"أماندا نوكس".. فتاة قادها جموحها إلى السجن عدة سنين

 

في مهرجان تورونتو السينمائي، الذي عُقدت دورته هذا العام بين 8-18 سبتمبر/ أيلول 2019، عُرض الفيلم الوثائقي "أماندا نوكس" (Amanda Knox)، للمخرجين "رود بلاكهيرست" و"برايان مغين" (2016)، وذلك قبل أيام من عرضه على منصة "نتفليكيس" الأمريكية، التي أنتجته.

تندرج برمجة هذا الفيلم في المهرجان ضمن تقليد جديد بعرض أفلام ومسلسلات تلفزيونية مُختارة، أنتجتها شركات إنترنت ومحطات تلفزيونية، قبل مواعيد بثها المُقررة على القنوات المنتجة، تأكيدا للمستويات الرفيعة التي تبلغها هذه الأعمال منذ سنوات، فصارت تتسابق منصات عرض الأفلام السينمائية إلى حقوق عرضها الأولى.

"أماندا نوكس".. قضية شغلت الإعلام وهزت الدبلوماسية

هذا الفيلم استعادة سينمائية مستفيضة جديدة لجريمة قتل الطالبة البريطانية "ميريديث كيرشير" في بلدة بيروجيا الإيطالية فاتح نوفمبر/ تشرين الثاني 2007، وهي جريمة حولها الاهتمام الإعلامي غير المسبوق إلى جريمة القرن الحادي والعشرين في أوروبا، ثم استفحلت بعد إصدار الحكم فيها إلى أزمة بين الولايات المتحدة وإيطاليا.

ذلك أن سياسيين أمريكيين ودوائر إعلامية في الولايات المتحدة، قد انتقدت سير التحقيقات الجنائية والقضائية، التي قادت إلى حبس الأمريكية "أماندا نوكس"، بتهمة قتل زميلتها في السكن البريطانية "ميريديث"، وساعدها خليلها الإيطالي "رافاييل سوليتشيتو" وشاب آخر.

تعترف الشابة "أماندا" وقد حملت أثقال التجربة المريرة أنها كانت جامحة حد الانفلات

يفتتح صوت "أماندا" مشاهد الفيلم الأولى، فتروي قصتها بنفسها، من اختيارها إيطاليا وجهةً لدراستها، ووصولها إلى مدينة بيروجيا، ثم تعترف أنها كانت فتاة جامحة إلى درجات الانفلات أحيانا، نهمة لاكتشاف العالم وتجارب الحب والمجون، وتؤكد مشاهد منزلية طباعها المشاكسة وجمالها المبهر، الذي لفت اهتمام الإعلام.

فتاة جامحة في مسرح جريمة بإيطاليا

تقابل "أماندا" شابا إيطاليا من المدينة، ويبدآن علاقة عاطفية قبل أسبوع واحد من مقتل "ميريديث"، وكانت "أماندا" أول من شك بوقوع حادث ما في البيت الذي تسكن فيه، وحين جاءت الشرطة ووجدت الجثة تكاد تكون مقطعة الأوصال، وجهت الاتهام إلى "أماندا" وخليلها، فلاحقتهما هذه التهمة سنوات.

إعلان

يستعيد الفيلم الأحداث الأساسية، ضمن تسلسلها الزمني التصاعدي، مُبرزا النقاط والعقد الحسّاسة التي غيرت اتجاه التحقيقات، ففي مشهد قديم مثلا نرى "أماندا" مع خليلها وهما يتبادلان القبل، خارج البيت الذي وجدت الشرطة فيه الجثة، وقد فسرت الصحافة الشعبية في بريطانيا ذلك بأنه ينسجم مع طباع العشيقين الغريبة الشاذة.

الملصق الدعائي لفيلم "أماندا نوكس"

ثم ظهرت صور أخرى من صفحتيهما على مواقع التواصل الاجتماعي، وهما يلعبان بالأسلحة، فصبّا الزيت على نار الشكوك حولهما، وسلوكها غير السوي، حتى نشرت صحف كثيرة أن الجريمة قطعت حفلة ماجنة، تبدل اتجاهها لأسباب غير معروفة، وانتهت بدموية.

ضغوط الرأي العام.. ميدان أشعلته الصحافة الصفراء

كان دور الصحافة العالمية مهما يومئذ، لذلك يفرد الفيلم مساحة للصحفي البريطاني "نيك بيزا"، وكان ممن تابعوا القضية، وكتب مقالات عدة عنها، بعضها حجز له مكانا على الصفحات الأولى لصحف فضائحية بريطانية، من التي يثيرها عادةً الجانبُ المعتم في النفس البشرية.

ناهيك عن هوس تلك المقالات بفرضية الدافع الجنسي في الحادثة، وتطرفها بعد ذلك في البحث في موضوع المجون، الذي يبيع الصحف دائما في كل مكان.

كانت الصحافة الصفراء ومنها جريدة الصحفي "نيك بيزا" سببا في تعقيد سير التحقيقات

تقترب شخصية "بيزا" من الصور النمطية الشائعة عن ممارسي الصحافة الصفراء، فهو صلف لا يخجل، لكن له حضورا وإقناعا. وهو يعترف بأن الإعلام يومئذ اقترف أخطاء أثرت كثيرا على سير التحقيقات، لكنه يعلل اهتمام جريدته بأنه استجابة لشغف شعبي بهذا النوع من القصص.

المدعي العام.. متدين صارم اقترف أخطاء جسيمة

يُركز الفيلم على شخصية المدعي العام الإيطالي "جوليانو مينييني"، وهو كاثوليكي متدين صارم الطباع، أدار التحقيقات في القضية، وقد بدا في الأسابيع الأولى من التحريات كأنما نال غايته سريعا.

لكن سرعان ما تبين أنه كان ضحية ضغط الرأي العام والإعلام لإيجاد الفاعل، واقترف أخطاء لا تغتفر، تسببت في اعتقال أبرياء عدة سنوات.

اقترف المدعي العام "جوليانو مينييني" وفريقه أخطاء كثيرة رمت الأبرياء خلف القضباء سنين عددا

ثم إن فريقه ربما شارك في تشويه أدلة، وترك آثارا كاذبة في موقع الجريمة، كي يقدم نتيجة سريعة لتحرياته، وينتهي السيرك الإعلامي حول الجريمة، فقد أصبح كابوسا للمدعي العام وفريق التحقيقات الصغير الذي كان يقوده.

خروج من السجن يبدأ كابوسا على باب المنزل

اعتقلت الشرطة "رودي غيدي"، وهو لص معروف وجدت آثار حمضه النووي في غرفة القتيلة، لكن ذلك لم يهز الرواية العامة السائدة، التي تقول إن "أماندا" و"سوليتشيتو" اشتركا بشكل ما في الحادثة.

لقد جعلتهما أخطاء فريق التحقيقات والمحكمة يلبثان في السجن بضع سنين، قبل إعادة التحقيق مرتين، وإثبات برائتهما في كل مرة. وبعدها انتهى الكابوس الذي طاردهما طوال 8 أعوام، مع أن "غيدي" لم يعترف بجريمته بعد، وإن كانت كل الدلائل القوية تشير إليه.

يوفق الفيلم في نيل موافقة معظم الشخصيات الأساسية للاشتراك فيه، وعلى رأسهم "أماندا"، التي نشهد عبر زمن الفيلم على نضوجها النفسي، من فتاة مراهقة لا تخاف، إلى امرأة تنوء اليوم تحت ثقل تجربة مريرة، تواصلت حتى بعد إطلاقها وعودتها للولايات المتحدة، فقد كان الإعلام يقف أسابيع على أبواب بيتها.

إعلان

وكان بعض الناس يحاول أن يقنع أباها بأن فرصتها في كسب أموال من الإعلام قد تتضاءل إذا طال صمتها، ونسي الناس قصتها، وانشغلوا بحكاية جديدة.

تسليم الحكم القضائي.. فيلم تنقصه الجراءة وشيء من الحدة

يولي الفيلم الشخصيات الأخرى اهتماما جيدا، لا سيما المدعي الإيطالي العام، الشخصية المعذبة، وسنراه في مشاهد النهاية يوقد الشموع في كنيسته، التي يتردد عليها طلبا للمغفرة. وكذلك أيضا الشاب "سوليتشيتو"، الذي غيرت الحادثة حياته.

وعلى خلاف أعمال وثائقية استقصائية أخرى من إنتاج "نتفليكس"، بحثت في جرائم حقيقية لفها الجدل والشكوك، لا يتحدى فيلم "أماندا نوكس" الوقائع والمسلّمات الرسمية، ولا يدفع الشخصيات لقيها إلى تحديات صعبة.

بل يكتفي باستعادة مفصلة للأحداث، تنقصها الحدة عموما، ولم تجب كل التساؤلات، وبدت راضية بالحكم القضائي النهائي، وبتوجيه معظم الاتهامات إلى الإعلام، الذي تتمثل فيه كل الشرور، فهو الذي عكر مسّار التحريات الأصلية، وضلل طريقها.

بيد أن هذه القراءة -وإن صحت- كانت تحتاج إلى تأكيدات أكثر وضوحا، ومواجهات جريئة تحرج المؤسسات التي اشتركت في السيرك الإعلامي ذاك.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان