الحاجة إلى بيئة جمالية لإنتاج الفيلم الوثائقي

حفظ

د.الحبيب الناصري

* تقديم لابد منه:

كلما ازدادت عولمتنا عنفا وقبحا أخلاقيا واقتصاديا وسياسيا وعسكريا، كلما ازددنا حاجة إلى ما يحمي آدميتنا ومنظومة قيم الحياة وفق رؤى إنسانية، تضمن لنا استمرارية وجودية، تبعدنا عن الارتماء في أحضان لا أخلاقية. فمهما تقاربنا أو اختلفنا حول سؤال الأخلاق ومرجعياته وأيديولوجياته، في كل الحقب المجتمعية التاريخية البشرية، تبقى إمكانية العثور على نقط التقاء ممكنة، سواء انطلقنا من قيم سماوية و/ أو أرضية.

     في ظل التلميحات السالفة الذكر، نمسك بالحاجة إلى ضرورة بقاء هذه الحياة مشدودة بحبل الإنسانية، حبل من السهولة أن ينقطع بالمرة إن نحن بدأنا نُعطِّل لغاية ما، سؤال الثقافة بمفهومه الأنثروبولوجي الإنساني العلمي الواسع،(طرق العيش واللباس والطبخ والتربية والفنون.. الخ)، مقابل جرّ هذا العالم نحو "تخليق" وتبرير "منطق" العنف المادي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والإعلامي.
هنا تطفو على السطح حتمية سؤال الثقافة باعتباره سؤالا جوهريا، بل هو حاجة وضرورة إنسانية قوية، كلما وفقنا في مجتمعاتنا البشرية، (لاسيما في وطننا العربي الجريح والمثقل ب"لعنة" السياسة والحروب، وفق هوى الغير ونظرة الذات الضيقة غير المؤمنة بتقاسم شروط الحياة)، في طرح سؤال الثقافة وبشكل دائم، كلما استطعنا الحفاظ على ميزة من مميزاتنا الإنسانية، لاسيما حينما يتعلق الأمر بالفنون في بُعدها الجمالي.

تحديدات مفاهيمية: (عتبة العنوان)
   لكي نتمكّن من خلق تعاقد واضح وشفاف بيننا سواء كباحثين أو كقُرّاء، فلابد من الوقوف على عتبة عنوان دراستنا، لاسيما حينما نعلم، ووفق رؤية منهجية علمية أكاديمية، أن تفكيك بنية العنوان، وتحديد تمثُّلاتنا للمفاهيم الموظفّة هنا، من الممكن أن يساهم في بناء معرفي علمي، نحن في أمسّ الحاجة إليه، في ظل هيمنة "خطاب" إعلامي/ سياسي تسويقي للمعنى الواحد، دون خلق شروط معرفية وفنية وثقافية مولِّدة لرؤى متعددة.
   وفق ما سبق، أقول، غايتي من هذه العنونة، أن أبين مدى ضرورة "تلبُّس" سؤال الجمال، في حياتنا هاته، لاسيما في عالمنا العربي، الذي هو اليوم، في حاجة ماسّة إلى بناء هذه الرؤية في ثقافته بشكل عام، وفي سينماه، بشقيّها الروائي والوثائقي، بشكل خاص. من هذا المنطلق أقدم التحديدات المفاهيمية التالية.

إعلان

1) في الحاجة:
 حينما نوظِّف مفهوم "الحاجة"، هنا، فنحن أمام شرط من شروط الاستمرارية في هذا الكون، مفهوم الحاجة، مفهوم نريد من خلاله، تبيان أننا لسنا أمام اختيار ما، بل إن نحن أردنا، لاسيما كعرب أو كمسلمين أو كأفارقة، كدول تتلمّس طريق التقدم والنهضة، بكل مكوناتنا الثقافية/ اللغوية، فلابد من هذه الضرورة الثقافية والفنية، بل لابد من خلق شروط المعرفة، باعتبارها شروطا أساسية للبقاء تحت شمس هذه العولمة المرعبة والمفكِّكة  للجماليات، باعاتبارها ما تبقى لدينا، والمنفلتة، إلى حد ما، من التبضيع والتعليب المنشود في اقتصاديات هذه العولمة المادية المحضة.
 ربما انتقالنا للمفهوم الثاني، مفهوم البيئة الجمالية، كمفهوم مركب، سيقدم لنا إضاءات أخرى نحن في أمس الحاجة إليها لمعرفة مفهوم الحاجة هنا.

2) البيئة الجمالية:
مفهوم مركب، نقصد به، كيف من الممكن جعل محيطنا الذي نعيش فيه، محيطا ثقافيا/ جماليا بامتياز، بل لو كنا ندرك كيف لشرط الجمال، (ليس بمفهومه البيولوجي الجسمي مثلا، بل بمفهومه البصري/ التلذُّذي، وبمفهومه الشعوري/ اللاشعوري، وأيضا بالمفهوم الذي يعطي "صفة" الحياة لتفاصيل الأشياء الصغيرة التي تسكن فينا أو في محيطنا العام أو الخاص، وهو ما يمكن إدراجه ضمن شعرية تفاصيل الأشياء)، أن يكون "معيارا" نوعيا له قيمته المحددة لقيمة أي عمل فني أو ثقافي.

شرط  الجمال، هو اليوم شرط جوهري، وحاجة ضرورية إن نحن أردنا "انتشال" ما تبقّى في عولمتنا من قيم إنسانية مميزة لكينونة الإنسان. خارج شرط الجمال، ببعض محدداته التي أشرنا إليها سالفا، "سينغمس" فعلنا الثقافي بشكل عام، في معيار"القبح"، و إعادة إنتاج ما ترغب فيه هذه الرأسمالية "المطلقة/ المتوحشة"، حيث الرغبة في تعليب كل شيء، بما في ذلك الحب، باعتباره أسمى إحساس يمتلكه الإنسان، لاسيما حينما يتلبس هذا الحب خارج شرط المنفعة المادية، وينغمس في مفهومه الباطني الوجداني الروحي.
   ضمن هذه الرؤية الجمالية، الهادفة، ومن جملة ما تهدف إليه، "تجميل" قبح هذه العولمة و تذكيرها بأصلها الإنساني، نموضع تمثلاتنا لمفهوم البيئة الجمالية، باعتبارها بيئة راغبة ومرغبة في جعل ما يحوم وما يحيط بنا، يتميز بشرط الجمال، بل حينما نشبع نفوسنا بهذه المرجعيات، ونتربّى عليها في مؤسساتنا التعليمية والتكوينية والجامعية الخ، آنذاك، سيتجلّى مفعولها في جميع ما نُنتج من أفعال يومية وحياتية وثقافية وفنية.. الخ.

3) الإنتاج:
  سؤال الإنتاج، سؤال  ليس من السهولة بمكان تحديد ماهيته ووظائفه، ليس من منظور قانوني/ إداري مؤسساتي، فهذا الأمر من الممكن أن نجده  في العديد من النصوص القانونية المؤطِّرة للإنتاج.. الخ، لكن السؤال العميق، هل نحن، لاسيما في وطننا العربي الجريح، استطعنا أن نملك رؤية إنتاجية متمردة عما يريده لنا الغرب، الذي كان ولا يزال، "ينتج"صورتنا، كما يريدها هو؟
 هل من الممكن القول، إننا وفي الكثير من الحالات نسير وفق هوى الغرب في إنتاج صور نمطية وثائقية وروائية.. الخ، وفق ما رسخه هذا الغرب؟ هل من الممكن الوعي بقيمة ما ننتجه من صور عن ذواتنا وفق النبش والبحث الإبداعي؟ أقصد إنتاج أعمال لها قيمتها الفنية والجمالية، وليس مثل ما نشاهده في العديد من الأعمال المميزة بالفراغ وتضبيع المتلقي العربي على سبيل المثال؟

إعلان

لا يكفي أن نمتلك تقنيات التصوير، وحفظ نوعيات الإضاءة وغيرها من الفنون التقنية، وحينها نعلن عن قدراتنا الإنتاجية هنا وهناك. فسؤال الإنتاج سؤال لا يخلو من خطورة، بل هو فعل ثقافي وتربوي واجتماعي وجمالي وإنساني، لاسيما ما يتعلق بالصورة. أقول هذا الكلام، و(أنا) أعي ما تهدمه العديد من "الأعمال"، من قيم ذوقية سواء في مجال السينما الروائية أو الوثائقية.
ما تسعى وما تصرفه الدولة من أموال، من أجل بناء مدرسة لغرس قيمة  المرأة ودورها في بناء المجتمع، من الممكن أن تهدمه كبسولة إشهار في ثوان معدودة، لاسيما حينما توظف المرأة هنا توظيفا تجاريا "تبضيعيا" خاليا من أي حسّ جمالي أو إنساني، بل الغاية هنا بيع منتج ما، من أجل الربح ولاشيء آخر غير الربح، حتى ولو رسخ هذا المنتج صورة نمطية سلبية وقدحية في وعي أو لاوعي المتلقي.
 مثل هذا الفعل نجد الدراسات والبحوث تفككه وتبين خطورة ونمطية مثل هذه الأعمال، مما يدفع العديد من الدول لاسيما في عالمنا العربي، للبحث عن منفذ قانوني جد مكلف، من أجل عدم ترويج صورة نمطية سلبية عن المرأة، بل أحيانا تصرف إمكانات مالية ضخمة لترميم مخلفات هذه الصورة.

في ظل هذه الإشارات الخاطفة، فشخصيا لا أفرق بين وظائف المدرسة وشركات الإنتاج، أقصد أنهما معا يساهمان في بناء المجتمع، كل بوسائله وإمكاناته، لكن السؤال المُرّ، كيف نجمع هنا بين من همّه الربح ولا شيء غير الربح (مع وجود استثناءات هنا وهناك طبعا)، أي من هو خلف الإنتاج، وبين المدرسة التي من وظائفها بناء القيم.

4) الفيلم الوثائقي:
   مهما اتفقنا أو اختلفنا، حول ماهية هذا المكون السمعي بصري، الذي تزداد أهميته يوما بعد يوما، خصوصا في عالمنا العربي، لكونه يوثق العديد من اللحظات المنسية في تاريخنا وحياتنا بكل تجلياتها، يبقى الفيلم الوثائقي، باعتباره شكلا فنيا وثقافيا وجماليا، بل باعتبارها حكاية بصرية/ سمعية، وإبداعية مولِّدة للعديد من الدلالات، وفق بيئة التلقِّي الثقافي والجمالي، يبقى حاجة وضرورة في زمننا العربي المثقل بالجراح.
 فهل من الممكن أن نتلقى فيلما وثائقيا ما خارج شرط الجمال المشار إليه سالفا؟

تركيب خلاصات المفاهيم:
       قصدنا من هذه التحديدات المفاهيمية المختصرة، كون شرط الجمال، أصبح "معيارا"، أساسيا في توليد المعاني والدلالات، لاسيما في زمننا العربي هذا، حيث المدرسة العربية لا زالت تعيش أزمة توليد المعنى، ولا تسير إلا في اتجاه حفظ المعنى الواحد،  وفق مناهجها العقيمة في المجمل، حتى وإن اكتست حلّة "التجديد الظاهري"، تعليم تصرف عليه مبالغ مالية ضخمة، وعلى الرغم من هذا، لا زال "البحث" عن المعنى الأحادي  الآتي من المُدرِّس نحو المتعلم هو المهيمن، والذي عليه، أي المتعلم، أن يعيد إنتاج ما حفظه، ومن ثم تقويمه وفق سيره في طريق المعنى الأحادي هنا. 

في ظل هذا الوضع، وفي ظل الاستهلاك اللامتناهي لتكنولوجيا العصر، وبشكل أصبحت فيه المدرسة، تتخلخل وظائفها حتى في سياقات تعلُّم المعنى الواحد، لتحتل هذه التكنولوجيا الحديثة كل الأمكنة و"تصنع" "هويات" جديدة تغيب فيها متعة المعرفة بمفهومها الثقافي والمعرفي، حيث بداية تشكل أجيال جديدة لا تتنفس خارج "شبكة التواصل الاجتماعي" وبقية أشكال الاتصال التكنولوجي، في ظل هذا الوضع "المصطنع"، فهل من الممكن  أن تلعب الصورة الفيلمية الوثائقية دورا ما في جع��نا على الأقل نبقى نستحضر من نحن؟ وكيف كنا؟ وإلى أين نسير؟ وكيف نسير.. وهل من الممكن أن نجد في يوم ما مكانة ما تحت شمس هذه العولمة؟ 

 في الحاجة إلى التفكيك وإعادة التركيب:
     هل من الممكن أن "نطهر" مواطن القبح بصورة وثائقية دالّة ومولدة لمتعة الجمال؟ ليس من السهولة تقديم أجوبة جازمة حول هذه الإشكالية، لكن من الممكن تلمُّس بعض عناصر الإجابة التي من الممكن تعميقها في ندواتنا الفكرية وبحوثنا داخل المراكز ومؤسسات التعليم الجامعي.
 الصورة اليوم، لغة وسرّ من أسرار ما يجري في عولمتنا، بل الخارج والرافض لها، هو خارج عن كيفية بناء حضارة أخرى بتكنولوجيات جديدة. بالصورة، لاسيما تلك التي تبنى في الفيلم الوثائقي، من الممكن أن نسد فراغ البحث عن المعنى.  نحن اليوم لاسيما في عالمنا العربي، لا زلنا لم نعِ قيمة الصورة ووظائفها ومهامها في بناء إنسان له القدرة على تلقِّي صور العالم، لكن من زاوية فهمها وتحليلها وتركيبها وتوليد معاني عديدة، ولم لا .. "صناعة" صور تهمه وتعبر عنه ويصحح بها ما يروج عنه، في حرب  خفية، هي حرب الصورة.
     هل المدرسة العربية، واعية بكونها اليوم مكوِّن خصب من مكونات هذه البيئة الإنتاجية العربية؟ وهل هي واعية اليوم بمدى قيمة توظيف الصورة في بعدها التعليمي/ البحثي؟ وهل هي واعية اليوم بكونها كلما بقيت خارج ثقافة الصورة، فهي خارجة عن سرّ من أسرار هذه العولمة؟
 بكل تأكيد تحمل هذه الأسئلة وبشكل ضمني عناصر إجابة هامة ودالة.

إعلان

انتظار أفق فيلمي وثائقي جمالي:
       هل من الممكن أن نعثر على عناصر مشروع  ثقافي/ جمالي، في بقعة من بقع هذا الوطن العربي الجريح؟
 قد نتفّق أو نختلف على بعض  التجليات الإبداعية هنا وهناك، لكن من الممكن أن نصل إلى كوننا نملك إرثا إبداعيا جماليا في معظم مناحي حياتنا، تركه الآباء والأجداد، لكنه اليوم مهدد بالهدم ماديا ومعنويا.
    نظرة تفكيكية لهذا الموروث الشعري والمكاني وطرق الطبخ والعيش ونمط الألبسة والحلي ومناسبات الفرح والحزن والولادة والسير الشعبية وزمكانها.. الخ، كل هذا لم نستطع أن ننطلق منه لصياغة مشروع بيئي إنتاجي ثقافي/ جمالي، بل ومن خلاله من الممكن أن نُشكِّل مقدمات كبرى مفضية إلى أعمال  ممتعة ومفيدة لأجيال تنخرها عولمة متسارعة و"معلبة"  لكل شيء، ومعطلة للبحث عن الذات عبر ثلاثية زمنها الماضي والحاضر والمستقبل.
   حكي حكايات إبداعية مستمدة بين الفينة والأخرى، من بعض المكونات المشار إليها سالفا، معناه، أننا نرغب في "تمرير" ذلك وبلغة بصرية دالة، مؤمنة بضرورة الصورة. كل هذا من الممكن أن يساعدنا في توفير بيئة إنتاجية ثقافية جمالية دالة، وهو المعطى التي تعاني منه العديد من أفلامنا الوثائقية.

خيوط الربط الزمنية بين ثلاثية الزمن، عنصر كمي/ نوعي مفيد لطبيعة ما نقدمه من أعمال، ليس على مستوى منتوجاتنا الفيلمية فقط، بل حتى على مستوى ما نقدمه من إبداعات أخرى، إن نحن طبعا أردنا أن نعطي لأعمالنا ما ينتشلها من سطحية العولمة و"ثقافة التعليب"، المفضية لـ "ثقافة المحو"، بل من الممكن القول هنا، إن هذا المجال الثقافي الفني السمعي البصري، هو مجال لـ "تصريف" العديد من البحوث والنظريات والكتابات العربية الفلسفية.
  احكي بيئتك الدالة والمولدة لشغف التلقِّي:
      عنونة جزئية ودالة، لاسيما أنها تختصر لنا  مكنوناتنا  ورغباتنا وطبيعة عشقنا لما هو آت منا. تربتنا التي هي في عيون الآخر مجرد سوق لترويج منتوج ما، تبقى مادة خصبة  لتحقيق إبداعية ما نبدعه من أعمال. فمهما وفرّنا مواد إنتاجية ما، سواء مالية أو قانونية أو تقنية أو تكوينية الخ، فلن نستطيع أن نمسك بإبداعية وجمالية ما نكتب، كفكرة أو كإخراج، خارج شرط الجمالية الآتية فلسفيا بالوعي بقيمة ذواتنا الثقافية والإنسانية، والمتجلية في طبيعة كل هذا الموروث المتحدث عنه سالفا.

لا يُفهم من كلامنا هذا التقوقع الأعمى حول الذات، بل حتى في علاقاتنا مع الآخر وما يخططه بشكل اقتصادي وعسكري وسياسي وثقافي، لايمكن أن "نتساوى" معه ككينونة إنسانية، خارج التخلِّي عن شرط الثقافة. بل، إن ما تبقى لنا في أيدينا هو ما نملك من بعد ثقافي مميز لنا، بعدما استفرد بمعظم مقومات الحياة.
   أن نلتفت إلى ما يحيط بنا من ثقافة"عالمة" وشعبية، والمختزلة لرؤانا لذواتنا وللآخر وللكون ككل، في اعتقادي المتواضع،  مدخل حقيقي لتوفير بيئة ثقافية دالة، ومولدة للمعاني وموحية وحاثة على الفرجة وفي سياقات مختلفة.
على الرغم من كوننا نملك اليوم العديد من آليات التحكم التكنولوجي، وعلى الرغم من كوننا "نفقه" أساليب متعددة في الكتابة والإخراج  والتقنيات، لكن افتقادنا لحاسة طبيعة ما يحيط بنا، وقوله بلغة الصورة، الممزوجة بفنون بصرية أخرى كالتشكيل والشعر والحكاية، سيجعلنا دوما ندور في فلكية الجاهز والنمطي، وقول وتوجيه المتلقِّي عبر لغة الراوي المتسلِّط والموجه والحاثّ على أحادية المعنى، وهو ما نادينا في دراسات عديدة بضرورة "القتل" السردي الثقافي، لهذا الراوي المتسلط علينا والموجِّه لنا والراغب في أن نفهم فقط ما يريده هو، والفاصل بيننا وبين شخوص الفيلم أو حكاياتها الخ.

على سبيل التركيب:
      بيئة الإنتاج الفيلمي الوثائقي، وفق هذه العناصر الأولية التي طرحنا بعضها هنا، لا سيما في وطننا العربي الجريح، وفي ظلّ ما يحاك لنا بشكل ظاهري وخفي، من الممكن القول هنا، جزء لا يتجزء من مشروع ثقافي جمالي عام، نفتقد الحديث عنه في الكثير مما نكتب، دون ننفي وجود عناصر هنا وهناك تسعى لتحقيق ما نسعى إليه، لاسيما في مجالات فلسفية على وجه الخصوص.

ويبقى الحديث عن هذه البيئة الإنتاجية الفيلمية الوثائقية على وجه الخصوص، والثقافية ككل، مقدمة جوهرية وأساسية، إن نحن أردنا كتابة أعمال لها قيمتها الفنية والجمالية. بل من الصعب تحقيق نوع من الاستمرارية والمساهمة في تطوير قدرات هذا المتلقي العربي على وجه الخصوص، خارج شرط  الجماليات الثقافية، والتي نعتبرها "منقذة" ودالة على كتابات فيلمية سينمائية روائية ووثائقية نحن في أمس الحاجة إليها بهدف بناء الذائقة المنشودة.
 

إعلان
المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان