في عيد ميلاده الـ68.. رحلة استثنائية للقيصر الرحال كاظم الساهر

سيرة فنية استثنائية، امتدت أكثر من 40 عاما، ألهمت الملايين بسحر الموسيقى وعذوبة الغناء وأجمل القصائد. حين يُذكر اسم كاظم الساهر، يُستحضر صوت من طبقة فريدة، ولحن مشغول على أوتار الإبداع، وتُستدعى صورة الرجل الذي لم يعرف الاستقرار، وكأن حياته وموسيقاه وذاكرته العاطفية كانت منذ البدء محكومة بالرحيل.

هو "القيصر الرحّال" الذي هاجر من سامراء إلى الموصل، ثم إلى بغداد، قبل أن يحمل حقيبته إلى المنافي العربية والعالمية، وظل صدى الرحيل يطارده، حتى صار علامة بارزة في كل ما غنّى ولحّن.

بدايات المدن الثلاث
تكونت عائلة الساهر في سامراء العريقة، بين مآذنها الذهبية وعبق تاريخها العباسي، وكان التنقّل مرهونا بعمل أبيه في السلك العسكري، وقد أبصر النور في 12 سبتمبر/ أيلول 1957 في الموصل، حيث التعدد الثقافي والمقامات العريقة، وهناك تشكلت أذنه الموسيقية.

أما بغداد فهي مدينته الأثيرة، وقد جاءها بعدما بلغ عشر سنين، فشبّ فيها ونضج وتكوّنت شخصيته الفنية الطموحة، العصامية والمجتهدة نحو الصعود. بدأ مبكرا ولحّن أغنيته الأولى "أين أنتِ" وهو ابن 12 عاما.

ثم دخل بعدها المعهد الموسيقي، وتعرّف على عوالم التلحين والقصيدة، فأصبح سريعا وجها مألوفا في الساحة العراقية، بداية من المسرح العسكري، ثم على شاشة التلفزيون والإذاعات.

اكتسحت أشرطته المحلات، وأحيا كبريات الحفلات، حتى أصبح رائجا في الثمانينيات والتسعينيات، لكن بغداد لم تحتفظ به طويلا، فالأحداث الكبرى ألقت به إلى مسارات الغربة، كأن القدر كتب عليه أن يكون دوما على أهبة الرحيل، فغادرها بلا رجعة منتصف التسعينيات.
قدر الرحيل
ما إن بدأ الساهر يشقّ طريقه الفني حتى صار السفر والرحيل جزءا من معجمه الغنائي، فكم مرة ردد: "استعجلتِ الرحيل"، وكأنه لا يخاطب الحبيبة الغائبة فقط، بل الوطن بأسره الذي غادره قبل أوانه.
وفي أغنيته الخالدة "العزيز شلون أودّعك" يذوب صوته في مرارة الفقد، وكأن التوديع طقس دائم في حياته.

أما قصيدة نزار قباني "لو أننا لم نفترق"، فقد أصبحت بصوته أيقونة للفقد العاطفي والاغتراب الروحي، وقد عمّق ذلك المعنى أكثر حين غنّى "نُفيتُ واستوطن الأغراب في بلدي".
وأما أغنية "طال السفر" فقد حملت صورة المغترب، الذي يتوسّد غربته، ويطيل الانتظار عند بوابة العودة.
"المسافر" و"رحّال"
كانت تجربة كاظم الساهر الوحيدة في التمثيل بعنوان "المسافر"، وقد خاضها في التسعينيات، وكأن القدر لم يشأ أن يتركه يبتعد عن صورته الحقيقية.

ومن هذا العمل خرجت أغنية "رحّال"، التي أصبحت مرآة تعكس حياته الفنية والشخصية، ولم يكن يؤدي دورا دراميا عابرا، بل يجسّد نفسه.
تدور الحكاية حول "كمال"، الشاب الموهوب الذي ينتقل من بغداد إلى شمال الموصل، ليعمل معلّما في قرية فقيرة. رجل يحمل حقيبته، يمضي من مدينة إلى أخرى، ومن منفى إلى آخر، ولا يضع عصا الترحال قط، كأنه كان يقرأ مستقبلا خطّه له القدر.

قيصر الغربة
لم يكن لقب "القيصر" تكريما لمكانة كاظم الساهر الفنية، بل أصبح رمزا لفنان يعيش في المنفى، قيصرا بلا قصر ولا عرش ثابت، لكن عرشه الحقيقي توزّع على قلوب المحبين في كل مكان.

وفي قصائده وألحانه العراقية التي تسرّبت إلى الأوتار، وجد الجمهور صورة لذواتهم الممزقة بين الحب والفقد، بين الوطن والمنفى.
عاش كاظم أكثر من 30 عاما متنقلا بين بيروت والقاهرة والمغرب ودبي، وعواصم عربية وعالمية أخرى، أما مدينته الأثيرة بغداد، فلم يرها قط حتى الآن.
لغة الرحيل
منذ أكثر من 3 عقود، ظلّ كاظم الساهر يحمل الحزن بين السطور، حتى وهو يغني للحب، وحتى وهو يلحن للفرح، يتسلل الشجن من الأوتار. في أغانيه نسمع وقع خطوات المسافر على أرصفة المطارات، ونحس أن حقيبته دائما بانتظاره.
لقد اتخذ الاغتراب مدرسة فنية متكاملة، وصاغ من آلام الرحيل فنا يواسي ملايين العرب، الذين يعيشون الغربة بمعناها الكبير.

وها هو ذا اليوم، وقد وقف في أواخر الستين من العمر، وأصبح أبا وجدا، يقف بعد كل هذا الزمن مسافرا أبديا لم يعرف الاستقرار، ولم يتوقف عن حمل وطنه معه في صوته وألحانه.

هو ابن سامراء والموصل وبغداد، وابن المنافي الكثيرة. وقد يراه كثيرون في النهاية صورة عن العراق نفسه، لذلك لم يكن مستغربا أن يلقبه الناس "القيصر"، لكنه في جوهره يظل "القيصر الرحّال"، الذي جعل فنه أوطانا بوجوه متعددة، واتخذ الغربة وطنا بديلا لا يغيب.
