مؤسسة التلفزيون واستدعاء الرأي العام

كريم بابا – المغرب
تعتبر الصورة من بين العناصر الحاسمة في تفوق فنون العرض على باقي الفنون الأخرى، وقدرتها الكبيرة على مؤانسة الإنسان ومرافقته عبر التاريخ، نظرا لما تمتلكه من قدرة رمزية على الإقناع وفرض اختياراتها على باقي الأجناس والآداب الأخرى، زد على ذلك ما حققته الصورة الإعلامية في السنين الأخيرة من تطور في أدوات إنتاجها، لتصبح بذلك "الصورة الوسيط الأكثر قوة وشيوعا في العالم المعاصر نظرا لما تتيحه من إمكانيات لا متناهية للتواصل والدعاية، ومن وسائل لا محدودة للتأثير في الرأي العام، خاصة لما تحقق لها من طفرات تكنولوجية وعلى رأسها الطفرة الرقمية".
وتأتي الإنتاجات التلفزيونية من مسلسلات وأفلام وأعمال الدعاية والإشهار المصورة في مقدمة الاختيارات المفضلة، في الغالب، لدى الجمهور، كان المتنفس الرئيس للأفلام الوثائقية على مستوى العلاقة مع جماهير المشاهدين العروض الخاصة والنوادي السينمائية والعروض التلفزيونية المحلية، إضافة إلى المهرجانات السينمائية المتخصصة في الأفلام الوثائقية أو المهرجانات التي تجمع ما بين النوعين، الروائي الوثائقي". ص 151. نظرا لدورها الكبير في التواصل مع فئة عريضة من الجماهير، بعدما تغير مفهوم ودور الدراما القديم، حينما كان لها "في المجتمع القديم بعض المهام الموجبة مثل: الاحتفال بأحداث ومناسبات، وفصل العالم الاجتماعي عن الطبيعي، وتوفير طقوس الانتقال من مرحلة إلى أخرى في زمن الإنسان والجماعة، وإبراز بعض "العيوب" الكامنة في المحيط الاجتماعي … إلخ، فإن وظائف دراما الاتصال انحصرت بشكل واضح في المجتمع المعاصر، وأصبحت الجوانب السالبة بالتالي هي الفاعلة". كما تحول الأمر من مسألتي التواصل والترفيه إلى أهداف أخرى خفية وأحيانا كثيرة مخالفة لما هو ظاهر، خاصة في حالة الدول التي لها تاريخ كبير في توجيه مؤسسة الدراما، بمختلف أدواتها السمعية-البصرية والمسموعة، لخدمة أهداف وغايات أخرى. على اعتبار أن "التلفاز وسيلة لامتلاك العالم الحسي بكيفية ترضي جميع الحواس، وطريقة لامتلاك الحلم خالية من الحلم Dreamless dream، فلا يبقى مكان للخيال من شدة إمطار المشاهد بالإشارات والرسائل المرئية، ومن خلال استباق انتظاراته، وهو ما لا يترك مجالا لتصور العالم على غير ما تقدمه المواد التلفزية". ونجد في هذا السياق التجربة الأمريكية في القرن العشرين، حيث "كشفت حرب الفيتنام عن الدور الذي يمكن أن يمارسه الإعلام، وبشكل خاص الكاميرا والسينما والتلفزيون، في تشكيل الرأي العام الأمريكي، وبالتالي تضليله، وممارسة أسلوب إخفاء الحقائق أو إبدالها أو تزويرها".
ويدخل ضمن تلك الوسائل ما تنشره وتبثه القنوات التلفزيونية، سواء كان ذلك مادة إخبارية بحتة أم إنتاج درامي تلفزيوني، أم برامج وأفلام وثائقية، نظرا لأن أهم الأعمال الجماهيرية تمر عبر الشاشة الصغرى. "فوسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية تتزاوج فيها الكلمة والصورة إعطاء صورة معينة عن حالة ما تنطبع في ذهن الآخر. فنحن نعيش اليوم ثورة في التكنولوجية المعلوماتية وبوسائل الاتصال والتواصل مما يدفع بالدول المتقدمة الغربية باستغلال هذه الثورة المعلوماتية لشن الحروب المعرفية على دول العالم الثالث الغنية بالثروات الطبيعية وخاصةً الدول العربية والإسلامية، وتحاول أن تُـكَوِّنَ أمام الرأي العام الخارجي صور نمطية عن العرب والمسلمين تسمى بالصورة النمطية الغير القابلة للتبدل stéréotype وتكون في معظم أوقاتها مغالطة للواقع".
ويعتبر التلفاز من الوسائل المؤثرة والفاعلة في ذهنية وسلوك المشاهد أيضا، لما يتميز به من خصائص "عائلية" قد لا تتوفر لغيره من وسائل الإعلام الأخرى، بما في ذلك السينما التي تشترك مع معه في الدعامة السمعية-البصرية. فالناس "ينظرون إلى الأحداث على الشاشة بالضبط كما ينظرون إلى الأحداث اليومية ويعتبرون الفلم قناة تعيد إنتاج الواقع لا غير".
![]() |
