"عفيفة إسكندر".. نجمة العراق الأولى بين المجد والعزلة: حقائق لا تعرفها عن هويتها وجنسيتها الحقيقية

حظيت عفيفة إسكندر (شحرورة العراق) بآراء نقدية إيجابية غامرة، أشادت بصوتها الوجداني وأسلوبها الفريد وحضورها الطاغي على خشبة المسرح؛ حيث مزجت ببراعة بين الموسيقى العراقية التقليدية والألحان الحديثة. "نشأت عفيفة إسكندر في كنف عائلة فنية إذ كانت والدتها، ماريكا ديمتري، فنانةً شاملة تجيد العزف على أربع آلات موسيقية. البوستر تصميم رواس سعيد

عصر يوم الجمعة الموافق 11 أيار 2012، كنت أتمشى في شارع الكرادة ببغداد، فألتقيتُ الفنان حمودي الحارثي (1936–2023) مصادفة. بعد أن تمشينا في المكان قال لي: "سأعطيك سبقا صحفيا!"، ومشينا في الشارع المكتظ حتى انعطفنا داخل طريق فرعي، ثم توقفنا أمام بناية من ثلاثة طوابق، على جدارها العالي اسم "عمارة السبطين". سرعان ما ارتقينا درجات السلم إلى الطابق الثالث، حيث طرق باب شقة هناك، ففتحت له الباب سيدة فارعة الطول رحبت بنا.

عمارة السبطين في منطقة الكرادة وسط بغداد؛ البناية التي شهدت الفصول الأخيرة من حياة ‘شحرورة العراق’ عفيفة إسكندر، وفيها اعتزلت العالم حتى رحيلها عام 2012

دخل أولا، ودخلتُ وراءه، وإذا بي أمام مشهد لم أحلم به، توسعت عيوني دهشة: المطربة عفيفة إسكندر مسجّاة على سريرها كأنها فاقدة الوعي، مستغرقة في نوم طويل، متدثرة ببطانية ناعمة، تلف رأسها بمنديل أحمر، وقد ظهرت على صفحات وجهها الأبيض آثار تدهور صحتها وآثار "سقطة" على الأرض.

حين زرنا عفيفة إسكندر في منزلها، كانت السنون قد فعلت فعلها في جسدها النحيل، وبدت عليها آثار الاعتلال الصحي، غير أنها استقبلتنا بدفءٍ وودٍ غامرين، سرعان ما أشاعا في نفوسنا شعوراً بالألفة. وبطبيعة الحال، انبعث الماضي من مرقده تحت وطأة أسئلتنا؛ فأخبرتنا أيام مجدها أونها اختارت الاعتزال المبكر آثرةً الكرامة على الأضواء

حاولت أن أتحدث معها: "عفاوي… افتحي عينيك"، حاولتُ، لكنها ردّت بندّة إغماضة مرهَقة، تحاول أن تفترّ شفتاها عن ابتسامة سرعان ما تخبو. كانت تنام طويلا وتصحى للحظات، وجسدها يسترخي مع الهواء البارد المنعش الذي ينفثه مكيف الهواء، لكن المكيف يحتاج إلى عدد كبير من "الأمبيرات" التي لا توفرها مولّدة الشارع.

انبهرت بما رأيت، وأنا أتأمل صورة قديمة لها معلقة على الحائط، فيما ذاكرتي راحت تتغنى بأغنيتها "يا يمه اطيني الدربين لنظر حبي واشوفه"، مستذكرا خفة حركاتها على شاشة التلفزيون.

لقطة نادرة للفنانة عفيفة إسكندر في شبابها، حيث جمعت بين حلاوة الصوت وبهاء الصورة، وصار صالونها الأدبي قبل لرواد الفكر والجمال

حاول حمودي التحدث معها، قال لها: "عفاوي.. أنا حمودي، افتحي عينيك"، ففتحت عينيها كأنها سمعت ما قاله، لكنها لم تقدر على الكلام. التقطتُ ابتسامة بسيطة ارتسمت على شفتيها، كأنها تقول له: "لقد انتهت الرحلة يا حمودي". وما كان مني إلا أن أردد ما قاله ابن المعتز: "حظّ من الدنيا مضى، لو كان منع أو شفا، والدهر من أخلاقه استرجاع ما قد سلف".

إعلان

سيرة باذخة
حياة فنية امتدت طويلا عبر الأزمات، حظيت بالتميّز والانتشار عراقيا وعربيا، وزارت أغلب دول العالم لتقديم أغنياتها المحببة. كانت المغنية الأولى في العهد الملكي (1921–1958)، ثم صارت من ألمع فنانات العهد الجمهوري.

لقد كان تشبيه أي مطربةٍ بكوكب الشرق (أم كلثوم) يمثل أسمى آيات الإطراء التي يمكن أن تحظى بها فنانة، لا سيما في حقبة الخمسينيات الذهبية. وقد استحقت عفيفة إسكندر هذا اللقب بجدارة؛ ليس لسطوة صوتها الجبار أو حضورها الآسر فحسب —وهي الخصائص التي توّجت أم كلثوم على عرش الغناء— بل لِما امتازت به من دفء الشخصية، ولتلك الطريقة المذهلة التي كانت تطوع بها المقامات

استطاعت أن تلفت الأسماع والأنظار إليها، عبر الملاهي ثم الإذاعة والتلفزيون، وشغلت الناس بعذوبة صوتها وذكائها وثقافتها وحبها للموسيقى والغناء الذي عزز ثقتها بنفسها. كما شغلت الوسط الأدبي، وتغنى بها الشعراء، وكتبت عنها القصص، وكان صالونها الأدبي وجهة أهل الثقافة والأدب والصحافة.

كانت أول من غنّى في الإذاعة عام تأسيسها 1936، وأول مطربة بغدادية تغني القصيدة عند تأسيس التلفزيون العراقي عام 1956؛ فقدمت نحو ستين قصيدة، ولم يُعرف عن مطربة عراقية أخرى أنها غنّت هذا العدد من القصائد. وهي أول مطربة ظهرت لها أغنية بالألوان في التلفزيون العراقي عام 1976.

مجموعة صور نادرة من الأرشيف الشخصي لـ ‘شحرورة العراق’ عفيفة إسكندر، تظهر مراحل مختلفة من حياتها الفنية والاجتماعية، وتكشف عن ملامح بغداد والقاهرة في منتصف القرن العشرين

رصيدها من الأغاني يناهز 1500 أغنية، وهي أول من غنّى الأغنية القصيرة الممتدة خمس أو ست دقائق، وقد تعلمت ذلك من مغنٍ فرنسي. تحتفظ لها الإذاعة المصرية بخمس وثمانين أغنية، وهي أول مطربة عراقية تنال مجدا راسخا في مصر، إذ بلغت القمة في عالم الغناء، وظلت نجمة متألقة. لكنها، حين تعرضت لمضايقات السلطة، لم تجد أمامها في عام 1973 إلا أن تغلق بابها عليها، وتركن إلى الهدوء والعزلة وشائعات الموت.

حلب مسقط رأسها

حسب شهادة الجنسية العراقية المرقمة (654632) الصادرة في 2/7/1980، فإن اسمها الكامل هو "عفيفة إسكندر ديمتري إسكندر"، وإن محل ولادتها "سوريا 1921″، وإن جنسيتها السابقة "سورية"، وإنها "عراقية بالزواج"، وإنها "مسيحية". اسم الأب: إسكندر ديمتري، ومحل ولادته سوريا، واسم الأم: ماري ديمتري، ومحل ولادتها سوريا، وتبعية الأب والأم الأصلية سوريا.

الوثيقة التي تحسم الجدل: شهادة الجنسية العراقية المرقمة (654632) والصادرة في يوليو/تموز 1980 للفنانة عفيفة إسكندر. تثبت الوثيقة أصولها السورية؛ حيث ولدت في سوريا عام 1921 لأب وأم سوريين (إسكندر ديمتري وماري ديمتري)، وحصلت على الجنسية العراقية عن طريق الزواج

تقول إن اسمها الحقيقي "عفيفة"، وإن أمها كتبت ثلاث مرات أسماء: "جيهان، مليكا، عفيفة"، وفي كل مرة يظهر اسم عفيفة. كما تعترف أن أمها "يونانية الأصل". عفيفة ليست أرمنية كما يُشاع، بل هي مسيحية كاثوليكية. ولدت في 12/10/1921 وتوفيت في 22/10/2012.

إعلان

من أسرة فنية
تزوّجت في الموصل وهي بعمر اثني عشر عاما من عازف الكمان اسطيفان إسكندر، الذي يكبرها بنحو ثمانية وثلاثين عاما، وكان متزوجا من امرأة اسمها أيضا عفيفة إسكندر، وله ابنة اسمها أنطوانيت في مثل عمرها. كان اسطيفان معلّمها الفني الثاني بعد والدتها.

عفيفة إسكندر في سنواتها الأخيرة بدارها في منطقة الكرادة ببغداد. ورغم تقدم العمر، ظلت ملامح ‘شحرورة العراق’ تشع بريقاً يذكر بعهدها الذهبي، حيث آثرت العزلة في صومعتها الخاصة، محاطة بذكريات المجد التي لم تفارق مخيلتها أبداً

تقول عفيفة: كانت ضرّتي اسمها عفيفة إسكندر أيضا. وتصف زوجها بالموسيقار العظيم، وتؤكد أنها تحبه وتحترمه. انفصلت عنه لكنها لا تعرف شيئا عن مصيره، ولا أين ذهب. وتقول: إنها أحبّت مرة واحدة، وتزوجت مرة واحدة، وانفصلت عن زوجها، ولم تتزوج ثانية. انتقلت من الموصل إلى أربيل ثم إلى بغداد.

تؤكد عفيفة: كل أهلي فنانون؛ جدتي، وجد أبي، وأبو أمي، ورجل أمي، وأمي تعزف العود والقانون.

مغنية بعمر ثماني سنوات
دخلت مدرسة الطاهرة الابتدائية في الموصل، وحين وصلت إلى الصف الخامس الابتدائي خافت أمها عليها، فأخرجتها من المدرسة وأدخلتها عند "الكتّاب" حيث كان الملا يدرّسها القرآن الكريم (جزء عمّ).

وبما أن أسرتها فنية فقد كانت لديها فرقة غنائية. وعندما انتقلت الفرقة إلى أربيل وجدت نفسها مغنية رغما عنها. تقول: في أربيل كان عمري ثماني سنوات عندما حضرت ذات يوم حفلة كانت المطربة فيها غائبة، فتقدم مني منظم الحفل وسألني إن كنت أستطيع أن أحل محلها، فأجبت بالإيجاب، وهكذا غنيت لأول مرة على خشبة المسرح، وصفق لي الجمهور طويلا.

احتفى محرك البحث (جوجل) بالذكرى الثامنة والتسعين لميلاد أيقونة الطرب العراقي، الفنانة القديرة عفيفة إسكندر؛ تلك التي ودعت الدنيا في بغداد عام 2012، بعد مسيرة حافلة امتدت ل 91 عاماً صاغت خلالها وجدان الأمة غناءً وإبداعاً

لم تكن تحفظ سوى أغنيتين بسيطتين هما: "زنوبتنا بالوادي جا وخطفها البغدادي" و"برهوم حاكيني"، فغنّت، وكانت المكافأة حفنة من حلوى "الجكليت".

الرقص أولا
بدأت مشوارها الفني عام 1935 في الغناء في ملاهي ونوادي بغداد، مثل ملهى "الجواهري" و"الهلال" وغيرهما. تعلّمت الرقص من أمها الراقصة في "ملهى الهلال"، لكن الغناء كان رغبتها الأعمق. نصحها أحدهم أن تكون راقصة مؤكدا أن "الرقص والغناء صنوان"، فاختارت الرقص، وضُمّت إلى "ملهى الهلال".

رقصت كأنها وجدت في الرقص ضالتها، وأبدعت في رسم ملامح رشاقتها وتنويعات اهتزازات جسدها، وكان لرقصها رنة استحسان شجعتها على الاستمرار فيه كل ليلة. لكنها سرعان ما اكتشفت أن الغناء صنو الرقص حقا، فأطلقت صوتها بالأغنيات الشائعة، فكانت تسحر السامعين بحلاوته.

الصحفي عبد الجبار العتابي في زيارة خاصة للفنانة الكبيرة عفيفة إسكندر (1921–2012) في شقتها بـ "عمارة السبطين" في منطقة الكرادة ببغداد. تظهر الصورة ملامح التقدم في السن على الفنانة القديرة، مع احتفاظها بوقارها الفني المعهود خلال سنوات عزلتها الأخيرة

غنّت المونولوج واشتهرت به، وغنّته بلغات عدة. وكان لتغنّجها المنسجم مع جمالها وبراعتها أثر بالغ في نفوس المشاهدين والسامعين، فامتلكت عصا السحر وتحولت إلى نجمة من نجوم الفن، لتشد الرحال إلى القاهرة، وتعمل في فرقة "ببا" قبل أن تلتحق بفرقة بديعة مصابني.

مع ببا وبديعة
في مذكراتها، تذكرها بديعة مصابني ضمن الأسماء التي تخرّجت من أكاديميتها الفنية للرقص والغناء الشرقي (ملهى بديعة مصابني). وكانت عفيفة كثيرة الزيارة والعمل في مصر في الفترة ما بين الثلاثينيات والخمسينيات، وقد صارت لها صداقات مع كثير من أدباء مصر وفنانيها.

ويؤكد متابعو مسيرتها الفنية: لولا عشق عفيفة لبغداد، وعدم صبرها على مفارقتها ومفارقة مجالسها، مما منعها من الإقامة في مصر والتعاون مع ملحنيها وسينمائييها، لولا كل ذلك لكانت شهرة عفيفة عربيا في مستوى شهرة صباح وفائزة أحمد ووردة؛ فهي لا تقل إبداعا ولا شكلا ولا حضورا.

سليمة مراد علّمتها بغداد
تقول عفيفة: في بداية عمل الإذاعة العراقية قدّمت طلبا (عريضة) للعمل في الإذاعة، فكان الرد أن الإذاعة لا تريد "أطفالا زعاطيط". كنت أتحدث باللهجة الموصلية، إلا أن المطربة سليمة مراد علّمتني كيف أنطق اللهجة البغدادية، وبذلك صرت أغني الأغنية البغدادية إلى جانب مطربين آخرين مشهورين.

"الأرتيست" ملكة
ذكرت إحدى الصحف المصرية أنه في عام 1938 كانت عفيفة إسكندر "الأرتيست العراقية التي لقيت في مصر نجاحا عظيما كراقصة ومونولوجست"، ثم أصبحت في عام 1946 "نجمة العراق الأولى، الفنانة المشهورة في الأقطار العربية كافة". جمعت بين الفن والأدب، وقيل إنها "أديبة من الطراز الأول".

نجمة العراق الأولى عفيفة إسكندر تتألق على غلاف الصحافة المصرية عام 1946، تزامناً مع عرض فيلمها التاريخي (القاهرة-بغداد)، لتعلن بجمالها وصوتها عن عصر ذهبي من التعاون الفني العابر للحدود

سحرت الفنانة العراقية أهل الفكر والثقافة في العراق، كما سحرتهم في مصر، وخصّها الشاعر إبراهيم ناجي بقصيدة يصف فيها فنّها، نُشرت في تشرين الأول/أكتوبر 1946.

إعلان

صفعة الغرور
أول نصيحة تلقتها من أمها كانت "صفعة" وهي تحذرها من الغرور الذي رأت خيوطه تتسلل إلى روحها. قالت لها: "هناك مقبرة اسمها الغرور، اذهبي وادفني نفسك فيها".

صالون أدبي
بلغت عفيفة قمة المجد في العهد الملكي، ولأنها مطربة مثقفة ومحبة للشعر وتوّاقة للأدب، أقامت في بيتها الواقع في منطقة المسبح ببغداد صالونا أدبيا جمع كبار أعلام العراق من سياسيين وأدباء وكتاب.

لقطة نادرة تجمع ‘شحرورة العراق’ عفيفة إسكندر بعالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي الذي يعد المؤسس الفعلي لعلم الاجتماع الحديث في العراق

قيل إن الملك فيصل الأول كان يطرب لصوتها، حتى وُصفت بأنها "مغنية تكاد تنتمي لمغنيات العصر العباسي". وكانت تعشق ارتداء "الهاشمي"، وهو ثوب شفاف مصنوع من الحرير ومزيّن بخيوط ذهبية.

حلاوة الصوت والصورة
قال المصور حازم باك (1936–2001): عفيفة فنانة خفيفة الظل، تجمع بين حلاوة الصوت والصورة، وهي من القليلات من المطربات العراقيات اللاتي يملكن هذه الصفة المزدوجة. إضافة إلى ذلك، كانت مجاملة جدا وحساسة، ويظهر الحزن على محياها الجميل بوضوح.

وقال عنها مؤلف الأغاني عبد الكريم العلاف: "أودعت يد القدر فيها أوصافا بدنية، وتحلّت بجمال ساحر من صنع الخلّاق، لا من صنع الحلاق".

بين عهدين
يقول الناقد عادل الهاشمي: عُرف عنها التزامها الشديد بالنظام الملكي واحتفالها المتواصل برجالاته. وكانت تمتلك علاقات خاصة ومميزة برئيس الوزراء نوري سعيد، الذي كان من أشد المعجبين بصوتها وأناقتها، وسجّلت بصوتها مشاركتها في أغلب الأحداث السياسية التي وقعت في العهد الملكي.

ركن الذاكرة في منزل عفيفة إسكندر بالكرادة؛ حيث تشتعل الشموع وفاء لتاريخٍ باذخ. تتصدر المشهد صورتُها الأيقونية بابتسامتها التي لم تهزمها السنون، محاطة بهدوء صومعتها الأخيرة التي اختارتها بعيداً عن صخب الأضواء

غنّت في حفل خطوبة الملك فيصل الثاني في إسطنبول أغنية "جاني الحلو جاني" عام 1956، كما غنّت في بغداد يوم تتويج الملك فيصل الثاني ملكا على العراق عام 1952. وسافرت إلى مصر لتمثيل العراق في الاحتفال بعيد ميلاد الملك فيصل الثاني، وغنّت "سلام فيصل العمر".

وحافظت على اسمها في الزمن الجمهوري، غير أنها لم تصمد طويلا أمام المتغيرات. وقيل إن عبد الكريم قاسم كان معجبا بغنائها، وقيل إن عبد السلام عارف اتهمها بإيواء الشيوعيين في حديقة منزلها، وكان يحاربها ويضيّق عليها حسب وصفها.

في السينما
مرّت عفيفة إسكندر في السينما مرورا عابرا، مع اعترافها بأنها لا تحب التمثيل؛ إذ كانت تجد صعوبة في التأقلم مع واقع قصة الفيلم. تقول: "(جابولي) أحد الأشخاص على أساس أنه البطل، ثم قالوا: تعالي يا عفيفة حبّيه! وتعال يا فلان حبها! لم أكن أعرف عنه شيئا، ولم يكن يعرف عني شيئا، فكيف يمكن لشخص ما أن يحب شخصا آخر من دون أن تكون بينهما علاقة أو معرفة سابقة؟".

لها قصص مع ثلاثة أفلام التصقت بها، وكانت تُسأل عنها دائما:

الأول: فيلم "يوم سعيد"، إنتاج 1940. قالت: كنت حينذاك أغني في أحد مسارح القاهرة، فجاءني الأستاذ محمد كريم بعد أن سمعني أغني، واقترح عليّ أن أشترك في الفيلم بأغنية من نظم  بيرم التونسي، لحنها الأستاذ محمد عبد الوهاب.

إطلالة الطفلة المعجزة: فاتن حمامة في أول ظهور سينمائي لها من خلال فيلم ‘يوم سعيد’ عام 1940، وتتوسط في هذه اللقطة التاريخية أبطال العمل؛ الموسيقار محمد عبد الوهاب والفنانة سميحة سميح. وهو الفيلم ذاته الذي شهد تجربة سينمائية لم تكتمل للمطربة عفيفة إسكندر؛ إذ سجلت فيه أغنية من ألحان عبد الوهاب، لكنها اضطرت لمغادرة القاهرة والعودة إلى بغداد بسبب مرض والدتها

وبعد أن سجلت الأغنية والتقطت مناظرها بالفعل، استلمت برقية من بغداد تخبرني بأن والدتي مريضة، فما كان مني إلا أن حزمت أمتعتي وعدت إلى العراق.

الثاني: فيلم "القاهرة بغداد"، إنتاج عام 1947، وهو فيلم مصري عراقي مشترك دخل النسيان. قالت عنه: "لقد نجح الفيلم ماديا فقط، أما أدبيا أو فنيا فلا أظن".

في مصر، وقفت عفيفة إسكندر جنباً إلى جنب مع أساطير ذلك الزمان؛ فتعاونت مع الموسيقار الرمز محمد عبد الوهاب، وعملت مع "عميدة الرقص الشرقي" بديعة مصابني، والنجمة تحية كاريوكا، أيقونة العصر الذهبي للسينما المصرية. كما شقّت لنفسها طريقاً في عالم الفن السابع، متصدرةً أفيشات أفلام هامة مثل فيلم "القاهرة-بغداد" (1947)

الثالث: "ليلى في العراق"، إنتاج عام 1957، قالت عنه إنه "فيلم فاشل، وسبب فشله هو الفشل".

أغنياتها المفضلة
سألتها: هل هنالك أغنية تحبينها أكثر من أغانيك الأخرى؟ بسرعة أجابت: نعم، ثم راحت ترفع صوتها تغني: "هزني الحنين لهلي/ والشوق بي زاد/ هيا بنا يا ربع/ نمشي درب بغداد". انتشت وهي تردد الكلمات، ثم قالت: أنا أحب بغداد، أمنيتي أن أبقى في بغداد ولا أغادرها حتى أموت فيها وأُدفن. أتمنى أن تصبح صحتي "زينة" وأتعالج وأبقى هنا. أنا أحب بغداد كثيرا، ولم أسافر ولم أهاجر منذ زمن، فقط لأنني أحب بغداد.

إعلان

من الأغاني التي بقيت في ذاكرتها مما غنّته في مصر، أغنية "أحبك يا ملازم ثاني" لحنها لها محمود الشريف (1912–1990)، وتقول بعض كلماتها: "أحبك يا ملازم ثاني/ النجمة بتاعتك عجباني/ والسيف بجنبك خلاني/ أحبك يا ملازم ثاني". وهي من الأغاني التي نجحت نجاحا كبيرا وذاع صيتها.

خلال رحلاتها إلى القاهرة، حظيت عفيفة إسكندر بتقدير كبير من كبار الملحنين والمطربين، وكان فريد الأطرش من المعجبين بصوتها وحضورها بذكائها وثقافتها

أما الأغنية الثانية التي تفرح حين تتذكرها، فهي "ملّيت" كلمات وألحان خزعل مهدي: "مليت حبك لوّعني/ خليت نارك تحرگني"، وتقول عفيفة إن الرئيس المصري أنور السادات كان يطلبها دائما، وخاصة عندما ينتهي من إلقاء خطاب.

وفضلا عن ذلك، تحب أغنيتها "حركت الروح لمن فاركتهم/ بجيت ومن دموعي غركتهم"، وأغنيتها "أريد الله يبين حوبتي بيهم/ أريد الله على الفرگه يجازيهم كل ما عذبوا حالي".

جانب خفي
يقول الناقد عادل الهاشمي: إلى جانب وجاهتها ودورها المعروف، هناك جانب خفي من حياتها الخاصة قد لا يعرفه الكثيرون؛ إذ إنها كانت وراء عدد كبير من حملة الشهادات والكفاءات، تابعت دراستهم بالتعضيد المادي المباشر.

عفيفة إسكندر في سنواتها الأخيرة بدارها في منطقة الكرادة ببغداد. ورغم تقدم العمر، ظلت ملامح ‘شحرورة العراق’ تشع بريقاً يذكر بعهدها الذهبي، حيث آثرت العزلة في صومعتها الخاصة، محاطة بذكريات المجد التي لم تفارق مخيلتها أبداً

كما أن كثيرا من العوائل كانت تلجأ إلى عفيفة إسكندر طلبا للمساعدة، وكانت تستجيب لهذا الجانب الإنساني، ولم يُعرف عنها أنها تخلت عن أحد المحتاجين ممن طلبوا عونها. وكانت تطلب منهم عدم ذكر اسمها؛ لأن هذا عمل لله وحده.

اعتزال مبكر
في عام 1973 اعتزلت وهي في أوج عطائها الفني وشهرتها الواسعة، واعتزلت الظهور عبر وسائل الإعلام المختلفة، فيما طاردتها شائعات الموت، وربما كانت أكثر فنانة لاحقتها هذه الشائعات.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان