صالات السينما الأوروبية

من الأقبية المظلمة إلى المجمعات الترفيهية الكبيرة
عدنان حسين أحمد

تعددت تسميات الصالة السينمائية في كل من أميركا الشمالية وأوروبا على وجه التحديد وتوزعت بين توصيفات مختلفة مثل الـ "موفي ثياتر" و "الموفي هاوس"، و "الموفي بالاص"، و "السينما" و "الفيلم هاوس" و "الفيلم ثياتر" و "البكتشر هاوس" وما إلى ذلك لكنها لا تخرج جميعاً عن المعنى المحدد الذي يعني "المكان الذي يُعرَض فيه الفيلم السينمائي". ونظراً للظلام الدامس الذي يخيّم على مكان عرض الفيلم فقد وصفه بعض الناس بالـ "Fleapit" أو "تجويف البراغيث" في إشارة واضحة إلى حدة الظلام المُطبق على هذا المكان الذي يتوفر في حقيقة الأمر على "ظلمة ساحرة" أسَرَتْ الألباب منذ قرن وعقدين من السنوات ولا تزال تستقطب الملايين من الناس في مختلف أرجاء العالم.
وبغية تسليط الضوء على هذه الأمكنة الساحرة فعلاً لا بد لنا من التوقف عند بعض المراحل التاريخية التي تضمنت تطوراً ملحوظاً في بعض الجوانب التقنية. ففي 28 ديسمبر 1895 تمكن الأخوَان لوميير من تقديم أول عرض سينماتوغرافي في قبو الغراند كافيه بباريس وذلك بعد اختراعهما لأول جهاز يتمكن من عرض صور متحركة على الشاشة في 13 فبراير من العام ذاته.
إن ما يهمنا في هذا المضمار على وجه التحديد هو "القبو" بوصفه مكاناً للعرض السينمائي. وهذا يعني أن أي مكان مظلم كان يصلح أن يكون حيزاً للعروض السينمائية الصامتة آنذاك. لا شك في أن دراسة الصالات السينمائية في العالم برمته تأخذ مناحي عدة، فهناك مَنْ يركِّز على التقنيات التي أفضت إلى تغييرات جذرية في هندسة الصالة وطرق بنائها، كما يفعل كاتب هذه السطور، وهناك مَنْ يدرس تاريخ الصالات السينمائية وأساليب تطورها اعتمادا على الجوانب المعمارية التي تتناغم مع روح العصر الذي تعيشه كل حقبة زمنية على انفراد.
وعلى الرغم من أن المقاربتين معقولتان علمياً إلاّ أنني أميل لدراسة تطور الصالات السينمائية في العالم اعتمادا على التطورات التقنية التي تفرض تغييراً هائلاً لشكل الصالات تماماً كما حصل في النقلة النوعية لهذه الأمكنة بعد ظهور سينما الأبعاد الثلاثية والرباعية والخماسية وما إلى ذلك، فهذا النمط من الأفلام استدعى تغيير الفضاء الداخلي للصالة برمتها بدءاً بالكراسي، مروراً بالتقنيات السمعية والبصرية، وانتهاءً بالمُشاهد الذي أصبح جزءاً فاعلاً ومشاركاً في صناعة الحدث السينمائي، فلم يعد متلقياً سلبياً فقط، وإنما أصبح مشاركاً عضوياً وفاعلاً في العملية الإبداعية.
إذاً، كانت الصالات السينمائية في عصر السينما الصامتة الذي امتد منذ أواخر عام 1895 وحتى عام 1927 على شكل أقبية أو غرف مظلمة صغيرة أخذت تتوسع رويداً رويدا كلما استقطبت السينما جمهوراً جديداً بدأ يتزايد مع التطورات التقنية لهذا الفن الذي أذهل الناس في مراحل اكتشافه الأولى، ولا يزال يذهل المشاهدين بشكل متواصل.
عُرض في السادس من أكتوبر عام 1927 فيلم "مغني الجاز" للمخرج الأميركي آلان كروسلاند، وهو أول فيلم ناطق تتحدث فيه الشخصيات جاذبة أعداداً غفيرة من المشاهدين إلى هذه الصالات الساحرة التي بدأت تتوسع بما يتناسب مع التطورات التقنية التي قرّبت الممثلين من حياتهم الواقعية التي يتحركون فيها، ويتحدثون معبِّرين عن مشاعرهم وأحاسيسهم الداخلية التي أضفى عليها الصوت مصداقية جديدة.

كامل المقال

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان