فان دركوكن: فيلسوف الوثائقي ومفجر الواقع بالسينما

مقاربة نظرية و تنظييرية للمشهد
عبد الكريم قابوس

في عشق سينما يوهان فان در كوكن
يقولون في هولندا أن الله خلق العالم و الهولنديوون خلقوا هولندا وهنا عندما نتكلم عن هولندا نعني المجموعة الثقافية واللغوية النيرلاندية في هولندا و بلجيكا.
اكتشفت هذه الثقافة عندما كنت أبحث عن جذوري التونسية بحثا عن صورة الحسن الحفصي في لوحة شهيرة للرسام العبقري روبنس أخذها عن الرسام فرمييان الذي اصطحب شارلوكان عندما احتل تونس عام 1535 ووجدتها في كنيسة جميلة.
ومن يومها أصبحت مهووسا بالفن النييارلندي من الخزف بمدينة دلفت التي أزورها دوما إلى الرسم النييارلندي وخاصة تلك اللوحة الرائعة لفان أيك الممهورة الخروف المتصوف في مدينة غانت أو موسيقى الكلافسان بمدينة مالين أين عاش بتهوفن وفن الزرابي بورشة دي ويت وخاصة المجموعة الهائلة من الزرابي  ذات الأحجام الخيالية والتي وثقت بالصورة غزو تونس وهي الآن في القصر الملكي بإشبيليا .
لكن ما شدني للثقافة النييرلاندية هما مبدعان: الفيلسوف  سبينوزا والسينمائي يوهان فان دركوكن .
الأول فيلسوف لا تغادرني كتبه حتى في القيض في الصحراء والتي وضعتها على الأيباد خاصة أنه يربط بين البصر والأبصار.
عاش سبينوزا يدرّس الفلسفة وهو يلمّع مساحات العدسات ويداه في الماء البارد يحكّ كل الوقت بغبار المرمر وتأخذ منه العدسة ثلاثة أشهر و يوهان فان دركوكن الذي يلمّع المشهد بدقة وتأخذ منه السينما حياته كاملة. كم تحدثت مع يوهان فان دركوكن عن سبينوزا وكم علّمني فلسفة المرّان أي يهود أمستردام الذين فرّوا من الأندلس وحاربهم المتشددون لأن يهوديتهم نصفها إسلام.
إن كان الله خلق الدنيا و الهولنديين خلقوا هولندا و سبينوزا خلق طريقة في الأبصار بالفكر فأن يوهان فان دركوكن خلق معنى لتيه البصر ولذك يلقب بمغامر النظر.
يقولون عنه أنه المخرج الفاقد " للصفاء" أي انه أحادي المنهج، يمارس مزج الأساليب، عنيد وجسور بهدوء عندما يدافع عن آراءه، ولما يبادر في معالجة موضوع ما  يقوم كالرسام بتحديد أطره ومفرداته للأوضاع التي يتابعها وهو كسبينوزا يلمّع البصر حتى ينفذ إلى البصيرة.
يلخص في الجملة الآتية منهجه:
" هل لنا حق التدخل في الواقع؟ إن أسئلة الأخلاق أوسع من التساؤل وإننا لا نعترف بدور المونتاج، أو أننا نصور بدون توقف، و لا نأخذ مواقف، يدّعون أنه عندما لا يتدخل المخرج في المشهد هو إنسان و مخرج مستقيم أخلاقيا.. إن كانت الأمور هكذا فأنا ضد الأخلاق… ولماذا يفرض على المخرج الوثائقي أن يكون أخلاقيا في حين أن المخرج الروائي له الحق في الاغتيال و القتل والاغتصاب في أفلامه وكأنه كتب على المخرج الوثائقي أن يتحلى بالأخلاق قبل أن يعكس الواقع . هذا أمر غير مقبول"
ثم يضيف :" أنا أصور أساسا على مسافة تمكنني لمس من أصور ويلمسني وله الحق في رفض المشهد"

كامل المقال

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان