"وراء كل قصة تاريخ وقضية تستحق التوثيق والإنصاف".. حوار مع المخرجة الجزائرية فتيحة بوروينة

تقول الحكمة: إذا أردت أن تروي قصة غير مروية، وتعطي صوتا لمن لا صوت له، فعليك أن تجد اللغة المناسبة.

قد تعكس هذه العبارة جوهر ما تؤمن به المخرجة والمنتجة الجزائرية فتيحة بوروينة، التي وجدت الفيلم الوثائقي وسيلة للحوار مع الحقيقة التاريخية، ولخلق توازن بين المرئي والمفهوم، وسرد وقائع لا تزال تقاوم النسيان.

تحاول في أعمالها اتخاذ الوثائقي مساحة لمساءلة الزمن والهوية والذاكرة، وفي فيلمها "ألقاب الجزائريين.. النقمة الفرنسية"، أعادت فتح فصل مغيّب من العنف الرمزي، الذي مارسته الإدارة الاستعمارية من خلال نظام الألقاب. تجريد من الجذور يراد به إهانة الأسر الجزائرية، لا سيما الثورية منها.

أجرينا هذا الحوار مع صانعة "الصيام الأزرق"، و"غير بعيد عن باديستان"، و"مسجد كتشاوة.. كل الحكاية"، لمعرفة الدوافع التي جعلتها تتجه للسينما الوثائقية، ونتوقف عند تجربتها -وهي امرأة- في ميدان تحدى كثيرا من الرجال، فلا يكون الاستمرار فيه مرهونا بالجنس، بل بقوة الفكرة وتوافر الدعم والتمويل.

يطرح الوثائقي سؤالا يلامس عمق الهوية والكرامة: لماذا لا تزال بعض العائلات تحتفظ بألقابها المشينة، برغم الرفض والحرج والضرر النفسي والاجتماعي الذي يتوارثه الأبناء وتتقاسمه الأجيال، هل يصعب تغييرها إداريا، أم أن المجتمع استصعبها ولم يتحرر بعد من وطأة هذه التقاليد الجارحة؟ مع العلم أنها لا تقتصر على الجزائريين، بل هي في مجتمعات أخرى أيضا.

نعم هذه الظاهرة موجودة في مجتمعات أخرى، لكن وضع الجزائر خاص جدا، بدليل أن قانون التلقيب، أو قانون الحالة المدنية الذي صادق عليه مجلسا الشيوخ والنواب، ووقعه رئيس الجمهورية الفرنسية يومئذ "جول غريفي"، وصدر في الجريدة الرسمية في 23 مارس/ آذار 1882، إنما طبق بالجزائر وحدها دون باقي مستعمرات فرنسا.

فجيران الجزائر -وتحديدا تونس والمغرب- لم يُطبق قانون التلقيب بهما، ولم يطل التشويه ألقابهم العائلية، بعكس الجزائر الذي أحدث فيها مجزرة حقيقية في الكنى والألقاب، وكانت الجريمة استثنائية بكل المقاييس.

منظر علوي من الجزائر العاصمة، يظهر ساحة باديستان والجامع الكبير

يقر بهذا التفرد "جول فيري" عراب المدرسة العمومية في فرنسا، وكان رئيس وزراء فرنسا عام 1885، ومن بعدها رئيس لجنة التحقيق البرلمانية حول قانون التلقيب.

إعلان

لقد قدم "فيري" تقريرا تقييميا حول العملية، وكان سوداويا بشهادته، إذ يقول: إن قانون 23 مارس/ آذار 1882 الرامي إلى تأسيس الحالة المدنية بين الناس، قد انبثق عن حسن نية، بفتح سجلات منتظمة للولادات والوفيات، ولكن الإقدام على تغيير أسماء ثلاثة ملايين من الناس، ومنحهم أسماء جديدة هي مهمة متفردة التعقيد.

أعود إلى الشطر الأول من سؤالك، فأقول إن كثيرا من الجزائريين ما زالوا يحافظون على ألقابهم الموروثة عن الاستعمار، ويحجمون عن تغييرها لاعتبارات عدة، منها احترام قرار الجد الأول الاحتفاظ باللقب العائلي والتوصية بذلك، وأن الأبناء أو الأحفاد الذين يصرون على تغييرها -بسبب الإهانة اجتماعيا ونفسيا- يلقون معارضة شديدة من الأولياء.

ثم إن بعض الناس يظنون أن تغيير اللقب قد يحرمهم من إرث الجد، وذلك خطأ، نجد توضيحه في المرسوم التنفيذي المتعلق بتغيير الألقاب، الذي أقره المشرع الجزائري عام 1971، ويسمح للجزائريين الذين يحملون ألقابا مشينة بتصحيحها أو تغييرها، واختيار ألقاب أخرى محترمة، لا سيما المواد 11-12-13.

يعد وثائقي "ألقاب الجزائريين.. النقمة الفرنسية" طرحا استثنائيا غير مسبوق لموضوع شديد الحساسية، كشفتم به نظرة المستعمر للنسل، ورغبته في التعامل مع الفرد، لا مع الجماعة أو العائلة أو القبيلة. ما مدى توفر المراجع وسهولة الوصول إليها، وما رمزية قصة التلميذ "دماغ العتروس" في إبراز الأثر النفسي والاجتماعي للقب على للفرد؟

لقد أردنا طرح الموضوع بتمثيلية وقصة متداولة كثيرا في واقعنا، حاولنا تقريب موضوع الألقاب المشينة من المتلقي، وتبسيطه أمام المعنيين بالأمر، ففي قلب المدرسة والشارع والحي، يعيش طفل جزائري يحمل لقبا ساخرا ومهينا هو "دماغ العتروس".

لا يكاد يومه يخلو من نظرات التنمر أو كلمات جارحة من أقرانه، فاختار الصمت والعزلة ملاذا يهرب إليه من اسم يسمم علاقته بذاته وبمحيطه، ثم تأزمت حالته النفسية، فتدهور أداؤه الدراسي، وتكررت غياباته، وكأنه يهرب من لقبه أكثر مما يهرب من المدرسة.

المرسوم التنفيذي المتعلق بتغيير الألقاب، الذي أقره المشرع الجزائري العام 1971

هذا الوثائقي لا يكتفي برصد المأساة من الخارج، بل يغوص في عمق أزمة الهوية المرتبطة بالألقاب المشينة التي خلفها المستعمر. وقد استغرق إنجازه أكثر من سنة، طاف فيها صناعه أنحاء البلاد، وبدرجة أقل الجنوب الكبير، لأن المستعمر الفرنسي وجد صعوبة في تطبيق مشروعه على السكان هناك، عربا وطوارق.

لأسباب مالية وجغرافية، لقينا بعض التعقيدات، منها صعوبة الوصول إلى السجلات وخصوصية الحالة المدنية، لكن مما زادنا إصرارا على إتمام الفيلم شجاعة العائلات التي قبلت كسر الصمت، وسردت رحلتها مع تغيير اللقب، والعبور نحو حياة أكثر كرامة.

وقد اعترف بعض الباحثين الذين اشتغلوا على الموضوع، بصعوبة الاقتراب من هذا النوع من المواضيع، مع أنهم يحملون صفة أكاديمية بحثية، فنيل السجلات ودخول أقسام الحالة المدنية من الأمور الصعبة، لأنها تتعلق بحياة الناس وماضيهم وخصوصياتهم، فما بالك عندما ينتقل الموضوع من الورق إلى الصورة والصوت، أي إلى العمل السمعي البصري.

في ظل استمرار الأثر النفسي والاجتماعي المرتبط بهذه الألقاب، إلى أي مدى ترين أن طرح الإعلام والسينما لمثل هذه المواضيع يساعد أصحابها على التحرر من عبئها، لا سيما وفرنسا الاستعمارية كانت تعترف بوجود الفرد ولا تقر بقيمته إنسانا، كما أورد د. مصطفى عبيد، أستاذ التاريخ بجامعة المسيلة في شهادته؟

أرى كل ذلك خطوة مهمة، نحو وضع هذا النوع من الأعمال الحساسة موضع التناول الإعلامي والسينمائي، والخروج بها من الضيق إلى الرحابة، وفتح النقاش حولها، ومحاولة إبعادها عن القدسية والخوف.

لا سيما أن قانون تغيير الألقاب -الذي صدر عام 1973- أتاح للعائلات الجزائرية، إمكانية تغيير ألقابها إذا كانت مشينة أو معيبة، وهو أمر حرر العائلات من وطأة الإهانة، التي أنتجتها ألقابها، وكانت تظنها قدرا محتوما.

إعلان

كان للجزائريين أيام الاستعمار وقبله أسماء ثلاثية موثقة في دواليب المحاكم الشرعية، التي كانت مخزن معلومات للكنى والأسماء والهويات، ثم جاءت فرنسا فأقرت قانونا جديدا للحالة المدنية.

كان ذلك يهدف إلى بتر امتداد الجزائري في عمقه العربي والإسلامي، فمُنح ألقابا تحيل إلى كل شيء، من الحجر والشجر والحيوان والعاهات الخلقية، إلا كينونته إنسانا له معنى ومبنى.

امتداد القصبة نحو البحر، وهو معلم مصنف عالميا ضمن تراث اليونيسكو

تحررت عائلات كثيرة من ألقابها المشينة، وقبلت بكل رحابة صدرٍ المشاركةَ في الوثائقي، وفعلت ذلك بداعي التحسيس وتشجيع العائلات التي تتردد في تغيير ألقابها المشينة، لفعل ما يجب فعله للتحرر من إرث مهين، يسمم حياتها وحياة أبنائها وأحفادها.

لقد كان الفيلم الوثائقي أكثر من مهم، وأنا أجده وسيلة فنية نحو تغيير السلوك، وتوضيح الرؤية، وتصحيح التصورات الخطأ.

انطلاقا من تعقيدات قانون الحالة المدنية الاستعماري عام 1882، الذي طبق في مناطق، وتأخر تطبيقه في مناطق أخرى، كيف نجحتم في تبسيط هذا الإرث القانوني وتقديمه للجمهور تقديما مؤثرا؟ وما الرسالة التي حرصتم على إيصالها للجيل الجديد؟

يجب الإقرار بأن الوثائقي ارتكز على مادة علمية ضخمة، ومعلومات غزيرة مبعثرة في كتب دوّنها باحثون جزائريون، وكذا فرنسيون اشتغلوا على الموضوع، فمنهم "جيرمان تيون"، وهي باحثة فرنسية في علم الأعراق، عاشت في الجزائر زمن الاحتلال الفرنسي، وأنجزت عدة دراسات على الأنساب والأعراق.

ليس يسيرا التعاطي مع هذا الكم الهائل من المعلومات، وتقديمها للمشاهد في عمل وثائقي، لا يتعدى طوله 52 دقيقة، في زمن تسير الحياة فيه بوتيرة جد متسارعة، لذلك كان الاهتداء إلى قصة التلميذ "أمير دماغ العتروس" ملهما، لتمرير المعلومة العلمية في قالب روائي، حتى لا يضجر المشاهد.

ثم إن مداخلات الأكاديميين لم تكن بذلك الثقل الذي يرهق المتلقي، لأن المزاوجة بين تفاصيل التلميذ أمير اليومية والمعلومة التاريخية، كانت بسلاسة جميلة.

لقد شكلت نهاية الوثائقي رسالة قوية للمترددين من العائلات، التي ما تزال تحمل ألقابا مشينة، بعدما وصل والد أمير إلى قناعة، وهي ضرورة البحث عن محام يستشيره، للشروع سريعا في إجراءات تغيير اللقب العائلي، بعدما صار لقبه يؤزم ابنه أمير، ويفسد عليه الحياة. لقد اهتدى الأب إلى مكتب محامٍ، واكتشف أن عملية تغيير اللقب لم تكن بالتعقيد الذي يظن.

وفي المشهد الأخير من الفيلم، يظهر التلميذ أمير في الصف، يشارك أقرانه احتفالات المولد النبوي الشريف، في دلالة على تحرره من لقبه المشين، ولا شيء يمنعه الآن من الانخراط في الحياة مرة أخرى، في الشارع والمدرسة وكل مكان، وقد شارك في مسرحية مدرسية بمناسبة المولد النبوي الشريف، وقرأ شعرا، ووضع الحناء في أصبعه. إنه يتحرر.

في توثيقك لقصص عائلات تحمل ألقابا مهينة، ما التحديات الأخلاقية والإنسانية التي واجهتك، وكيف استطعت بناء علاقة ثقة معهم، لتشجيعهم على كشف تجاربهم أمام الكاميرا، لا سيما وجميعهم يتنكر للألقاب التي أطلقها المستعمر عشوائيا وبعنصرية؟

نعم كانت ألقابا عشوائية وعنصرية ومقيتة، بعض من تحدثنا معهم قالوا إن الأجداد مُنحوا تلك الألقاب نكاية فيهم، لأنهم كانوا من المجاهدين والمقاومين، وقد تجنبت الإدارة الفرنسية منح الألقاب المشينة للحركى (العملاء المتعاونون مع المحتل من الخونة)، ولم يكن الاقتراب منهم عصيا، بحكم أننا وصلنا إليهم عن طريق الباحثين أنفسهم، الذين اشتغلوا على الموضوع، والتقوا من قبل بمن شاركوا بشهاداتهم في الوثائقي.

سيدة تتلفع بالحايك في أزقة قصبة الجزائر العاصمة

كان عامل الثقة أساسيا في نجاح التسجيل مع هؤلاء، فأحد من أدلوا بشهادتهم إمام في قرية نائية، يروي صدامه مع أبيه الذي رفض تغيير لقبه المشين، بدعوى أن من سبقوه لم يفعلوا ذلك، لكنه أقنعه، لأن لقبه "بوحلوفة" (ذو الخنزير) لا يليق بعائلة إمام، ولا يليق بأسرة جزائرية ثورية.

في زمن تتوارى فيه الذاكرة خلف ضجيج السرديات الرسمية، كيف يمكن للسينما الوثائقية أن تعيد للمنسيين حضورهم، وتنصف أمكنة طمست ملامحها؟

في زمن تشتد فيه المعارك حول الذاكرة والهوية، يبقى الفيلم الوثائقي من أبرز أدوات المقاومة الثقافية والتاريخية، فلم تعد السينما الوثائقية تكتفي بالتسجيل، بل أصبحت وسيلة قوية لإعادة كتابة التاريخ من منظور إنساني نقدي تعددي، وقد صارت لها أدواتها السردية التوثيقية، التي تسمح بإعادة فحص الوقائع، وتقديم روايات بديلة أو مغيبة.

إعلان

صار بإمكان السينما الوثائقية الآن تفكيك السرديات المهيمنة (الرسمية مثلا)، ومساءلة سرديات مؤسسات مهيمنة، سواء كانت سياسية أو إعلامية أو تعليمية، بتسليط الضوء على مصادر جديدة، أو شهادات مهمشة تسمح ببناء سرديات بديلة، تقدم تفسيرا تاريخيا واجتماعيا مختلفا.

شهادة المجاهد الباحث في التاريخ د. علي تابليت في وثائقي "غير بعيد عن باديستان"

ولعل وثائقي "غير بعيد عن باديستان" يدخل في هذا الاتجاه، أي إعادة الاعتبار للأماكن المنسية على ثقل حمولتها التاريخية، ومنحها صوتا يحكي بالعدسة روح المكان، بصفته كائنا حيا ذا ذاكرة وحضور.

أتذكر أننا حين أطلقنا الإعلان الترويجي للوثائقي، استفهم كثيرون منا معنى باديستان، أهو مكان أم هيكل أم معلم أم اسم عالم، وغيرها من الأسئلة التي زادت أهمية الوثائقي وجدواه، من حيث إنه سيكون إضافة للمشاهد، الذي سيكتشف المكان بهذا العمل.

الحقيقة أن الوثائقي أماط اللثام عن أحد أهم الأماكن المنسية اليوم في الجزائر، ولا سيما الجزائر العاصمة، وقد كان فيما مضى قلب المدينة النابض، فكان سوقا مشهورا لبيع الغنائم البحرية، بل كانت الأكبر والأهم، مقارنة بأسواق دول كانت تباع فيها الغنائم البحرية، ويساق إليها الأسرى.

شهادة الباحث حمزة زكار والجامع الكبير يظهر خلفه في وثائقي "غير بعيد عن باديستان"

ولعل أهم ما كشف عنه الوثائقي (بتدخلات الباحثين والأكاديميين) أن الجزائر لم تكن دولة قرصنة، مع أن بعض الكتابات الغربية صنفت موضوع الغنائم البحرية قرصنة مارستها البحرية الجزائرية، بل إن البعض رأى ذلك نقطة سوداء في تاريخ الجزائر، والحق أنه لا يعدو دفاعا عن النفس، وصدا للأطماع الاستعمارية.

أما فرض دفع الإتاوات الضريبية على السفن، التي لم تكن لها رخص الإبحار، فكانت قوة البحرية الجزائرية في البحر المتوسط والمحيط الأطلسي سببا رئيسيا في إرسال أمريكا أسطولها البحري لضرب الجزائر، وكان من أهم أهدافها القضاء على الرايس حميدو، وكان ذلك انتقاما منه ليس إلا، بل إن شعراء غربيين نظموا قصائد شعرية كثيرة، اغتباطا بمقتل الرايس حميدو.

في وثائقي "مسجد كتشاوة.. كل الحكاية" يتقاطع السرد البصري بالتاريخي، ويستعاد أول أذان للشيخ البليدي بعد الاستقلال، ضمن فضاء شهد تحولات رمزية من مسجد إلى كنيسة، ثم عودة إلى أصله، كيف ولماذا شعرتِ أن هذا المبنى تجاوز هندسته المعمارية ليصبح شاهدا حيا على روح المقاومة، ووعاء لذاكرة جماعية تستحق التوثيق؟

تناولت عشرات التقارير المكتوبة والمصورة مسجد كتشاوة، بصفته معلما دينيا، يحكي حقبة تاريخية ارتبطت بالوجود العثماني في الجزائر، وجاء هذا الفيلم ليكون أول وثائقي طويل، يشتغل على المعلم في علاقته بالحياة التي تنبض حوله ملء فمها، أسواق شعبية، ومطاعم عتيقة، ومحلات تجارية للصنايعية، وفي علاقته أيضا بالشخصيات التاريخية، التي صنعته وصنعت تاريخه.

لم يكن الوثائقي سردا تاريخيا لماهية المعلم فحسب، بل عاد مع المؤذن محمد برينيس (المعروف بالشيخ البليدي) ليروي كل الحكاية، حكاية ما قبل صعوده صومعة جامع كتشاوة في 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 1962، لرفع أول أذان، بعد استرجاعه مسجدا في أول جمعة بعد الاستقلال، خطب فيها الشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله.

المؤذن محمد برينيس أول من أذن بجامع كتشاوة بعد الاستقلال

ما يزال جامع كتشاوة يحتفظ إلى اليوم بأسرار كثيرة، لعل أبرزها مصدر كل تلك الأموال التي أغدقت عليه، حتى يكون بتلك الفخامة التي نافست فخامة قصر السليمانية، فشهادة الجامع على التاريخ، وتفرد معماره دفعنا لهذا النوع من التوثيق.

صحيح أن بعض الأماكن والقصص اندمجت في حياتنا، وأصبحت جزءا منها، ولكن هذا لا يمنع من إنجاز أعمال كثيرة عنها، من زاوية وطرح مختلفين، وذلك كفيل بكشف تفاصيل جديدة ومهمة.

واضح من كلامك أنك تختارين السينما الوثائقية لتسجيل ما كان، واستعادة ما غيب من الذاكرة الجماعية، إلى أي مدى يمنحك هذا الشكل السينمائي صيغة لاستعادة الحقائق المغيبة أو الخفية، وإعادة رسم التاريخ من منظور لم ينصف سابقا، وهل ترين في الوثائقي اليوم الوسيلة الأنسب لتقديم سرد بديل أكثر إنصافا للغائبين، وأصدق تمثيلا لصوت الأماكن؟

السينما الوثائقية جنس سينمائي صارم، يتعاطى مع المعلومة والوثائق والملفات والسجلات والشهادات، والتوجه إليها خيار يتقاطع مع مهنتي إعلاميةً وكاتبة صحفية، دأبت على التعامل مع المعلومة، وتراكم تجربة مهمة تؤهلها لمعرفة المجتمع وقضاياه وشخصياته وتاريخه، والمنسي والمنسيون من تاريخه.

أزعم أن الإعلامي بصفته تلك، هو الأقدر على الاشتغال على الوثائقيات، لمهاراته المكتسبة في التعاطي مع المعلومة قراءة وتحليلا وتحقيقا، وأزعم كذلك أن السينما الوثائقية وسيلة مهمة لتقديم تاريخ بديل، وبناء سردية بديلة مقاومة للتزوير، سردية متكاملة تحاجج الرواية الرسمية مثلا، وتقدم تفسيرا تاريخيا واجتماعيا مختلفا، يساعد المشاهد على تطوير حس نقدي تجاه التاريخ المكتوب، فضلا عن تحفيز النقاش العام، وإعادة فتح الملفات المسكوت عنها.

قانون التلقيب الصادر في الجريدة الرسمية في 23 مارس/ آذار 1882

وإنني لأستعين أحيانا في أعمالي بممثلين، لتهوية العمل الوثائقي حتى لا يكون ثقيلا على المشاهد، بحكم كثرة المعلومات التي نُجبر على التعاطي معها، لتصويب سردية، أو كشف حقيقة، أو توضيح رؤية، وهذا من صميم أهداف الوثائقي.

لا يمكن الحديث عن إنتاج أعمال وتجسيد أفكار بلا تمويل، في ظل ضعف الدعم وغياب المستثمرين عن القطاع الثقافي، كيف واجهت تحديات التمويل، وما الخطط التي ساعدتك على تحقيق أفكارك وأفلامك تحت الضغوطات الإنتاجية؟

ما يزال الفيلم الوثائقي -كما أقول دائما- الابن الفقير أو الحلقة الضعيفة في الصناعة السينمائية بالجزائر، وفي كثير من الدول العربية، بعكس الانتعاش الذي يشهده هذا النوع في الدول الغربية. ففي فرنسا مثلا نجد عشرات الأعمال الوثائقية الطويلة، تُعرض على المنصات والشاشات وقاعات السينما، ولها داعمون.

إعلان

أما في الجزائر، فلا داعم إلا بعض المؤسسات العمومية، منها التلفزيون العمومي، الذي يطلق مناقصات لاقتناء الأعمال الوثائقية، لا سيما في المناسبات الوطنية والمواسم الدينية مثل رمضان، وكذلك الوزارات مثل وزارتي الثقافة والمجاهدين، اللتين تطلقان دوريا إعلانات للراغبين في إنتاج أعمالهما الوثائقية، ضمن مسابقات لاقتناء أفضل المشاريع الوثائقية، قصد تمويلها والمساعدة على تنفيذها وتوزيعها.

ولا أحد غير هؤلاء يقتنع بضخ أموال في عمل وثائقي، من رجال المال والأعمال غير المتشبعين بعد بثقافة تمويل الأعمال الفنية، ويمكن استثناء الأعمال الدرامية بشهر رمضان.

أمام هذا الوضع، يضطر المنتج لمضاعفة تحركاته، قصد الاستفادة من الدعم، بمحاولات إقناع أصحاب المال بالانخراط في هذا النوع من الأعمال بصفتها سفيرة للوطن، وتنقل صورا مشرقة عنه وعن تاريخه وأعلامه.

إنني لأحبَط في كثير من الأحيان، لكن الشغف يدفعني في كل مرة، لمواصلة السير في هذا المجال، مع الأمل الدائم في غد أفضل لهذا القطاع في بلادي.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان