فؤاد المهندس.. أستاذ الكوميديا القادم من خشبة المسرح والإذاعة

يخاطر الفنان كثيرا حين يقترب من السياسة في دول العالم الثالث، فيكون بين خيارين أحلاهما مر، إما أن ينحاز للجمهور، فيعرقل الحكام أعماله الفنية، ويمنعونها من الوصول للعامة، أو ينحاز للحكام فينقلب جمهوره عليه.
لكن الفنان الراحل فؤاد المهندس دُفع به إلى معادلة أكثر تعقيدا، فقد انحاز للرئيس المصري أنور السادات في مرحلة غضب عليه فيها الجمهور وأغلب الحكام في المنطقة العربية.

كان فؤاد المهندس يقدم برنامجا إذاعيا يوميا تحت اسم "كلمتين وبس"، ولأن البرنامج أصبح أحد ملامح الإذاعة المصرية، والأكثر جماهيرية بين كل ما يقدم عبر الأثير، فقد وُظف في الرد على معارضي معاهدة "كامب ديفيد" داخل مصر وخارجها، وأصبح السادات صديقا لفؤاد المهندس، لكنه خسر جمهوره العربي مدة زمنية ليست قصيرة.
لم تكن السياسة من اهتمامات فؤاد المهندس على المستوى الشخصي، لكن ظهوره في الوسط الفني جاء في مرحلة مبكرة من ظهور الإذاعة، ثم تعاظم تأثيرها بعد ذلك.
وكانت صلته المباشرة بالإذاعة أخته الإذاعية الرائدة صفية المهندس، وزوجها محمد محمود شعبان "بابا شارو"، وقد دخلها فؤاد من خلال "ساعة لقلبك" ثم "كلمتين وبس".
كما ظهر في مرحلة تخلي الجمهور عن الكوميدي الأشهر إسماعيل ياسين، الذي ارتبطت أفلامه بعبد الناصر، في حين أراد رجال السادات أن تكون الوجوه التي تمثله في الشارع الفني مختلفة، ولقي المهندس مساندة من المنتجين، ليحل محله نجم شباك.
تربع على عرش الكوميديا
صنف النقاد فؤاد المهندس خليفة نجيب الريحاني على عرش الكوميديا المصرية والعربية، وقد عرف عنه دائما الاهتمام بأعماله بجدية تتجاوز المعتاد، ولعل تجربته مع الفنانة شويكار هي البرهان الأكثر وضوحا لرجل جعل حياته الشخصية ورشة عمل لإنتاج أعمال فنية، لم يتوقف تدفقها حتى بعد طلاقهما من زواج فني وإنساني استمر 20 عاما.
عاش فؤاد المهندس 82 عاما (1924-2006)، خصص أكثرها لخشبة المسرح وعدسات الكاميرا، فتوج "أستاذا" للكوميديا، وهو من اكتشف عادل إمام، ومنحه أولى فرصه الحقيقية على خشبة المسرح.
وقد ترك إرثا فنيا، يوثق لمرحلة استطاع فيها أن يجمع جمهور التلفزيون والخشبة، بأعمال تزيد طزاجة مع مرور الزمن، ومنها مسرحيات "سيدتي الجميلة" و"السكرتير الفني"، و"أنا وهو وهي"، و"حواء الساعة 12″، و"سك على بناتك".
أما أفلامه فقد تجاوزت 70 فيلما، وأشهرها "أرض النفاق"، و"أخطر رجل في العالم"، و"شنبو في المصيدة"، و"العتبة جزاز".
كما قدم للتلفزيون مسلسلات منها "عيون" و"أحلام العصافير". وقدم فوازير "عمو فؤاد" في التلفزيون المصري في شهر رمضان 10 أعوام متواصلة، كما التزم بتقديم برنامجه الأشهر "كلمتين وبس" 30 عاما، وقدم فيه مضمونا متنوعا بين النقد الاجتماعي والتثقيف.
شغف بالتمثيل منذ الطفولة
نشأ فؤاد المهندس في حي العباسية شرق العاصمة المصرية، ووالده هو زكي المهندس، وكان عميد كلية دار العلوم، ونائب د. طه حسين، أما والدته فهي فاطمة هانم الزياتي، وهو الطفل الثالث في العائلة بعد أختين هما صفية ودُريّة المهندس. وقد درس بمدارس العزف التركية، وكان جاره الفنان صلاح ذو الفقار والفنان محمد عوض.
وجد فؤاد ترحيبا من والده حين صارحه برغبته في العمل بالتمثيل، لكنه اشترط عليه أن ينهي دراسته الجامعية أولا ثم يفعل ما يشاء، أما الأم فقد رفضت رفضا قاطعا، حتى أنها حين أُبلغت أنه سيشارك في عرض مسرحي بالمدرسة فاجأته بين الحاضرين في الصف الأول، وحين صعد إلى الخشبة قالت له: "انزل يا ولد"، فنزل فورا، وتلقى "علقة" ساخنة بعدها.
وكانت الأم أيضا ترفض عمل ابنتها صفية بالإذاعة، لكنها رحلت رحيلا مفاجئا، فسلك الأخ والأخت طريقيهما.
جمع فؤاد بين الانضباط والصلابة في شخصيته، بسبب تربية الأم الصارمة، بالإضافة إلى ذلك الفهم العميق لاختلاف الأجيال، واختلاف القيم وتحولات الصور الذهنية عن الأشياء من قبل الأب، فقد تصورت الأم أن الإذاعة تشبه ناديا ليليا، وأن التمثيل هو "التشخيص" الذي ارتبط بفرق إحياء الأفراح، أما الأب فقد استوعب التغيير.

كان كثير من الأشياء يسبب بروز مشاعر الخوف لدى فؤاد، فكان يخشى الظلام والكلاب وسوء الفهم ومشاجرات الشوارع، لكن ذلك الخوف لم يحمه من شبح الوحدة، الذي كان سببا قويا في إنهاء رحلته في الحياة.
فقد كان ممددا على سريره مريضا لا يستطيع الحركة، حين شبت النار من شرارة كهربائية في أوراقه وشهادات تقديره وجوائزه، وظلت تحترق أمام عينيه، وهو عاجز عن إنقاذ تاريخه الشخصي والمهني.
يقول محمد فؤاد المهندس عن والده بعد الحريق: بعد حريق البيت شعرت أنه يقول "كفاية"، وكان نائما طوال الوقت، لم يكن واعيا بما يدور حوله، وتضاعفت وحدته برحيل أقرب أصدقائه الفنان عبد المنعم مدبولي، ثم الفنانة سناء يونس.
نجيب الريحاني.. لقاء مع عملاق الكوميديا العربية
كان فؤاد المهندس طالبا في الثانوية، لكن غرامه بالتمثيل يكبره بمئات الأعوام، وإعجابه بالفنان نجيب الريحاني لا حد له، لذلك قرر أن يلتقي به بأي وسيلة، فذهب إليه على أنه صحفي، ووافق الريحاني على لقائه وحواره.

لكن الريحاني فوجئ بنشر الحوار في مجلة مدرسية، وبدل أن يغضب، فقد عرض عليه أن يخرج مسرحية لفريق التمثيل بالمدرسة، ثم ألحقه بفرقة الريحاني المسرحية، لكن فؤاد يصرح في حوار تلفزيوني قائلا: كان نجيب الريحاني فنانا، وكل فنان فيه قدر من الأنانية، وهو كان كذلك، ولم يمنحني فرصة حقيقية.
"ساعة لقلبك".. منصة إذاعية لبناء النجومية
كان برنامج "ساعة لقلبك" الكوميدي الإذاعي فرصة لاكتساب الممثل الناشئ فؤاد المهندس جماهيرية جديدة، فقد بدأت أولى حلقاته عام 1953، وكان فؤاد يومئذ قد شارك في 3 أفلام فقط، هي "زمن العجائب" و"غضب الوالدين" و"كأس العذاب"، وكلها عُرضت عام 1952.
ومن خلال البرنامج، اختاره المخرج محمود ذو الفقار لأول دور بطولة سينمائية في فيلم "بنت الجيران" (1954) أمام الفنانة شادية. وفي عام 1956، أشركه المخرج عز الدين ذو الفقار في فيلم "عيون سهرانة" أمام الفنان صلاح ذو الفقار والفنانة شادية، ثم في فيلم "بين الأطلال" (1959) و"نهر الحب" (1960) و"الشموع السوداء" (1962) و"فيلم موعد في البرج" (1962)، ثم انطلق بعدها إلى عالم النجومية.

قدم فؤاد المهندس عددا كبيرا من الأدوار الثانوية، وكان يؤدي فيها دور صديق البطل، سواء كان ذلك البطل عماد حمدي أو عبد الحليم حافظ أو غيرهما، لكنه أصبح بطلا لأفلام مثل "شنبو في المصيدة" (1968)، و"فيفا زلاطا" (1976) وغيرهما.
خشبة المسرح.. الحب الأول ومهد الزواج مع شويكار
كان المسرح حب فؤاد المهندس الأول ممثلا، ولم تولد أحلام كبرى في السينما إلا في توقيت متأخر نسبيا. وقد شهدت خشبة المسرح ميلاد قصة حبه الشهيرة مع الفنانة شويكار، وأول مسرحية جمعتهما هي "أنا وهو وهي"، من إخراج عبد المنعم مدبولي، وشهد العرض المسرحي خروجا عن النص، حين عرض فؤاد المهندس على شويكار الزواج، فوافقت.
كان فؤاد متزوجا والدة أطفاله محمد وأحمد، وبعد زواجه مع شويكار أبلغ الزوجة الأولى، فحزنت ثم مرضت وتوفاها الله. وحين سئل عنها اغرورقت عيناه بالدموع، واعترف أنه يشعر بالذنب، ويشعر أن زواجه كان سببا مباشرا في وفاتها.

أما شويكار فكانت قد أنجبت طفلة واحدة من زوج رحل مبكرا، وهكذا تشكلت ملامح أسرة جديدة على أطلال أسرتين، وظلت 20 عاما تعيش في منزل واحد، حتى افترقا، وأصبحت حياة مُضحك المصريين وأستاذ الكوميديا سلسلة من الأحداث المحزنة والإحباطات، لم تتوقف حتى رحيله.
ولعل التلخيص المركز لحياته قد جاء على لسانه في إجابة سؤال في حوار تلفزيوني، حول كيفية قضاء وقت الفراغ والترفيه عن النفس، فقال: لم أجد من يدللني منذ رحل والدي د. زكي المهندس ووالدتي فاطمة هانم الزياتي، وقد اعتدت الأمر منذ زمن، لذلك لا يوجد من يدللني، أنا أدلل نفسي.
"شنبو في المصيدة".. بداية مدرسة الكوميديا العبثية
صنع فيلم "شنبو في المصيدة" (1968) للمخرج حسام الدين مصطفى، مفارقة مستفزة للناقد والباحث في الواقع الاجتماعي والسياسي في مصر، فقد حقق أعلى إيرادات أفلام العام، وكان فؤاد المهندس وشويكار قد قدما ذلك العام 8 أفلام من بين 40 فيلما أنتجتها السينما.
أصبح فؤاد المهندس فنانا منطلقا بسرعة الصاروخ، وصار بطلا بعد أن كان سنيدا، وتسرب الإهمال والتجاهل إلى إسماعيل ياسين، الذي كان يوما ما نجم نجوم الكوميديا في مصر، وبدا أن ثمة إحلالا وتبديلا على عرش الكوميديا.

كان "شنبو في المصيدة" فيلما شديد التواضع، ينتمي إلى كوميديا الإضحاك بلا هدف، ويدور حول موظف حسابات في مخبز يدعى شنبو، يعرض على صحفية شابة إنتاجه القصصي، لنشره بالمجلة التي تعمل بها.
ومن خلال علاقة العمل بين شنبو والفتاة، تقع قصة حب بينهما، وتتداخل مع أحداث مؤامرة اغتيال العمة الثرية البخيلة، التي يدبرها ابن أخيها للإيقاع بشنبو، وليحصل على الثروة وحب الصحفية، ويحاول شنبو أن يثبت براءته من التهمة.
كان الفيلم مرحلة جديدة لفؤاد المهندس، ومع ذلك فقد جمع بين دوائر شتى، فقد دشن مرحلة جديدة من الكوميديا العبثية، وأنهى أسطورة إسماعيل، وأعلن سيادة ذوق جديد.
"عماشة في الأدغال".. فيلم ناجح على هامش عملية عسكرية
يقتصر دور الفنان عادة على العمل أمام الكاميرا أو فوق خشبة المسرح، لكن فؤاد المهندس كان استثناء، فقد استعانت به الأجهزة المصرية، ومعه محمد رضا، وسهير زكي، ونجوى فؤاد، وصفاء أبو السعود، لتنفيذ واحدة من أنجح العمليات وأخطرها.
كانت إسرائيل قد قررت التنقيب عن البترول في سيناء المحتلة، وبحثت عن حفار يستطيع تنفيذ المهمة، ولم يكن يوجد إلا حفار واحد، كان يُستخدم يومئذ على الحدود الأمريكية الكندية، فاستأجرته إسرائيل.
ومع أن مصر قد حاولت منع الأمر، من خلال مخاطبة الدول في المنطقة وخارجها، فإنها لم تستجب لذلك، فرُصد خط سير الحفار العملاق، تمهيدا لتدميره قبل وصوله إلى سيناء.
وقد قرر جهاز المخابرات الدفع بمجموعة ثانية من الضباط لتفجير الحفار، الذي استقر في السنغال، تمهيدا لنقله إلى ساحل العاج، وجاء الضباط الثمانية ضمن فريق عمل لتصوير فيلم سينمائي هو "عماشة في الأدغال" (1972).
نجحت مهمة التدمير، وتوقف مشروع التنقيب الإسرائيلي عن البترول في سيناء، لكن المدهش أن الفيلم حقق نجاحا جماهيريا غير مسبوق، مع ضعف مستوى العمل نقديا.
عادل إمام.. إفساح الطريق لنجم المستقبل
لئن كان عقد الستينيات قد شهد مجد فؤاد المهندس وعلو مكانته، وتربعه على عرش الكوميديا، فإن أحكام الزمن تقهر الجميع ولا تُقهر، وكما أسدل الستار على نجومية إسماعيل ياسين، فقد تحول "الأستاذ" إلى تمثيل الأدوار الثانية مع الفنان عادل إمام الذي منحه فؤاد الفرصة بدور "دسوقي أفندي" في مسرحية "أنا وهو هي".

وقد ذهب الفنان عادل إمام بنفسه حاملا سيناريو فيلم "خللي بالك من جيرانك"، الذي كتبه السيناريست فاروق صبري، وأخرجه محمد عبد العزيز، وشارك فيه فؤاد المهندس مرحبا، وتكرر ذلك في فيلم "خمسة باب" (1983) للمخرج نادر جلال.