلة والفرات، فالمقام دجلة، والأطوار الريفية الفرات، ولا بد أن تكون روافد، فكان الرافد الأول إلى حداثة الأغنية من خلال الأستاذ الراحل كنعان وصفي.

الرحيل والمرثية

رحل كنعان وصفي العراقي الكردي عن الدنيا يوم 11 آب/ أغسطس 2000، وقد ناهز عمره السبعين، وبعد رحيله بأيام، كُتِب عنه "كنعان وصفي.. مثال الحب السامي"، وجاء فيه:

إعلان

ورحل كنعان وصفي، وشاءت الأقدار أن نقترب منه حدَّ أن نلامس وجدانه ونحسّ دقات قلبه. كنتُ واحدا من الذين اقتربوا من هذا الفنان الكبير، ورحتُ معه في رحلةٍ إلى قلبه، ورأيتُ تضاريسه المتسمة بالحزن.

صورة نادرة تجمع الفنان كنعان وصفي بزوجته المصرية، عازفة البيانو حليمة الهنيدي، في ريعان شبابها؛ ابتسامة هادئة ولمحة انسجامٍ موسيقي ترافق بداياتهما في القاهرة

فقد كان يتأوّه حزنا، ويكاد يستلّ قلبه من بين أضلعه، ويضعه على المنضدة، لأراه وهو ينبض بذلك الحبّ الخالد لزوجته (أم كريم)، التي توفيت وتركته وحيدا -كما قال لي- فكان لا يدري ما يفعل بعدها، ولا يعرف كيف يعيش حياته من دونها.

فلم يجد إلا أن علّق صورها على جدران شقته، ليراها أينما التفت، ولتستهل دموعه مِدرارا كلما نظر إلى وجهها، وكلما عاين الأمكنة التي كانت تضمهما معا، حتى صار لا يعرف طعم النوم. حبّه لهذه المرأة قتله!

على وقع صدمة رحيل زوجته حليمة الهنيدي عام 1992 غادر مصر إلى العراق، واستقر فيها أواخر التسعينيات

كان يُحدّثني عن هذا الحب، وأشعر أن عينيه اغرورقتا بالدمع، وصارت الكلمات في فمه تستجدي الرطوبة وقد نشف ريقه، وأشاح بوجهه بعيدا. كنتُ أتأمل الرجل الكبير وأمدّ يدي إلى يده المتعرقة معزّيا، ولكن النار الملتهبة في صدره كانت تمدّ ألسنتها إلى وجهه.

هذا الفنان الكبير كان يقول لي: إن هذه المرأة فعلت معه ما لم تفعله امرأة مع رجل، كانت لا تأكل قبل أن يأكل من يديها، ولا تشرب قبل أن يشرب، ولا تنام قبل أن ينام. كانت تُهدْهدُه مثل طفل، ولا يذكر أنها نامت قبله، وكانت تُطَقْطِق له أصابعه.

هذا بعض من حبّها له، وهذا وفاؤه لها. إنها امرأته التي أحبّها حدَّ النُّخاع، فكان يوم وفاتها هو اليوم الذي انفجرت فيه ينابيع الدموع من عينيه وصارت أنهارا. فارق النومَ فضعف قلبُه ووَهَن جسدُه، وفارق الحياة وهو ينظر صورتها على بؤبؤ عينيه. إنه المثال السامي للحب. رحم الله كنعان وصفي.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان