علي بدر خان: حوار حول تجربته الوثائقية

• سأبدأ هذا الحوار بسؤال فلسفي: الكثير من الناس يعتقدون أن الفيلم الوثائقي يقول الحقيقة، فهل فعلا الوثائقي يقول الحقيقة؟
هناك نوع من الوثائقي اسمه سينما الحقيقة، وهو يقوم على تصوير الحدث عبر كاميرا مخفية، والناس الذين يتم تصويرهم لا يعرفون أنهم يُصوَّرون، وهذه نوعية خاصة من الفيلم التسجيلي، لكن حتى هذا الفيلم التسجيلي لا بد أن تكون له وجهة نظر يمكن البرهنة عليها، لأنه بعد القيام بالأبحاث وتجميع المادة ومقابلة الناس تتشكل وجهة النظر، وعند تنفيذ الفيلم ومع بداية كتابة السيناريو يتم اختيار المادة المتوفرة التي تدلل على وجهة النظر تلك التي تشكلت واقتنعنا بها بعد البحث الذي حدد رؤية معينة نريد أن يستوعبها الجمهور وتؤثر فيه وبناء عليها يتخذ موقفا ما، وهذا الموقف أنا الذي حددته مسبقا.
• إذا أرّخنا لفترة 60 سنة من الفيلم الوثائقي في العالم العربي سنجد أنه حتى بعد سبعينات القرن الماضي كل الوثائقيات كانت مرتبطة بزعيم الدولة فكانت تقول الحقيقة التي كانت الدولة تريدها أن تُقال، ثم جاءت التجارب الفردية الحرة التي كانت على ياسر الدولة فصارت تطرح مواضيع أخرى كالسجون وغيرها، وفي هذا الإطار بالذات يأتي السؤال أين تكمن قوة إبداع الوثائقي هل في الموضوع أم في الرؤية الجمالية الفنية؟
سأتكلم عن قناعاتي الخاصة، أنا أرى أن الفيلم التسجيلي ليس مجرد تسجيل للأشياء بل هو تسجيل للأشياء باختيار، وهذا الاختيار يبدأ بجمع المادة وإعداد اللقاءات ثم وضع الفكرة الأساسية ثم النظر في تلك المادة وتحديد العناصر التي ستحقق تلك الرؤية أما بقية المادة فلا ألتزم بها، بعد ذلك أصوغ تلك المادة المختارة ضمن معالجة يجب أن تحقق أمرين: تحقيق الفكرة الأساسية للفيلم وإثارة اهتمام المشاهد حتى تتركه متابعا ومهتما بالموضوع فتصل الرسالة إليه بشكل سهل وجميل.
• هل تقصد أنك تصوغها في جملة سينمائية؟
نعم هي صياغة بلغة سينمائية تبدأ من أول الكتابة، لكن هناك من يقول إنه عند تحديد موضوع الفيلم يمكن البدأ في التصوير كلما سنحت الفرصة ثم يقوم المونتاج بالباقي وهذه نظرية طبقها السينمائي الأنجليزي ألفريد هيتشكوك مثلا، لكني شخصيا أستغرب هذه الفكرة فهي كمثل الموسيقي الذي يريد تأليف قطعة موسيقية من خلال فرقة تعزف الموسيقى، أنا أرى أنه يجب البحث عن الفكرة ثم تحديد مكوناتها ثم البحث عن عناصر الجذب فيها، علما أن عناصر الجذب تعتمد على الدراما وعلى الصراع، ولأننا أمام أحداث واقعية لا خيالية فإنه يجب البحث في تلك الأحداث عن الواقع الذي يصور الصراع أو الدراما، والصراع موجود في كل شيء فحتى صياد السمك يعيش صراعا من أجل صيد السمك لإعالة أسرته، فإذا لم يصطد سمكا سيجوع، وهذا خط للصراع.
• هناك مصطلح في علم الاجتماع المعاصر يسمى "الخيال الاجتماعي" وهو يعني أن الجماعات البشرية تصنع خيالها الخاص بها ولكنها تعتبره واقعا معيشا وهذا يتطابق مع مفهوم الدراما أو الصراع الذي يحول الخيال واقعا، فما هو رأيك؟
الصراع يمكن تصوره في كل شيء ففي حالة شخص مريض بمرض الرعاش مثلا يحاول هذا الشخص شرب كأس من الماء لذلك فإن يده سترتجف وهي تحاول الإمساك بالكأس أو شرب الماء لكنه قد يفشل وقد يريق الماء من الكأس وهذا صراع. أنا في أفلامي لا أؤلف قصص صراع لكنني أبحث فيها عن حكاية الشرير والطيب أي عن الصراع تحديدا، وكما أن هناك صراع الإنسان هناك أيضا صراع الحيوان والطبيعة عموما فهناك أفلام تسجيلية عن الحيوانات التي يسيء أصحابها معاملتها أو يحملها أكثر من طاقتها أو يقلل من أكلها أو يضربها.
![]() |
