أحمد محفوظ: بين منطق السوق والإيمان بالمحتوى؛ الجزيرة الوثائقية تراهن على الثقافة في سوق يحسب بالمشاهدات، وإدفا بوابتها

في مشهد إعلامي عالمي يموج بالتحولات الرقمية والاستقطابات السياسية، تبرز قناة الجزيرة الوثائقية لاعبا رئيسيا لا يكتفي بإنتاج الأفلام، بل يسعى لتأسيس مدرسة سينمائية وهوية ثقافية راسخة.
يقف على رأس هذا المشروع الطموح المخرج السينمائي أحمد محفوظ، الذي قاد القناة أكثر من 15 عاما، فحولها من مجرد شاشة عرض إلى شريك فاعل ومؤثر في أهم محافل صناعة الوثائقيات العالمية، وعلى رأسها مهرجان أمستردام الدولي للفيلم الوثائقي "إدفا".

في حوار عميق، يكشف أحمد محفوظ فلسفة القناة، التي تتجاوز المنافسة الآنية مع قنوات إقليمية صاعدة ، لتركز على "الثبات على المنهج الثقافي". يستعرض رحلة العلاقة مع "إدفا" من مقاعد المشاهدين إلى التأثير في الأهداف التحريرية، واصفا قرار المهرجان بمقاطعة المؤسسات الإسرائيلية الرسمية بأنه "ذكي وإيجابي".

كما يغوص في حمض القناة النووي، القائم على الانحياز للإنسان والثقافة العربية، واحترام اللغة السينمائية، وتبني مفهوم "التثقيف الممتع". وفي مواجهة الهاجس الرقمي، لا يرى الحل في مجرد توزيع المحتوى، بل في إعادة ابتكار السرد الوثائقي لغة وشكلاً، في خضم "هزة ثقافية" عالمية كبرى.
بعد أكثر من 15 عاما من قيادتكم للجزيرة الوثائقية، كيف تطورت علاقة القناة مع "إدفا"؟ وهل ترونه مجرد منصة عرض أم شريكا إستراتيجيا في تشكيل هوية الفيلم الوثائقي العربي على الساحة العالمية؟
بدأت علاقتي الشخصية قبل الإطار المؤسسي، فبوصفي سينمائيا وصانع أفلام كنت أسمع عن "إدفا" بوصفه مهرجانا محوريا في صناعة الوثائقي، ولم أكن في البداية أدرك معنى منظومته الصناعية، وما تتيحه من مسارات إنتاج وتمويل وعرض.
مع الوقت قادتني المتابعة المباشرة إلى فهم مكانته، وتحويل ذلك الإدراك إلى تواصل مهني منتظم، مهّد لاحقا لشراكات القناة مع المهرجان.

من هنا، بدأنا نتحسس طريقنا نحو الفعاليات العالمية. ففي البداية، ركزنا على أسواق التلفزيون مثل "الميب"، لكن الجودة التي نصبو إليها لا تصنعها الفعاليات التجارية وحدها، بل كانت بنا حاجة إلى منصات متخصصة بالأفلام نفسها. على امتداد 15 عاما، حتى تطورت العلاقة مع "إدفا" من حضور متفرج إلى شراكة مهنية مؤثرة.

لم نعد نتعامل معه على أنه منصة عرض فقط، بل شبكة مهنية نلتقي فيها نظراءنا، ونقتني عناوين للبث، ونتابع اتجاهات الصناعة، حتى غدت الجزيرة الوثائقية مؤثرة في السياسات التحريرية بكثير من المهرجانات.
تتجاوز مشاركتكم مجرد الحضور. نود فهم الأهداف العميقة وراء هذا الاستثمار في المهرجانات الدولية، وكيف يخدم ذلك رسالة القناة الثقافية وصورتها الذهنية؟
بدأنا عام 2010 إطلاق حالة استنفار بين المخرجين العرب، مفادها أننا نريد الوصول إلى الصناعة بمعناها الاحترافي، بعد أن صنعنا نواة من السينمائيين في العالم العربي.

الهدف مزدوج:
- أولا: مهمة ثقافية وأخلاقية تقوم على فتح حوار حقيقي بين ثقافتنا وأفلامنا وبين ثقافات العالم، عبر التباري والمشاركة الجادة.
- ثانيا: تأسيس صورة ذهنية واضحة للجزيرة الوثائقية، بصفتها علامة متمايزة داخل شبكة الجزيرة، تضيف تميزا مختلفا هو الوثائقي السينمائي الفني، الذي يبقى في جوهره جسرا للتواصل الثقافي.

لقد أثمر هذا البناء اليوم حصادا ملموسا، فلدينا كتلة معتبرة من الأعمال، التي تقف بثقة في المسابقات الدولية، وتمثل رؤيتنا الفنية ومعاييرنا التحريرية.
كما باتت القناة رقما ثابتا في المشهد الوثائقي العالمي، من "كان دوكس" و"دوك لايبتزيغ" إلى "شيفيلد" و"ديربان" و"طوكيو"، فكلها مهرجانات نحضرها محكِّمين ومتنافسين وأصحاب مشروعات ومنتجين وشركاء في تنظيم ورشات وبرامج تدريبية وفعاليات متعددة، مما يعزز حضور القناة ويعمّق صلتها بالبنية المهنية لصناعة الوثائقي.
بالحديث عن النتائج، ما أبرز ما تحقق من هذه السياسة، لا سيما تكريس حضور القضية الفلسطينية بالمحافل الدولية؟
أسهم وجود الجزيرة الوثائقية إيجابا في أن يحترم الآخرون أهدافنا التحريرية القائمة على احترام قيم الأسرة وصون العلاقات الإنسانية. كما أننا أثرنا في ترسيخ حضور القضية الفلسطينية، وجعلها بندا دائما في حوارات البرمجة ونقاشات الصناعة.

لم يكن الهدف مجرد منافسة، بل أن تصل الأفلام إلى شاشات أوروبا، وتطرح قضايا متعددة من وجهة نظر صانعي الأفلام الفلسطينيين أنفسهم، بأعمال إنسانية صالحة للعرض في أزمنة مختلفة، ولدى جمهور متنوع.
هذا الجمهور ليس مطلوبا منه أن يوافقك على كل ما تقول، لكنه على الأقل يحترم جدلك، ويقدّر قضيتك.
في ظل السياق العالمي المتوتر، نود معرفة تقييمكم لقرار "إدفا" الأخير بمنع المشاركة الإسرائيلية الرسمية، وكيف توازن القناة بين الموقف السياسي وحرية المبدع؟
تنتهج الجزيرة الوثائقية مدخلا إنسانيا وثقافيا. نؤمن أن الثقافي أصيل ومتجذر، أما السياسي فمتغير. لكن المشهد العالمي شهد تداخلا حادا بين السياسي والثقافي.

في هذا السياق، برزت مواقف ثقافية عالمية ترفض تمثيلات الكيان الصهيوني الرسمية، لذلك، أرى قرار "إدفا" الأخير إيجابيا وذكيا، فهو يعلّق المشاركة الممولة رسميا فقط، من دون أن يغلق الباب أمام المبدعين المستقلين، ومنهم يهود مناهضون للصهيونية.
هذا الحراك هو ثمرة ما زُرع في السنوات الماضية من مشاركة عربية متنامية، فقد غدونا رقما وازنا، نتفاعل بثقة مع أسرة الوثائقيات الدولية.
بالنظر إلى هذا الحضور الدولي، ما معاييركم لانتقاء الأعمال، وكيف استثمرتم مبادرة "أيام الجزيرة الوثائقية" لرفد الساحة بأفلام إنسانية؟
ما أراه لافتا هذا العام أنّ هذه الأعمال تميّزت بجودتها، وبقوة مشروعاتها وملفّاتها، وبقدرتها على التباري في هذا المحفل، والأهم أنها خرجت من رحم فعالية أنشأتها الجزيرة الوثائقية، لتشارك بها في المجتمع الدولي للوثائقي، وهي فعالية "أيام الجزيرة الوثائقية"، التي انطلقت منها شراكات الإنتاج.

هذه الأفلام متخطية للحدود الجغرافية، فهي أفلام إنسانية أولا، وهي ثمرة يد الجزيرة في صناعة الوثائقي عالميا. وهذا يقود إلى سؤال الأثر على الشاشة وجمهورنا: لماذا نمول وندخل في شراكات؟
لأن العائد مباشر على 3 مستويات:
- أولا: رفع جودة ما يقدمه البث.
- ثانيا: إسناد المنتجين واستكشاف مواهب جديدة.
- ثالثا: مع ضغوط تقليص الميزانيات عالميا، تصبح الحاجة إلى التعاون والإنتاج المشترك أمرا ضروريا للخروج بأفلام جيدة.
في الإنتاج المشترك، ما هي فلسفتكم؟ وكيف تحافظون على هوية القناة التحريرية عند التعاون مع شركاء عالميين؟
تمويلاتنا كلها إطارها الإنتاج المشترك، لا نقدم منحا مباشرة، وحتى الجوائز نوجهها على أنها جوائز إنتاج. وكل مشروع نشترك فيه يمر بتحصين تحريري واضح هو حمض القناة النووي:
- أولا: الانحياز للإنسان ولثقافتنا العربية، مع فتح جدل محترم مع الثقافات الأخرى.
- ثانيا: احترام اللغة السينمائية ومعايير الصنعة. كما نسعى إلى "التثقيف الممتع"، وهو محتوى يجمع المتعة والمعرفة.

المبدأ الأساسي لدينا هو أن الجزيرة الوثائقية لا تجبر مخرجا على تغيير رؤيته، فإن قبلنا مشروعه، نقبله كما هو.
كلما أتقنت اللغة التي تتحدث بها، احترمك الجميع. لذلك حين نعمل على إنتاج فيلم قد يستغرق عامين أو أكثر ليبلغ المعايير الدولية، فإننا نعرضه بثقة بلا خشية.

إن لم تتحدث أنت عن ثقافتك، فلا تلومن إلا نفسك حين يتحدث الآخر عنك. لدينا خبرات تراكمت على مستوى صنّاع الأفلام واحترام اللغة السينمائية، ولدينا انحياز أصيل للإنسان وثقافته، وانتماء لمفردات الثقافة العربية نقدّمها بلا خجل ولا وجل.
حين تمتلك المعرفة والرؤية، تكون فاعلا لا تابعا. نحن لا ننتج أفلاما لمجرد الإنتاج، بل وفق رؤية مستمرة وحركية تتطور باستمرار.
بعيدا عن الخطوط الحمراء المعتادة، كيف تتعاملون مع الموضوعات الحساسة؟ هل تعتمدون على "ذاتية المعالجة" بوصلةً أساسية؟
لا نؤمن بما يسمى خطوطا حمراء، وما نعتمده هو ذاتية المعالجة وانسجامها مع معاييرنا. لقد اشتغلنا على قضايا حساسة سياسيا ودينيا، والمعيار دائما هو أن تُصاغ المعالجة بما يغني المشاهد ويحترم قيمنا.
إن احتاج العمل فيما بعد إلى مقص رقابي فلن نستخدمه، فإما أن يقف الفيلم على قدميه بمعاييرنا، أو نمتنع عنه. وضوح الرؤية يتيح لنا اتخاذ قرارات قد تخالف التوقعات الظاهرية، لكنها في صميم خدمة المشاهد.
بالانتقال إلى التحدي الرقمي، كيف تتعاملون معه؟ وهل مستقبل الوثائقي يكمن في التوزيع فقط أم في إعادة تشكيل السرد نفسه؟
التحدي الأكبر اليوم هو التحول الرقمي، والغاية ليست مجرد توزيع المحتوى عبر المنصات، بل أن نفكر رقميا منذ لحظة الفكرة. كيف يُصاغ القالب الوثائقي ليكون أداة تفكير لا مجرد نسخة يُقتطع منها؟ ما نسعى إليه ليس اختصار المدد الزمنية، بل إعادة تصميم التجربة الوثائقية نفسها.

لقد أثرت ثقافة "تيك توك" و"الريلز" بعمق في طرائق التلقي، وهذا يفرض علينا انتقاء مشروعات قابلة للتجسيد رقميا، مع الحفاظ على تقاليد الشاشة. أرى أننا نعيش هزة ثقافية شبيهة بما بعد الحرب العالمية الثانية، والتحول الرقمي سيغدو واقعا حاكما، يفرض على صنّاع الوثائقي ابتكار صيغ جديدة، تحفظ العمق وتستجيب لإيقاع العالم.
لنتحدث عن الجمهور. من هو جمهور الجزيرة الوثائقية اليوم، وما خططكم للوصول إلى الشباب من غير مساس بجوهر الفيلم الوثائقي؟
ينمو الجمهور أفقيا ورأسيا. وتظهر الإحصاءات أننا وصلنا بقوة إلى الفئة العمرية 18-35، وهذا جيد، لا سيما والشباب يمثلون أكثر من 60% في العالم العربي. نحن لا ننافس "تيك توك"، فهو شيء مختلف تماما. لكن أفلامنا وثائقية، وستبقى كذلك.

لذلك يبقى التحدي هو "التثقيف الممتع"، أي أن نقدّم شيئا محببا بموضوعات يحبونها ومعالجة ذكية، مع البعد الرقمي الذي نعمل على تحقيقه. جمهورنا يتابعنا عبر المنافذ كلها: البث الخطي، ويوتيوب، ومنتجاتنا الرقمية، مما يوسع الوصول ويعمق العلاقة.
مع ظهور قنوات وثائقية منافسة، كيف تنظرون إلى هذا المشهد، وما خطتكم للحفاظ على هوية القناة وتميزها؟
طبعا يؤثر ظهور القنوات المنافسة، فالكعكة واحدة، لكنني أرى في ذلك ما اعتدناه في الجزيرة الوثائقية: تحويل كل تحدٍّ إلى فرصة. فرصة للتركيز أكثر على الإنتاج، وفرصة لإعادة التفكير في التسويق.

اليوم، إذا عُرض فيلمان على شاشتين مختلفتين، يستطيع المشاهد أن يقول: هذا من أفلام الجزيرة الوثائقية. لدينا هوية بصرية وحمض نووي واضحان. حتى الآن، لا أرى من ينافسنا حقا في هذه المنطقة، أو على الأقل في فلسفة الريادة التي نتمسك بها.
الإجابة تكمن في الاستدامة؛ أن نحافظ على جودة المحتوى وتنوعه وتطوره المستمر.
في ظل التحديات المالية التي تواجه الصناعة، كيف توازنون بين الحفاظ على الجودة والبحث عن شركاء للإنتاج المشترك؟
التحديات المالية التي نواجهها هي نفسها تحديات الصناعة عالميا، فمنذ 2019، تشهد الميزانيات تراجعا ملحوظا.
أمام هذا الواقع نتعامل عبر مسارين: داخليا نعيد توظيف الميزانية بأفضل صورة ممكنة، وقد نخفض عدد ساعات الإنتاج حفاظا على الجودة. وخارجيا نعزّز الإنتاج المشترك، بوصفه رافعة تتيح لنا الشراكة مع قنوات ومؤسسات مانحة ومهرجانات كبرى.

نسبة الانتقاء ما تزال تقارب 60% سنويا، مقابل 40% من الإنتاج المشترك والمباشر، لكن هذا الشق الإنتاجي هو الحمض النووي، الذي يمنح القناة هويتها وتأثيرها.
ختاما، في سوق لا يعتمد على الربح التجاري، ما هي رؤيتكم لتحقيق عوائد تضمن استمرارية الصناعة وتطورها؟
ورثنا في الشبكة تقليدا يقدّم معيار الأثر على حساب مؤشرات العائد المباشر، نحن اليوم نسعى إلى صيغة توازن بين الاثنين، فنستثمر في أعمالنا بحيث تولد دورة عائد ربحي معقولة، لا بوصفها مكافآت، بل أرباحا تعاد إلى المنظومة لإعادة الاستثمار والتدوير في الصناعة نفسها، كي تظل قادرة على التطور والاستمرار.
بهذه الروح نطمح إلى نموذج، يضمن قيمة ثقافية راسخة واستدامة اقتصادية ممكنة.
