توفيق الدقن.. تاريخ من المسرحيات الممنوعة

توفيق الدقن وعادل إمام في فيلم "علي باب الوزير". صورة معاد إنتاجها

أدى الفنان توفيق الدقن عددا مهما من الأعمال السينمائية والمسرحية والدرامية في الإذاعة والتلفزيون، وترك إرثا فنيا يتجاوز 500 عمل، منها 12 عملا، اختيرت في قائمة أفضل فيلم في تاريخ السينما المصرية، حسب استفتاء النقاد عام 1996، منها: "درب المهابيل"، و"القاهرة 30″، و"في بيتنا رجل"، و"الأرض"، و"حدوتة مصرية".

كان له حضور مكنه من السيطرة على أدواره كافة، وبلغ ذروة الإبداع في تجسيدها. ولعل الكثير من النقاد يرونه أظرف من قدم أدوار الشر في السينما والمسرح في مصر، حتى إنه نحت عبارات اشتهرت حتى اليوم في الأوساط الشعبية، مثل " يآه يا آه"، و"آلو يا أمم"، و"يا همبكة".

كما أجاد أداء أدوار مركبة وشخصيات درامية متنوعة، حظيت بإعجاب الجمهور والنقاد، فمنها:

  • "الباز أفندي" في "ابن حميدو" (1957).
  • "المعلم شهدي" في "قهوة الملوك" (1959).
  • "أمين" في "سر طاقية الإخفاء" (1959).
  • "حسن أبو الروس" الأخ الأكبر في "بداية ونهاية" (1959).
  • "الأعوار عود/مرسي" في "القط الأسود" (1964).
  • "شحاتة تركي" في "القاهرة 30" (1966).
  • "أبو الخير حسنين" في "مراتي مدير عام" (1966).
  • "المأمور" في "يوميات نائب في الأرياف" (1969).
  • "شعبان" في فيلم "الأرض" (1969).
  • "الصول شلقامي" في "ليل وقضبان" (1973).
  • "فهمي القليوبي" في "المذنبون" (1975).

وأما أدوراه في المسرحيات فكانت:

  • "سمير فخري" في مسرحية "سينما أونطة".
  • "المعلم تاجر المخدرات" في مسرحية "الدخان".
  • "الأخ الأكبر محمد الدوغري" في "عيلة الدوغري".
  • "السيد" في "الفرافير"، و"زوال" في "خيال الظل".
  • "حداية الأعرج" في "سليمان الحلبي".
  • "شاكر بك" في "حلاوة زمان".
  • "المأمور" في "المحروسة".
  • "الباشا" في "ليلة زواج سبرتو".
  • "العمدة" في "كفر البطيخ".
  • "الصاغ أمين" في "السبنسة".
  • "تاجر الحمير المسروقة" في "كوبري الناموس".
  • "الريجيسير قرني" في "سكة السلامة".
إعلان

والمسرحيات الخمس الأخيرة من تأليف سعد الدين وهبة.

الشاهد أن توفيق الدقن وسعد الدين وهبة شكلا ثنائيا مهما في تاريخ المسرح القومي المصري، وقدما مشروعا فنيا يجسد أحلام الإنسان العادي وارتباكات المثقف وأزمات الواقع. ولم يجد سعد الدين أفضل منه ليتقمص شخصية أبطاله وينطق بلسانهم. رأينا ذلك في "المحروسة"، و"السبنسة"، و"كفر البطيخ"، و"الناموس"، و"سكة السلامة".

توفيق الدقن، أظرف من أدى أدوار الشر في السينما والمسرح المصري

وقد تعاونا أيضا في مسرحية "سبع سواقي"، التي منعتها الرقابة أواخر الستينيات، وهي مسرحية تتناول الأوضاع السياسية بطريقة ساخرة[1]. وخطها الأساسي كشف أسباب هزيمة يونيو/ حزيران 1967، التي أحدثت شرخا في الوعي المصري.

يلجأ الكاتب إلى الحديث عن هذا الأمر حديثا فنيا غير مباشر، فجعل 5 من الجنود الذين استشهدوا في هزيمة 1967 ودفنوا في سيناء يتركون قبورهم، ويحملون جثامينهم وأكفانهم، لكي يدفنوا في مقابر الإمام.

يأتي شاويش الحراسة ويطلق عليهم النار، ويتملكه الذهول حينما يجدهم لا يسقطون. تعلم السلطات بأمرهم وتحاول دفنهم، لكن شهداء الحروب السابقة يرفضون أن يدفنوا معهم، ويحتجون على دفن هؤلاء الجنود، لأنهم لم يقتلوا ولم يستشهدوا في قتال بل انسحبوا، كما قال الجنود الخمسة حين سئلوا عن ما حدث في يونيو/ حزيران 1967، وقالوا إن أمرا بالانسحاب غير المدروس وغير المنظم قد صدر إليهم، مما جعل العدو يصطادهم بيسر.

يعقد الشهداء من حروب سابقة محاكمة يكون القاضي فيها زعيم ثورة 1881 أحمد عرابي، ويسجل الجلسة المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي، ويستعرض النص المسرحي بمرارة شديدة وتهكم مرير ما مر بمصر من مآس، كما يعالج في هذه المسرحية حالة الفساد الاجتماعي في طبقات المجتمع.

أما المثقفون في هذه المسرحية، فقد ظهروا مغيبين تماما عن المشهد، فهم مرتبون لا يجزمون برأي، يتجادلون في حوار سفسطائي ما بين مصدق ومكذب لما يحدث.

أفضل ما في المسرحية إظهار ما في نفوس الشعب المصري، وتعامله مع الهزيمة، وكذلك تحليل ما حدث في هزيمة 1967.

سينما أونطة!

لم تكن مسرحية "سبع سواقي" المسرحية الوحيدة التي مُنعت للفنان توفيق الدقن، فقد منعت أيضا "سينما أونطة" التي كتبها نعمان عاشور، وهي من توفيق، ويؤدي فيها دور سمير فخري، الشيال الذي أصبح بائع خيش ثم سائق أجرة، ثم من دون مقدمات أو أسباب منطقية بات مليونيرا، وأصبح منتجا سينمائيا لُحبّه للجنس الناعم!

وكانت أمامه برلنتي عبد الحميد في بداية تألقها، وكان مستحيلا أن تجد كرسيا في اليوم نفسه ولا حتى بعد أسبوع.

مسرحية "سبع سواقي"، واحدة من مسرحيات توفيق الدقن الممنوعة

تفضح المسرحية ما يحدث في عالم السينما ويجهله الجمهور، فسمير فخري المنتج المجهول يستغل الممثلات الشابات، ويعرض عليهن أدوار البطولة إذا قبلن الرذيلة معه.

وقد نجحت المسرحية نجاحا مبهرا، وهوجمت في الوقت نفسه بشراسة، ووصلت إلى توفيق الدقن ونعمان عاشور تهديدات بالقتل من بعض المنتجين، ممن رأوا في أنفسهم سمير فخري.

ثم هاجمت الصحافة الفنية المسرحية بإيعاز من المنتجين المشتبهين، وهاجمها بعض الكتاب تحت ستار الخوف على الأخلاق، وبدعوى أن المسرحية تسيء إلى مصر وأخلاق المصريين.

إعلان

لم يجد وزير الثقافة المصري ثروت عكاشة حلا لإيقاف المسرحية إلا بفصل مؤلفها نعمان عاشور من المسرح القومي. فصدر قرار فصله النهائي من وظيفته في وزارة الثقافة عام 1959، ضمن حملة واسعة ضد المثقفين الذين اتهموا بالانتماء إلى اليسار، فطُردوا من أعمالهم، ودخل معظمهم السجن ذلك العام. وكان نصيب نعمان عاشور مقصورا على الطرد من وظيفته، وإيقاف المسرحية الناجحة لإرضاء السينمائيين الغاضبين[2].

عفاريت مصر الجديدة

المسرحية الثالثة التي أثارت أزمة كبيرة للفنان توفيق الدقن كانت في أبريل/ نيسان 1971، واسمها "عفاريت مصر الجديدة"، وكتبها الكاتب المسرحي علي سالم، واعترضت عليها الرقابة، وحاولت جهات كثيرة منعها. وفي النهاية حُذفت عدة مشاهد، وشُكلت لجنة من الرقابة، فشاهدتها وأجازت عرضها.

تدور المسرحية حول امرأة في منتصف الثلاثينيات، تدخل قسم مصر الجديدة في الحادية عشرة مساء، لعمل محضر باختفاء زوجها في لحظة انطفاء الكهرباء لمدة ثانية واحدة.

لا يصدق ضابط الشرطة روايتها، فكيف اختفى زوجها أستاذ القانون بجامعة القاهرة والشقة مغلقة، ثم تتوالى البلاغات باختفاءات مشابهة في أماكن متعددة بنفس الطريقة.

مشهد من مسرحية "عفاريت مصر الجديدة"

يلاحظ ضابط الشرطة ومعه بطلة المسرحية -المختفي زوجها رجل القانون- أن لدي كل المختفين سمات متشابهة، فالمختطفون جميعا مرحون، ومقاس أحذيتهم واحد (40)، في إشارة إلى توافق المختفين، (أبناء تيار واحد – أبناء جماعة واحدة – أبناء ثورة واحدة).

يبدأ ضابط الشرطة البحث وعمل اللجان لكي يكشف غموض الجريمة، التي تتوالى في الشارع، ولا إشارة سوى أن الخاطفين أقوى من الشرطة. يستمر الوضع هكذا، حتى يعود اثنان من المختفين، هم أستاذ القانون وصحفي في إحدى الجرائد، يعمل في بابي "حظك اليوم والكلمات المتقاطعة".

يحاول ضابط الشرطة والزوجة التوصل إلى أي خيط يدل على مكان الاختفاء أو شخصية الخاطفين، ولكن العائدين يلوذون بالصمت.

الملاحظة الكبرى الوحيدة هي فقدانهم لآمالهم وأحلامهم، وتحول دكتور القانون إلى مكتشف راقصات للرقص الشرقي، فعددهن قليل جدا على حد تعبيره، ثم يفتتح معهدا للرقص الشرقي. أما الصحفي المختفي أو المختطف، فقد أصبح قارئ فنجان ومنجما.

هكذا تغيرت الأحوال، وظهرت علامة جديدة عليهم، فقد تحول مقاس أحذيتهم من مقاس 40 إلى مقاس 44، وتلك دلالة واضحة على التغيير الكبير في قيم الشخصيات ومعاييرها ومبادئها، فمعروف أن مقاس القدم لا يتغير بعد سن النضوج.

لا يكل بطل المسرحية والبطلة عن طلب الذين اكتشفوا الجريمة، التي تحدث في لحظة انطفاء الكهرباء، والبحث عمن يحاول شد مصر الجديدة إلى طريق التخدير واللهو والإلهاء، عن صناعة التاريخ والفنون الراقية.

عندما يضع البطل يديه على السر، يعقد مؤتمرا صحفيا ليعلن الحقيقة، فينطفئ النور ثانية واحدة، ويختفي البطل، ليستمر الحال كما هو عليه، فيصبح أستاذ القانون صاحب معهد للرقص الشرقي، والصحفي قارئا للطالع، ويظل بقية المختطفين مختفين، لكن بطلة العرض تضيء شمعة لتخبر الجميع بالحقيقة، دفاعا عن مستقبل أمة.

هكذا تنتهي مسرحية علي سالم التي قدمها المسرح القومي بالقاهرة في أبريل/نيسان 1971، وهي من بطولة توفيق الدقن، وعبد الرحمن أبو زهرة، ومحسنة توفيق، ومن إخراج جلال الشرقاوي.

الكاتب المسرحي سعد الدين وهبة

ومع أن المسرحية نجحت نجاحا منقطع النظير، حتى أصبحت تذكرتها حلما يتسابق إليه الجميع، فإن هذا النجاح انهار فجأة، فقد سجل التلفزيون المسرحية بعد ثلاثة أيام عرض فقط، وبدأ بثها، وتلك سابقة أولى وأخيرة، أن تصور مسرحية وتعرض بعد أيام من بدء عرضها.

لم يعد الناس يذهبون إلى المسرح، واكتفوا بمشاهدتها في التلفزيون، وتوقف العرض وخسر الجمهور والفن مسرحية جيدة المستوى والمحتوى، فلم تعد تعرض على شاشة التلفزيون أيضا. وكان هذا نوعا آخر مستترا من المنع.

إعلان

وعن عمر ناهز 64 عاما، توفي الفنان توفيق الدقن في القاهرة يوم 26 نوفمبر/ تشرين الثاني 1988.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان