جماليات الفكرة في الفيلم الوثائقي

لقد أضحى الفيلم الوثائقي اليوم، شكلا فنيا/بصريا، قادرا على منافسة، بل تجاوز فعل وانتظارات من يشتغل في مجال الفيلم الروائي، وذلك راجع إلى طبيعة ما يطرح فيه من قصص واقعية لا تخلو من حس إبداعي وإنساني. قصص هي اليوم، تجر العديد من فئات مجتمعاتنا البشرية داخل ما يسمى بهذه القرية الصغيرة، لتحقيق المزيد من متعة التلقي. وقد تزداد الأمور أهمية حينما يتعلق الأمر بمجتمعاتنا العربية، الباحثة عن بر الأمان، في ظل ما تعيش اليوم من أحداث ورغبة قوية، في تحولات نافعة ومفيدة لكل بنياتنا الفكرية والتربوية والروحية والاجتماعية والسياسية والفنية.
في ظل هذا القول، من الممكن أيضا تسجيل ازدياد الاهتمام بالفيلم الوثائقي من لدن العديد من مكونات مجتمعاتنا العربية سواء من بيدهم القرار الإعلامي أو الثقافي، أو من طرف من "يتلقى" هذه القرارات.
إن الحديث عن كيفية إنجاز فيلم وثائقي، حديث نحن في أمس الحاجة إليه، في ظل ازدياد الاهتمام بالفيلم الوثائقي من طرف العديد من مكونات المهتمين بهذا الشكل البصري والتعبيري والفني والثقافي والجمالي( شركات إنتاج، مهرجانات وتلفزيونات مختصة في هذا النوع، مدارس وتكوينات متعددة تهتم بالفيلم الوثائقي الخ). من هنا وجب طرح السؤال النوعي، كيف ننجز فيلما وثائقيا؟.
علمية السؤال ؟
إن طرح السؤال، في أي معرفة كانت أو أي مهنة، مفاده الرغبة في "التلبس" بالعلم، أي بناء الممارسة الثقافية والمهنية والجمالية، على روح المساءلة العلمية التي من الممكن أن تبعدنا عن"الفوضوية"، والتعامل اللامهني/اللاعلمي، الممارس في الكثير من الأحيان في مجال إنجاز الفيلم الوثائقي. إن طرح سؤال كعنوان مؤطر لهذا الموضوع/المادة، التوثيقية المساعدة في توفير خارطة طريق لإنجاز فيلم وثائقي، طرح سيقدم خدمة نوعية ومفيدة لمن يتحرك ويشتغل ويكتب ويؤرخ ويوثق بالفيلم الوثائقي.
طرح هذا السؤال، هو أيضا ينهض على رؤية تتغيا، إيجاد قواسم مشتركة وبنية معجمية مهنية، على الأقل تحدد الحد الأدنى مما ينبغي امتلاكه، دون الرغبة في خلق آليات نمطية وجاهزة وقابلة للتنفيذ من طرف أي كان، مع العلم أن هامش الرؤى الإبداعية، هامش يشكل جوهر الرؤية الإنجازية / الرؤيوية، وإلا أين هي بصمة كل من يشتغل في هذا المجال؟
نحو رؤية جمالية لفكرة الفيلم الوثائقي.
سنحاول في هذه الدراسة، الإمساك ببعض العناصر التي من الممكن أن تساهم في تطوير رؤيتنا للفيلم الوثائقي الذي نراهن عليه اليوم في أن نقول قولنا بلغة جمالية/بصرية، في أفق أن يحتل الفيلم الوثائقي، بعض المساحات الفارغة في مجال السياسة والثقافة والفن والتاريخ الخ.
إن امتلاك التكنولوجيا، بكل تلويناتها، ومكوناتها، لا ولن يعفينا من تعميق أسئلة جمالية تخص كيفية القبض على فكرة، من الممكن أن تكون هي السبب في جعل الفيلم الوثائقي ينجز بشكل ناجح، لاسيما حينما نعمقها بالبحث والدراسة وتوفير كافة الحاجيات. من أجل هذا سنقترح في هذه الدراسة مساهمة نتمنى أن تساهم في خلق لحظة تأمل، في مجموعة من المصادر، الينابيع التي من شأنها مساعدتنا على فكرة لا تخلو من حس جمالي وإنساني وفني وثقافي، فكرة تجرنا كمشاهدين ومستمتعين بما نشاهد، حتى ولو، وكلعبة فنية"ألغينا" صوت الفيلم، لأننا هنا سنشاهد حدوثة فنية وجمالية، فرجتها مضمونة، مهما اختلفت زوايا النظر والتلقي وطبيعة المتلقي ومرجعياته الدينية واللغوية والثقافية والسياسية الخ.
جدوى فكرة الفكرة في الفيلم الوثائقي.
إن الاشتغال على فكرة محددة في فيلم وثائقي ما، من شأنه أن يساهم في كوننا من الممكن التحكم في المحكي الذي سنحكيه. هل من الممكن ألا نحكي أي فكرة في فيلم وثائقي ما؟.
سؤال لا يخلو من حس فلسفي، من الممكن أن ندخل هذا في باب من أبواب الارتجالية الفيلمية الوثائقية، قد تجد من يتلقاها، لكن لنتذكر أن الفرجة ينبغي أن تكون لأكبر عدد ممكن من المشاهدين، وإلا فإننا سنصنع أفلاما لثلة من المهووسين بتكسير الموجود من أجل لاشيء، مع العلم أن هدم الشيء من أجل البحث، عما هو "أفضل"، ضرورة نقدية، ولكن الهدم دون ذلك قد يدخلنا في التيه.
من هذا المنطلق تأتي"شرعية" وجدوى البحث عن فكرة خلاقة، قادرة على تحقيق متعة التلقي لدى مشاهد"مجروح"، بثقل الواقع وهمومه، باحثة عن لذة بصرية، جامعة بين الأم وابنها وبين المثقف وغيره، وبين الشاب والكهل الخ، في زمن نتنازع فيه على آلة التحكم الخاصة بالتلفاز، حينما نكون في بيوتنا، وحتى على مستوى ما نشاهد في دور السينما، في زمن تتهاوى فيه هذه الدور، تاركة المكان للغة العقار والأرباح…نحو مدن إسمنتية الله وحده يعلم كيف تصير حينما ينتهي عمرها الافتراضي الإسمنتي
إن إنجاز فيلم وثائقي، إنجاز مرهون أساسا، بطبيعة الفكرة التي ينبغي "القبض" عليها. من الممكن هنا تقديم مجموعة من المرجعيات التي كلما اقتربنا منها، كلما تقوت إبداعية الفكرة. الأهم، هنا، هو وضعها رهن إشارة القارئ، بشكل عام، ومن يشتغل في مجال الفيلم الوثائقي بشكل خاص. نقول هذا الكلام ونحن نعي قيمة فكرة الفكرة في الفيلم الوثائقي.
إن "الحدوثة" الفيلمية الوثائقية، ك"حدوثة" مثيرة وجاذبة للانتباه، لا يمكن أن تحقق وظيفتها الإبداعية بمعزل عن فكرة لها قيمة إنسانية، قيمة تجعل الفيلم الوثائقي قادر على مواجهة لغة المحو التي تدخل العديد من الأفلام، في خانة الاستهلاك المباشر اليومي. ما الذي يعطي لعمل فني ما، قدرة البقاء، والتداول، وتوليد كتابة ثانية على هامش الكتابة الأولى؟.
من أجل هذا سنحاول تقديم ما يمكن تسميته، حقول فكرة الإبداع الفيلمي الوثائقي، ونقصد بهذا تلك المجالات التي هي دوما مفتوحة لنا لكي تمدنا بفكرة لها ميزتها وقيمتها الإبداعية، بل هي السند الأول للمضي في اتجاه تحقيق إبداعية الفيلم الوثائقي، خصوصا حينما نتملك القدرة على تعميق أبداعية الفكرة بإبداعية الأدوات والوسائل التي تخرج الفكرة من مجالها/حقلها هذا لكي ننجزها بشكل يسمح بتلقيها وفق شروط إبداعية/جمالية مولدة لمتعة التلقي.
![]() |
