"دوبارديو" .. وحش السينما الفرنسية

منذ ظهوره الساحر في فيلم " ناتالي غرانجيه" لمرغريت دوراس عام 1972 في دور مندوب مبيعات يطرق باب امرأة في الريف ويقف صامتا أمامها، تأكّد حضوره الفريد، كان في هذا المشهد كأنه يقول"أنا هنا، آتيا من عالم غير عالمكم، ومن اليوم  يجب أخذ حضوري بالحسبان" كما كتب سيرج توبيانا الناقد السينمائي الفرنسي ورئيس السينماتيك الفرنسية.

غير عالمكم! نعم. ليس فقط لأن جيرارد دوبارديو قادم من بيئة شعبية، بل لحسّه المتمرد ونزعته للحرية فهو لا يعبأ بكل القواعد الاجتماعية وما هو لائق وغير لائق، إنه يعبر عما يفكر به ويعمل على هواه ولا يكف عن صدم البرجوازية الهنيئة بقناعاتها. بدا استثنائيا في كل شيء؟ في شخصيته، أدائه، كلامه، أسلوبه في الحياة… كان يجب على عالم السينما في فرنسا التآلف مع هذه الشخصية الغريبة التي يكمن " لغزها" و"سحرها" في أسلوب أدائها وعيشها وفي هذا التناقض بين مظهرها الخارجي الواثق والقوي وبين هشاشة داخلية وحساسية كامنة.

جيرارد دوبارديو ليس مجرد "وحش السينما الفرنسية"، إنه أسطورتها .. مَعْلَمٌ من معالمها، يفرض وجوده على الشاشة فيطغى عليها. إنه الممثل الذي لا يمكن إغفاله ليس في فرنسا فحسب بل في العالم كله، وسواء عمل في سينما المؤلف الفنية أم في الأفلام التجارية فهو يستقطب الاهتمام والإعجاب وأيضا الحبّ.

 لقد شكّل فيلم " راقصات الفالس" Les Valseuses " للمخرج برتراند بلييه منعطفا حاسما في مسيرة دوبارديو فهو ثبّت على نحو نهائي صورة "سفاح الشاشة" هذا. سفاح ولكن شاعري! كما يصفه نقاد فرنسيون. عمل بعدها مع كلود سوتيه في "فنسانت، فرنسوا بول والآخرون" ومع الإيطالي ماركو فيريري" المرأة الأخيرة " و" حلم قرد"، ومع  برتراند بيلييه "زيّ السهرة"، وبالطبع مع  السويسري غودار"للأسف بالنسبة لي"، ومع شابرول وتروفو"المترو الأخير" الذي نال عنه جائزة أفضل ممثل في جوائز السيزار للسينما الفرنسية. عمل  مع كل الكبار ومنهم موريس بيالا الذي كان بطلا لأكثر من فيلم له. في البدء 1980 كان " لولو"  الذي فشل، لكن هذا لم يمنع تعاونا جديدا بينهما كان أشهره " تحت سماء الشيطان" الذي نال السعفة الذهبية في كان.

إعلان

يسرد توبيانا ضمن تقديمه استعادة لدوبارديو تحت عنوان "خمسون مرة دوبارديو"، كرستها مؤخرا السينماتيك الفرنسية (مكتبة السينما حيث كتب ومعارض وعروض وتظاهرات خاصة مكرسة للفن السابع في باريس)، فصلا من العلاقة التي تربط بين دوبارديو و بيالا.

 " في فيلم " لولو" 1979 كانت صعوبات التعامل مع ممثل شاب بدا" أحمقا"، بيد أن العلاقة ما لبثت أن تحسنت مع فيلم " بوليس" و" تحت سماء الشيطان" 1987. في هذا الفيلم الصعب المأخوذ عن رواية لجورج برنانوس، أدى دوبارديو دور قسّ شاب في قرية فرنسية ينهشه الشك بإيمانه وجدوى ما يقوم به من مهام دينية. كان مع المخرج بيالا ينتظران اللحظة المناسبة للبدء بالتصوير غير عابئين بخطة العمل المجهزة والساعة المقررة. وحين كانت هذه اللحظة تأتي في آخر النهار وتحلّ الطاقة الهائلة للممثل، يبدأ الفريق بتحضير المشهد. لقد كان الاثنان يستفظعان الاعتيادية، أن تجري الامور ضمن روتين وخطة عمل مدروسة بدقة.

لا يمكن ذكر كل من تعامل معهم دوبارديو في السينما الفرنسية فنحن نجده على خارطتها في كل مكان إنه " لا يسد الفراغ بل يملأه" على حد تعبير توبيانا. لقد وصل عدد الأفلام التي مثلها خلال خمسة عقود إلى 182 فيلما ولم ينل رغم تاريخه الحافل سوى جائزتي سيزار واحدة منهما عن دوره في الفيلم التاريخي" سيرانو دو برجُراك" لجان بول ربّينو. لكنه يحتل المركز الثاني بعد لويس دي فونيس على لائحة الممثلين الأكثر استقطابا لدور العرض في فرنسا متقدما على آلان ديلون وجان بول بولمندو.

 لقد عرف هذا الممثل العملاق منذ بدايات مستهل السبعينات كيف يجدد طاقته ويضع نفسه في خدمة السينما ويؤدي كافة الأدوار العاطفية والتاريخية والكوميدية (دوره في استريكس وأوبليكس وكذلك مشاركته للكوميدي الفرنسي بيار ريشار). لقد شاركته معظم نجمات السينما الفرنسية البطولات مثل كارول بوكيه وفاني آردان وايزابيل ادجاني وإيزابيل هوبير ولكن أكثر من مثل معها كانت كاترين دينوف( 9 أفلام). يبدو دوبارديو( 67 عاما) أحيانا اليوم وكأنه تمّ ترويضه، سينمائيا على الأقل! لقد عاش وعبر كل التجارب الممكنة ولكن لديه دائما هذه الخفة وهذه الرقة وهذا الحضور الاستثنائي الذي يميزه كممثل متفرد، يختفي ويظهر من جديد من حيث لا ننتظره، و في كل تاريخ السينما الفرنسية لم يدم ممثل مثله وبقي في القمة.

دوبارديو الدب الروسي

لكن اليوم ثمّة من يلومه في فرنسا على أنه ليس دوبارديو الأمس وبأنه تخلى عن كل شيء وخاصة عن دوره كممثل. جاء هذا بعد نيله الجنسية الروسية منذ عامين إثر جدال مع الحكومة الفرنسية حول قراره باللجوء لبلجيكا احتجاجا على ضرائب إضافية فرضت على أصحاب المداخيل الكبيرة وهو منهم. مذاك لا يمكن لأي ظهور له ولو كان قصيرا أن يمرّ على نحو عادي، ألا يثير تعليقات، ابتسامات، انتقادات، جدل ما… فهو يقول ما يفكر به ولا يخشى أحدا.

على هامش مهرجان برلين الأخير مثلا لم يوفر أحدا في مؤتمره الصحفي بعد عرض فيلمه «سانت أمور» الذي يلعب فيه دور مزارع ، فمهرجان كان محكوم "بالمومياءات" والممثل الأميركي جورج كلوني يؤدي كل الأدوار "إنه لأمر جيد الآن أن تكون ممثلاً وعالماً بيئياً وسياسياً، يمكنك فعل كل شيء» في تعليقه على لقاء النجم الأميركي بالمستشارة الألمانية أنغيلا مركل في برلين.

إعلان

وسخر من ظروف العمل في فيلم " العائد" لأليخاندرو غونزاليس إيناريتو  والذي وصف تصويره بالملحمي  «بالنسبة إلى جوائز الأوسكار، فإن فيلم ذا ريفينانت وطاقم الإنتاج المسؤول عنه والتدفئة في مواقع التصوير وكل هذه الضجة في شأن تغطية أنفسهم بالقاذورات.. فأنا على ثقة أن القاذورات والوحل كانا معطرين ودافئين كذلك»! أما الرئيس الفرنسي "فكيف لا نشعر بأننا روس أكثر من كوننا فرنسيين مع هذا الرئيس الذي لدينا في فرنسا!!"

ينكر دوبارديو ما يتهم به من كره لفرنسا بسبب سيل الانتقادات لرئيسها وسيل المدائح لبوتين. فهو لا يكره فرنسا بالطبع ولا الفرنسيين ولكن السياسية والسياسيين ونفاقهم المطلق  إذ لا يقومون بما يجب لهذا الوطن الذي يعشقه وتؤلمه أحواله. إنه يحب الناس العاديين هؤلاء الذين يعملون ويبنون بصمت. أما أميركا فلها حصة وفيرة في انتقاداته. يقول لصحيفة الفيغارو" الولايات المتحدة شعب لا يكف عن تدمير الآخر ، العبودية، حرب الانفصال، هم أول من استخدم القنبلة الذرية، وحيث يعبرون تتشكّل بؤر من القذراة.. إذا كفّ الأوربيون عن الاستماع إلى هؤلاء الأميركيين سأكون سعيدا جدا".

البريء

دوبارديو لم يتردد كثيرا على قاعات الدرس ولكن المطالعة أنقذته كما يقول في كتاب نشره مؤخرا في فرنسا عن حياته. وهو قد نشأ في عائلة فقيرة في مدينة شاتورو وكان شقيا في طفولته وشبابه واغتنم كل الفرص لاظهار هذه الشقاوة. وفي فيلم وثائقي حديث عن شخصية هذا الممثل عنوانه "جيرارد دوبارديو: بالحجم الطبيعي" لريشار ملّول  يحكي عن تلك الفترة كما لم يحك من قبل وهو لم يرد أبدا الحديث عن أبيه كفاشل أو كعاجز كما تداول البعض بل كأب رائع لم يسعَ لترك بصماته على أولاده ولم يكن ذلك تخليا عنهم بل كنوع من "فانتازيا".

يعبر دوبارديو عن فخره بعائلته "لولا حبّ أمي وفانتازية أبي لما كانت لدي كل هذه الثقة بنفسي". مرحلة الطفولة لعبت دورا رئيسا في صقل شخصية هذا الممثل، و هي قد انتهت كما يقول عند سن السابعة، بعدها كان عليه تدبير أمر عيشه ولم يكن ذلك سهلا بالنظر إلى شخصيته المتمردة، وفي تلك الفترة لم يرغب به أحد لا المدارس ولا الخوري بل فقط الشرطة التي "يكنّ لها احتراما شديدا، فقد كانوا يضحكون سوية". ثمة حدث آخر عن شبابه لم يلقَ في الماضي انتباها خاصا، لكنه اليوم أثار اهتمام كثيرين. ففي باريس التي وصل إليها 1965 وقع  أسيرا لسحر صوت "سيدة الشرق" بعد حضوره حفلا على مسرح الأولمبيا. لقد أحدث غناء أم كلثوم انقلابا في حياته دفعه لاعتناق الإسلام الصوفي و التردد يوميا و خلال سنتين على جامع باريس لأداء الصلاة.

وقد نشرت مجلة الإكسبريس الفرنسية  مقطعا من كتاب دوبارديو " بريء"،  ، يثير فيه مسألة اعتناقه الإسلام مصرحا "الخطر الحقيقي لم يكن  يوما بالإيمان، بل هو حين يتوهم المرء بكل غطرسته وفساده وجهله ويقوم بتأويل النصوص المقدسة بهدف وحيد،  وربما عن غير وعي، ليضع نفسه مكان الإله…هنا يبدأ التلاعب".

دوبارديو هذ الرجل الحرّ والمتمرد كما يوصف والذي لا يتوقف عن إدهاش الفرنسيين وغيرهم بسلوكه وتصريحاته وقبل هذا وذاك بأدائه المتميز كان يعبر دوما عن حبه للحياة وضخامته هي الإثبات! يقول "لست بدينا ولكني محب للحياة".

اعتبر دائما مهنته مهنة الحرية، وسعى في حياته لنيل الإعجاب وهذا كما يقول" ليقدرني الآخرون حتى أتمكن بالتالي من تقدير ذاتي"،  لكنه اليوم لا يكترث "فإما أن أُقبل كما أنا أو لا".  ويقول في كتابه " يكفيني أن أكون محبوبا من ثلاثين في المائة من الناس، لا أريد أن يكون ثمة إجماع علي".

لكن هذا الإجماع هو هنا.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان