الجزائر تودّع أيقونة الفن الممثلة "باية بوزار" المعروفة باسم "بيونة"

لم تكن هذه المرة مجرد إشاعة عابرة تسارع الفنانة الجزائرية "بيونة" إلى تكذيبها كما جرت العادة، وهي التي لاحقتها الشائعات مثل كثير من النجوم والمشاهير، بل كان رحيلها يوم الثلاثاء 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 خبرا مؤكدا، رحيل أثقل قلوب جمهورها ومحبيها الذين غمرهم الحزن منذ اللحظات الأولى لانتشار النبأ الذي امتد صداه إلى الوسط الفني، حيث نعاها جموع الفنانين والمخرجين الذين شاركتهم دروب الإبداع.

طفولة في بلكور… حين كانت السينما بيتا ثانيا
ولدت باية بوزار، الشهيرة باسم بيونة، في 13 سبتمبر/أيلول 1952، في حي باب الواد الشعبي المعروف اليوم ببلوزداد (بلكور سابقا). أحد أعرق الأحياء الشعبية بالجزائر.

عاشت يتيمة الأب منذ سن الثامنة، وكانت والدتها التي تعمل في شباك بيع التذاكر في إحدى قاعات السينما سندها الأول والأكبر. هناك، في تلك القاعة التي صارت عالمها الثاني، جلست بيونة الصغيرة بين المتفرجين، مفتونة بسحر الشاشة الكبيرة، تتابع بشغف الأفلام الهندية والمصرية، وتستمتع بكل حركة وكل لحن وكل كلمة.
كانت معجبة ومتفائلة بتحية كاريوكا، وفريد الأطرش، والعندليب عبد الحليم حافظ. شيئا فشيئا بدأت تتشرب عوالم الفن كما لو أن الطريق نحو الإبداع كان مرسوما أمامها منذ سنوات، ينتظر أن تخطو عليه بخطواتها الأولى نحو النجومية.

صدفة مهدت لميلاد نجمة
باية بوزار التي وجدت نفسها ممثلة بالصدفة في سن صغيرة، يجهل الكثيرون أنها بدأت كراقصة باليه، قبل أن تلتقطها مصادفة عين المخرج الراحل مصطفى بديع، الذي أسند إليها دورا في مسلسل "الحريق"، المقتبس عن روايتي "الدار الكبيرة" (1952) و"الحريق" (1954) للكاتب الجزائري محمد ديب.

كانت هذه الخطوة بداية مسار لم تخطط له أو تتوقعه، ومهّدت لجماهيريتها من خلال أداء يميل إلى البساطة التي يفضلها المشاهد. فشخصية فاطمة التي تفاعلت بشكل رائع مع الفنانتين شافية بودراع وعايدة كشود، أظهرت إمكاناتها كممثلة، ولم يكن يتوقع أن تتحول الوافدة الجديدة إلى واحدة من ألمع نجوم الجزائر وفرنسا مع مرور السنوات وتراكم المشاركات، حتى أصبحت نجمة الجماهير الأكثر طلبا وشعبية، كرست واحتفظت بهذه المكانة إلى غاية رحيلها.

مكانة كان البعض يتنبأ لها بها؛ وبعد هذا العمر باتت تستحضر بيونة في أحاديثها بعض المواقف التي تركت أثرا في حياتها، فقد ذكرت في لقاء إعلامي سابق أن الفنانة الراحلة وردة الجزائرية كانت من أشد المدافعات عنها، وتنبأت لها بمستقبل فني مشرق منذ اللقاء الأول. ذلك الدعم الكبير ظل محفورا في ذاكرتها، وظلت تعبر عنه وتردده في كل حديث عن مسيرتها، وكأن أثره يرافقها دائما.
"الحريق" كان البداية
مسلسل "الحريق" الذي فتح أعين المخرجين على موهبة بيونة لم يكن العمل الوحيد الذي جمعها بالمخرج الجزائري الكبير مصطفى بديع، إذ منحها دورا جديدا سنة 1977 في مسلسل "الانتحار" من إنتاج مؤسسة الإذاعة والتلفزيون. غير أن الأدوار التي أسندت إليها لاحقا مع مخرجين آخرين حصرتها في نمط واحد من الشخصيات، وهو ما لم يرق لها كثيرا، إلى أن طلبها المخرج الجزائري ندير مقنوش سنة 1998 لدور في فيلم "حريم السيدة عصمان" الذي صوِّر بين فرنسا والمغرب.

تعاونها مع ندير مقنوش، المقيم في فرنسا، في نهاية التسعينيات ومطلع الألفية الثالثة فتح أمامها آفاقا جديدة، ومهّد لمشاريع أخرى قادتها لاحقا إلى الهجرة. جاء ذلك بعدما فضلت طوال سنوات "العشرية السوداء" البقاء في الجزائر، مصرة على مواجهة الظروف الصعبة، رغم التهديدات التي استهدفت النخبة، وسلسلة الاغتيالات التي طالت صحافيين وممثلين ومخرجين بارزين، من بينهم عبد القادر علولة وعز الدين مجوبي وآخرون.
توج تعاون بيونة والمخرج ندير مقنوش بعد ذلك بفيلمين آخرين، هما "Viva Laldjérie" (2004) و"Délice Paloma" (2007). وقبل ذلك كانت ضمن فريق فيلم "ليلى والأخريات" (1977) للمخرج سيد علي مزيف، الذي قدم سردا عن نساء جزائريات يسعين للعيش في الجزائر خلال سبعينيات القرن العشرين في مجتمع يتأرجح بين القيم المحافظة والرغبة في التقدم والانفتاح.

حاول الفيلم تسليط الضوء على الصعوبات والتحاملات الراسخة التي تبقي النساء في مواقع تابعة وتعيق حريتهن وتمكينهن. هذه المواضيع تتوافق كثيرا مع قناعات بيونة، إذ كانت تدافع بشراسة عن حريتها كامرأة، فبالنسبة إليها الحرية شيء مقدس، وحق لا يجوز المساس به، ومبدأ لا يقبل التنازل أو التفاوض.
الحرية كقناعة راسخة وموضوع فني
جرأة الفعل والقول والتفكير جعلتها محل انتقاد في مناسبات عديدة، لكنها لم تلتفت لذلك، ولم تثنها الانتقادات يوما عن التعبير عن قناعاتها. كانت بيونة شخصية مثيرة حقا، ببصمتها التي لا تمحى، ومواقفها وتصريحاتها التي تثير النقاش باستمرار، والجدل أحيانا.

والحديث عن الجرأة يستدرجنا إلى بعض الأفلام التي شاركت فيها بقناعة، ومنعت من العرض في الجزائر بسبب مشاهد جريئة تضمنتها، مثل فيلم "في سني، ما زلت أختبئ لأدخن" (2016) للمخرجة ريحانة، وأعمال أخرى لم تتبرأ منها أو تتنكر لها قط.
فن الالتزام بالنص وتجاوزه دون تعثر
بيونة التي لا تشبه إلا نفسها، كانت تتحرك على الشاشة بخفة وحرية آسرة، تتخطى أحيانا في الكوميديا حدود النص من دون أن يهتز المشهد أو يتعثر إيقاع زملائها أو انسجامها معهم. بعفويتها وارتجالها كانت تخلق لحظات من المرح الخالص، تلامس بها قلوب المشاهدين وتنتزع ضحكاتهم ببساطة طبيعية، وكأنها فرد من العائلة.

فالعلاقة التي شيدتها باية مع جمهورها لأكثر من نصف قرن امتدت إلى ما وراء الجزائر، حيث كونت جمهورا متنوعا لم تتعامل معه يوما بمسافة النجوم أو بهيبتهم، بل بقرب إنسانة تعرف كيف تضحك الناس من القلب، سواء أمام الكاميرا أو بعيدا عنها، وتعي تماما كيف تستثير تعاطفهم في اللحظات التراجيدية.
فنانة متعددة الوجوه
ربما هذا ما يبدو لمن انكب على متابعة أداء ومسار بيونة كممثلة فقط، غير أن المتمعن في حواراتها وحديثها عن تراكمها الفني يلاحظ أنها كانت تفضل التنقل بين الرقص والتمثيل والغناء، تماما كما تحب أن تنتقل بين السينما والمسرح والتلفزيون.
ومع ذلك تكشف نبرتها أحيانا أن الغناء يحتل مكانة خاصة في قلبها، رغم أن الجمهور يرتبط بها أكثر في صورة الممثلة ويفضل هذه المساحة التي أصبحت عنوان نجاحها وتألقها. ويمكن مشاهدتها في أكثر من فيلم في هيئة الممثلة والراقصة والمغنية، وكمغنية لا تختار من الأغاني والكلمات إلا ما يلامس وجدانها.

ولا يخفى أنها أصدرت سنة 2001 ألبوما بعنوان "Raid Zone"، وأتبعته بألبوم "Une blonde dans la casbah" (شقراء في القصبة) الصادر سنة 2007، وفضلت أن تعيد إحياء أغنيات من التراث الجزائري.
حضور يتجاوز الحدود
لم تكن باية نجمة جزائرية فحسب، بل فنانة امتد صداها إلى ما وراء المنطقة المغاربية، فصار حضورها معروفا ومقدرا في محافل دولية. وتوج هذا المسار بتكريمات عدة، من بينها تكريمها في مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية عام 2022 في دورته الحادية عشرة.
وعلى الصعيد المهني، أسهمت مشاركتها في مسلسل "نسيبتي العزيزة" بدور "بريزة" في تعزيز شعبيتها في تونس، فيما أصبح المغرب محطة متكررة في مسارها الفني، بدءا من مسلسل "حريم السيدة عصمان" الذي صوره المخرج الفرانكو-جزائري ندير مقنوش في الدار البيضاء، وصولا إلى فيلم "ينبوع النساء" (2011) للمخرج Radu Mihaileanu، حيث قضت هناك عدة أشهر تتدرب على دورها الجديد وإتقان اللسان المغربي واللهجة المحلية.

هذا التنقل بين المشاريع والعمل مع مخرجين من أجيال مختلفة شكل تجربة مثمرة للطرفين؛ استفادت هي من خبراتهم ورؤاهم الفنية، وأضافت إلى أعمالهم حيوية وإحساسا جديدا ينبعان من شخصيتها وتجربتها الخاصة، ما خلق أعمالا أكثر ثراء وتنوعا، سواء في السينما أو التلفزيون والمسرح أيضا.
دور التلفزيون في ترسيخ شعبيتها
"رحلت عنا نجمة لامعة، تاركة عالم التلفزيون والسينما في حداد، نجمة تحدت العقبات ووهبت حياتها للفن والإبداع"، بهذه العبارات نعى المخرج الجزائري جعفر قاسم النجمة بيونة، رفيق أهم نجاحاتها وصانع أجمل لحظاتها على الشاشة، سواء في "دار البهجة" (2013)، أو "ناس ملاح سيتي" (بين 2002 و2006)، السلسلة الفكاهية بأجزائها الثلاثة التي حققت انتشارا ونجاحا واسعا تجاوز حدود الجزائر.

وكانت تجربة "ناس ملاح سيتي" مميزة بالنسبة لبيونة، إذ خاضت فيها تجربة الكتابة للمرة الأولى، متشاركة مع جعفر قاسم في صياغة الفكرة وحلقات الموسم الأول، قبل أن تقتصر مشاركتها على التمثيل في المواسم والأجزاء اللاحقة.

بيونة التي لم تبالغ يوما في أدائها، ولم تفتعل أو تصطنع نجاحا، كانت في اختياراتها للأعمال والشخصيات تميل إلى البساطة، وهذا ما شيد ورسخ صدق العلاقة بينها وبين جمهور التلفزيون خاصة.
وبالحديث عن التلفزيون قالت ذات مرة إنه هو الذي منحها تلك القاعدة الجماهيرية والمكانة التي حافظت عليها طوال مسيرتها. فرغم الأعمال السينمائية المهمة التي قدمتها تحت إدارة أبرز المخرجين الجزائريين والأجانب، لم تتنكر يوما للتلفزيون ولا لجمهوره الذي أحبها وأشاد بها دائما، وصار حضورها في أي عمل علامة على نجاح شبه مضمون، وضمانا للاهتمام والمتابعة حتى قبل عرضه، ما جعل المنتجين والمخرجين يراهنون على مشاركتها في كل مشروع جديد.
العودة إلى الجزائر
عودتها في السنوات الأخيرة للاستقرار في الجزائر، وعودتها إلى بيتها الطبيعي – التلفزيون – تشعرك أنها لم تتغير؛ ظلت على طبيعتها وعفويتها، لكن النصوص والأعمال التي أسهمت فيها لم تحمل في تفاصيلها تلك الروح الكوميدية التي اعتاد جمهورها عليها.

وهي التي سجلت عودتها إليه بعد طول غياب بسلسلة "باب الدشرة" للمخرج وليد بوشباح سنة 2018، وعززتها بمسلسل "الدامة" ليحيى مزاحم (2023)، واختتمتها بـ"دار الفشوش 2″ (2024).
بيونة في مرآة الصحافة الفرنسية
رحيل بيونة لم يمر مرور الكرام على الصحافة الفرنسية؛ فقد كتبت صحيفة Le Monde عن فقدانها، وعنونت Le Figaro: "وفاة بيونة، المغنية والممثلة، تدخل الجزائر في حالة من الحزن"، أما Le Point فوصفتها ورحيلها قائلة: "المعروفة جيدا في الجزائر كما في فرنسا، سيدة كبيرة من سيدات السينما الجزائرية تودعنا".

كان هذا الصدى العابر للحدود انعكاسا لمسيرة فنية استثنائية؛ فبيونة لم تكن مجرد نجمة على الشاشة، بل أيقونة تجاوزت حدود وطنها. فضلا عن مشاركتها في أفلام فرنسية وفرانكو-جزائرية، كانت أول ممثلة عربية تقف على خشبة مسرح ماريني (Théâtre Marigny) الأشهر في باريس، حيث قدمت عام 2012 أول عرض منفرد لها في فرنسا، اختارت في هذا العرض قصصا تشبهها، وتقترب من حياتها وبداياتها في الجزائر، وانتقالها إلى فرنسا، والتجارب المتراكمة التي ميزت حياتها وشكلت مسارها الفني الذي أثار فضول الكثيرين.
