سمية الألفي.. رحيل هادئ لفنانة زهدت في النجومية

ودع جمهور الفن الفنانة المصرية سمية الألفي (1953-2025) ، التي تركت أثرا خاصا في ذاكرة الدراما المصرية بملامح هادئة، وأداء يراهن على الصدق أكثر مما يراهن على الضجيج. كانت من ذلك الطراز الذي لا يطارد الأضواء، لكنه ينجح في تثبيت حضوره عبر التفاصيل الصغيرة: نظرة، صمت قصير، انفعال محسوب، وملامح تكتب ما يعجز الحوار أحيانا عن قوله.

تنتمي سمية الألفي إلى جيل من الممثلات اللاتي قدمن نموذجًا مختلفًا للنجومية، قائمًا على الحضور الرصين والاختيارات المدروسة منذ ظهورها الأول، لفتت الانتباه بملامحها الهادئة وطريقتها الطبيعية في التمثيل، فبدت قريبة من المشاهد، تشبهه وتُعبر عنه، دون افتعال أو مبالغة.

ورأى النقاد أنها امتلكت قدرة خاصة على التعبير بالإحساس، وكانت نظرة عينيها في كثير من الأحيان أبلغ من الحوار نفسه.
البدايات الفنية
وُلِدت "سمية يوسف الألفي"، في 23 يوليو/تموز عام 1953 بمحافظة الشرقية، وبعد إتمام المرحلة الثانوية التحقت بكلية الآداب قسم علم الاجتماع.

بدأت مسيرتها الفنية في سبعينيات القرن الماضي؛ إذ شاركت في المسلسل الإذاعي "أفواه وأرانب" (إخراج حسين كمال، 1978) ولعبت دور "نهى"، وفي المسرح انطلقت عبر مسرحية "أولاد علي بمبة" (إخراج سمير العصفوري، 1976) وشاركت في فيلم "الحساب يا مدموازيل" (إخراج أنور الشناوي، 1978) لتتوالى بعدها أعمالها في السينما والتليفزيون والمسرح.
مسلسل "رحلة المليون".. دور رسخ في الذاكرة
وربما يظل عالقًا في الذاكرة نجاحها في تجسيد شخصية الفتاة الرقيقة الحالمة "نسمة"، ابنة رجل الأعمال الانتهازي "لطفي الدمنهوري" (جميل راتب)، في المسلسل التليفزيوني "رحلة المليون" أمام محمد صبحي، في عام 1984. خطفت سمية قلوب المشاهدين في هذا المسلسل التليفزيوني بفضل رقتها وتلقائيتها، وارتبط بها وجدانيًا إلى حد كبير.

قدمت سمية الألفي، الكثير من الأدوار والشخصيات الفنية، عبر مشوارها الفني، سواء أمام كاميرات التليفزيون أو شاشة السينما. وقد عرفت بأدائها الهادئ وأدوارها الرومانسية، ووقوفها أمام عدد من كبار نجوم تلك الحقبة، كما تنقلت بين السينما والدراما التليفزيونية في تجارب متنوعة.
صورة الأرستقراطية
طغت على أدوارها صبغة الفتاة الأرستقراطية، كما في مسلسلي "ليالي الحلمية"، و"بوابة الحلواني"، وغيرهما، فضلًا عن صورة الفتاة الرقيقة المثقفة، كما في مسلسل "الراية البيضا".
لمعت سمية في مسلسلات أخرى، وأدت دور "الحاجة سيدة" في "العطار والسبع بنات" أمام نور الشريف، و"عزبة المنيسي" أمام محمود ياسين، و"نجوم الظهر" مع وحيد سيف ووفاء سالم، و"القلب إذا هوى" مع محمود قابيل، و"منشية البكري" مع مصطفى رزق، و"قشتمر" مع محمود الجندي ومدحت صالح، و"عزبة القرود" مع أحمد صيام وسيد زيان.
إلا أن سمية الألفي، كانت من الجسارة بأن تغير من جلدها، ولا تخشى تحدي الذهنية الجمعية عنها كفنانة اشتهرت بهذه الأدوار، وخاضت مغامرة فنية سينمائية في فيلم "القرداتي". ففي عام 1987 استقبلت دور العرض المصرية، الفيلم الروائي الطويل، "القرداتي"، تأليف ناجي وديد فوزي، وأخرجه نيازي مصطفى.
قدمت سمية الألفي في الفيلم، دور "سنية"، ابنة المعلم "بيومي" كبير عزبة القرود، حيث تعيش الأسرة، وبينما كان المعلم بيومي يقضي فترة سجنه، تعتني سنية بوالدتها المريضة وشقيقها الصغير. ظهرت "الألفي" في الفيلم بملابس رثة لفتاة تعيش بعزبة القرود بكل ما يتعلق بهذه الشخصية، من سلوكيات ومفردات لغوية وغيرها.

من أعمالها السينمائية الأخرى، نذكر: "تلك الأيام" (2010)، "دماء بعد منتصف الليل" (1995)، "ليل ورجال" (1993)، "الشيطان يستعد للرحيل" (1990)، "نوع من الرجال" (1988)، "أسعد الله مساءك" (1987)، "علي بيه مظهر و40 حرامي" (1987)، "حد السيف" (1986)، "الموظفون في الأرض" (1985)، "الطوفان" (1985)، "الحلال والحرام" (1985)، "المجهول" (1985)، "عندما يبكي الرجال" (1984)، "وكالة البلح" (1982).
أربع زيجات
تزوجت النجمة الراحلة من قبل 4 مرات، أبرزها زواجها من الفنان فاروق الفيشاوي، وأنجبت منه نجليها أحمد وعمر، إلى جانب زيجات أخرى قصيرة من الملحن مودي الإمام والمخرج جمال عبد الحميد والمطرب مدحت صالح.

إلا أن سمية لم تكن تتحدَّث في لقاءاتها التلفزيونية سوى عن قصة الحُب التي جمعتها بالراحل فاروق الفيشاوي، وزيجتهما التي أثمرت عن ولدين.
فقد التقى الثنائي عام 1973، حينما كانا يقدِّمان عملًا مسرحيًا في الجامعة، وكانت هي تؤدي شخصية "سندريلا" فيما كان الفيشاوي يقدِّم شخصية "الأمير".
لم يمر سوى أسبوعين حتى صرح فاروق الفيشاوي بحبه لسمية الألفي، والتقى بوالدتها وأخبرها برغبته في الزواج من ابنتها، لكن أمرًا مفاجئًا حدث، حينما تسبب أحد أفراد أسرة سمية الألفي في انقلاب والدتها على تلك الزيجة، وأخبرت ابنتها قائلة "يا أنا يا فاروق".

اختارت سمية الألفي فاروق الفيشاوي، وقاطعت والدتها لعام كامل، وحينما أخبرها شقيقها الأكبر أن والدتها ترغب في رؤيتها، أبلغته بضرورة حضورها إلى منزل الزيجة الخاص بها هي وفاروق الفيشاوي، وبالفعل حضرت الأم، والتقت ابنتها وأنهت القطيعة بعد عام كامل من الزواج.

ولم تنته المفارقات الغريبة؛ إذ انفلت سمية الألفي عن فاروق الفيشاوي ثلاث مرات، وفي إحدى المرات، توجهت بصحبة الفيشاوي إلى المأذون وأنهيا إجراءات الانفصال بعلم والدتها.
وحينما عادا إلى المنزل، وجدت والدتها أعدت "البامية" التي يحبها الفيشاوي، وأعدت من أجل ابنتها "الرقاق"، وتناول الثنائي طعامهما بصحبة العائلة وهما يبكيان بسبب الانفصال.
وروت سمية الألفي من قبل عن اكتشافها قصة الحُب التي جمعت الفنانة ليلى علوي بفاروق الفيشاوي، حينما منحها زوجها سيناريو لتقرأه، وفوجئت خلال القراءة بوجود دفتر الملاحظات الخاص به، لتكتشف وجود رسالة موجه إلى ليلى علوي.

وحينما واجهته بالأمر، عرض عليها أن يتزوجها وتصبح زوجة ثانية له. وافقت سمية الألفي، لكن الفيشاوي تراجع ورفض أن يأتي لها بزوجة أخرى.
الظهور الأخير
بعد سنوات طويلة من الغياب عن الساحة الفنية بسبب المرض، اختارت سمية الألفي أن يكون آخر حضور لها داخل موقع تصوير فيلم "سفاح التجمع"، العمل الذي يلعب بطولته ابنها الفنان أحمد الفيشاوي، وتشاركه البطولة كلٌّ من انتصار وسينتيا خليفة وآية سليم، وهو من تأليف وإخراج محمد صلاح العزب وإنتاج أحمد السبكي.
أما الظهور الأخير، فحمل طابعًا مختلفًا تمامًا، ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025، توجهت سمية الألفي إلى موقع تصوير فيلم "سفاح التجمع" دون ترتيب مسبق، في زيارة مفاجئة لابنها وفريق العمل.

ولم تخبر سمية الألفي ابنها بقدومها، وحرصت على الجلوس لأكثر من ساعة تتابع التصوير عن قرب، مطمئنة على تفاصيل العمل، قبل أن تجلس مع ابنها وتقدِّم له كلمات الدعم والتشجيع.
أما آخر ظهور فني لها فكان قبل نحو ستة عشر عاما، عبر فيلم "تلك الأيام" (2010) ، الذي شارك في بطولته محمود حميدة وصفية العمري وطارق التلمساني وأحمد الفيشاوي.
قبل النهاية
على مدار أكثر من 8 سنوات، ابتعدت سمية الألفي عن الفن والحياة العامة، منذ إعلانها في عام 2017 إصابتها بسرطان الثدي والغدد اللمفاوية، لتبدأ رحلة علاج شاقة تنقلت خلالها بين مصر وعدة دول، حيث خضعت لما لا يقل عن سبع عمليات جراحية دقيقة في كل من ألمانيا وأميركا وسويسرا، وكشفت في عام 2022 عن خضوعها لعمليات استئصال أورام خبيثة بالثدي والغدد اللمفاوية، مؤكدة إصابتها بورم نادر، مع استمرارها في العلاج الكيماوي والإشعاعي. وفي عام 2023 أعلنت تعافيها، قبل أن يعاودها المرض لاحقًا.

فضلت الألفي الابتعاد عن التمثيل، مكتفية بظهور محدود في بعض البرامج التليفزيونية، كان آخرها لقاء مع وفاء الكيلاني في برنامج "السيرة" عام 2023، حيث فتحت قلبها للحديث عن مسيرتها الفنية، وحياتها الأسرية، والآلام التي رافقتها منذ فقدان والدها في سن مبكرة.
في الفترة الأخيرة، تدهورت حالتها الصحية بشكل ملحوظ، واضطرت إلى ملازمة الفراش حتى وافتها المنية، عن عمر يناهز 72 عامًا.
