فلاهرتي: من الانبهار بالإنسان إلى الافتتان بالآلة

تمثّل سينما روبار فلاهرتي (Robert Flaherty) مدونة قائمة الذّات، كثيرا ما قارنها المعنيون بالشّأن السّينمائي بمنجز السوفييتي دزيقا فرتوف لالتقائها معها في الرّيادة والعمق والبحث الجمالي المبتكر الذي يتغنّى بإنسانية الإنسان. ولا غرابة في ذلك فهي سينما النبض الإنساني المتجليّ من خلال وسائط بصرية مبتكرة. وهذا ما جعلها مقصدا للباحثين في السبل التي سلكها الفيلم الوثائقي و مدارسه المؤسسة ومناهجه المميزة… لهذه المقومات جميعا أضحى البحث في إنشائية أفلامه عملا متعدّد المشارب بالضرورة. فمن شأنه أن يؤرخ للسّينما باعتبار فلاهرتي أحد روادها ويضبط خصائص جماليتها وأثر منجزه في نشأة بعض اتجاهاتها ومقارباتها. ومن شأن هذا البحث في الآن نفسه أن ويؤرخ لتجربة صاحبها لما فيها من طرح فكريّ عميق.
ولمّا كان منجز فلاهرتي غزيرا متنوعا آثرنا أن نقصر دراستنا هذه على مجموعة من أفلامه هي  "نانوك الإسكيمو"  NANOUK L’ESQUIMAU  (Nanook of the North)64′ – 1922 و"رجل من آران"   L’HOMME D’ARAN 73′ – 1934 و"حكاية لويزيانا"  LOUISIANA STORY 81′ –  1948 لقدرتها على اختزال عامة تجربة الرجل ولما بينها من تواصل ونقاط التقاء تساعدنا على رصد تطور تجربته. على أنّ بحثنا هذا لا يكتسب مسوّغه العلميّ – وقد عرض الباحثون لسينما فلاهرتي وأمعنوا النّظر في خصائص إنشائيتها واحتمالات معانيها الكامنة – ما لم تمثّـل تقييما جديدا لهذا المنجز ومقترحا لتدبّره تدبّرا مختلفا يعمل على القبض على المنفلت من التّجربة وعلى مراجعة ما غدا من المسلّمات في قراءتها.

1) "نانوك" و"رجل من آران" أو شرف الإنسان في مقارعة الطّبيعة الجبّارة
أ) عفوية الصورة عنوانا لذهول المخرج أمام عظمة الطبيعة:
ترد الصّورة في "نانوك" مأخوذة بسحر البياض وعالم الثّلج وهي ترصد نانوك يشق – على ظهر زورقه – المياه المتجمّدة أو يبني مثلجة أو يصيد فقمة أو يواجه عاصفة ثلجية. ورغم بعدها عن كل تعقيد تشكيليّ تستمد هذه الصورة وهجها من تباين البياض مع الأجسام السابحة فيه مكرّسة فضاءً نهما يعمل باستمرار على احتواء الكائنات وابتلاعها حتى يكاد بياضه يمحو كل يوجد حوله فيتخذ معنى الفراغ والفناء والعدم. وحتى يقي نفسه من هذا العدم، يجعل الإسكيمو حياته جهدا مستمرا من أجل البقاء وذوبا في الآخر وانصهارا في روح الجماعة فتتآزر الأسرة وتعمل بروح واحدة بعيدا عن كل مظاهر الأنانيّة الفردانيّة.
ولئن تحوّل الوسط، في "رجل من آران" من الثّلج إلى الماء فإن القانون المشكّل للفضاء يظلّ هو نفسه: لطف وحنو يسودان الدّاخل من جهة. ويسمان العلاقات بين قطّان المنزل بحميميّة وألفة، وإن كانوا من الحيوانات. فيجعل فلاهرتي عبر مجاز بصري عطف العائلة على رضيعها نظيرا لعطفها على دجاجاتها ودوابها، وعنفٌ وشدّة يحكمان علاقة هؤلاء بالمحيط الخارجي من جهة ثانية.  فيشتدّ ارتطام الموج الهادر بالشاطئ الصخريّ الذي يُفني جهد الزوج في محاولة استصلاحه بكسر حجارته ويُشقي الزوجة التي تعمل على تسميده بما يلقي الموج من الطّحالب.
ترسّخ القسوة الفضاء هذه فكرة عظمة الطبيعة وجبروتها ولكنها تجعل بالمقابل حياة الإنسان نضالا مستمرا من أجل البقاء فتمنحها قيمتها المضافة وتجعل من كلّ لحظة منها انتصارا على الموت وعلى تسلّط الطبيعة وغطرستها.

كامل المقال

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان