هل يتحرر الفيلم الوثائقي بعد الربيع العربي ؟

رافقت وسائل الإعلام الجديدة، خاصة الوسائط الاجتماعية منها كالفايسبوك واليوتوب، الثورات العربية التي عرفتها مُعظم الأقطار العربية باعتبارها مستقلة وغير خاضعة للرقابة المباشرة. فلقد كان لها تأثير كبير على تحريك الشعوب ضد الاستبداد وتشجيعها على المواجهة. وكان للهاتف الجوال موقعه في هذه الثورات والمساهمة فيها بشكل فعال بحيث حملت إلى العالم بالصوت والصورة تفاصيل الأحداث وأحيانا كثيرة مباشرة وهو ما خلق أجواء جديدة خاصة مع وجود أيضا قنوات فضائية عربية وغربية عالمية تبث ما يصلها منها لتكتمل دائرة الإعلام والاتصال.
التحفت أسماء قليلة جدا من بعض السينمائيين في تلك الأقطار المُنتفضة بشعوبها لكي تؤرخ للحظة التاريخية للثورات حيث تسجل ما يجري حولها، ومحاولة مُحاورة الشباب الذي قادها، ومدى انفعالها مع الانتصارات التي تحققت. لكننا، لا يمكن القول بأن أولئك السينمائيين أنجزوا أفلاما وثائقية بقدر ما هي تسجيلية تتحول إلى وثائق يمكن الاشتغال عليها في ما بعد ضمن التفكير السينمائي الوثائقي بمسافة تاريخية تسمح بالتفكير والمناقشة والتساؤل حول معطياتها وإنجازاتها وانكساراتها لنشاهد فيلما وثائقيا حقيقيا كنص مفتوح للنقاش ثم للفهم.
أما الأفلام التي أُنجزت لحد الساعة حول الثورات العربية الحديثة فهي روبورطاجات أو في أحسن تقدير صيغ أولية كأساس للعمل المستقبلي أكثر عمقا في مضمونها وشكلها السينمائي. لا يعني هذا أننا ننقص من قيمتها بل هي ثمينة في بعدها التاريخي. المطلوب هو معالجتها فنيا باستحضار السينما لكونها أفلام سينمائية من جهة، ومن جهة أخرى الاعتناء بقراءة المعطيات ضمن منطق الصورة المُتعارف عليه في لغة السينما. فقد اعتمدت كثير من تلك الأفلام على صور ولقطات الهواتف النقالة المبثوثة بعد ذلك على اليوتوب والفايسبوك، غالبيتها في حالة سيئة وغير واضحة أو مرئية لكونها تم تصويرها خفية وبسرعة أحيانا. ونجزم في حالات كثيرة بأنها صور "مسروقة" من عين المراقب والبوليس والعسكر بفضل ما أتاحه التطور التكنولوجي للهواتف النقالة.
وعليه، فتلك الصور "المسروقة" جميلة في بعدها الاجتماعي والحقوقي، تستحق الدراسة خاصة ضمن فيلم وثائقي يعيد قراءتها. ولا يمكن أن تكون بديلا سينمائيا لذا نقول بأن جميع الأفلام المُنجزة لحد الآن ما هي إلا ردود فعل فرضها الواقع حينها بالسرعة التي تطلبتها الثورات وليس إقلالا من قيمتها. فربما شاهد الجميع كيف تم الاعتماد على صور ولقطات ومشاهد من الحرب الأمريكية على الفيتنام لإنجاز في ما بعد أفلام وثائقية تقرأ فيها التاريخ السياسي والاقتصادي والإيديولوجي للمرحلة التاريخية التي امتدت فيها الحرب وتأثيرها على العالم. إن للمسافة الزمنية فعلها العلمي، يسري أيضا على الفيلم الوثائقي بالأساس وليس كالفيلم الروائي الذي يسمح للخيال والتخيل بتكسير كل الحواجز وقبول جميع الافتراضات بل عدم أخذها مأخذ الجد.
وتشاء الصدفة أن تخدم الثورات بعض الأفلام التي كانت في طور الإنجاز قبل اندلاعها. وكأنها كانت معها على الموعد. أذكر على سبيل المثال الفيلم المصري الذي يحمل عنوان "ممنوع" للمخرجة المصرية الشابة أمل رمسيس. كانت المخرجة تصور فيلمها منذ سنة بشكل سري وبدون رخصة من السلطات باعتمادها على كاميرا صغيرة مخفية تجول بها في مختلف الأمكنة بمصر راصدة الممنوعات في ذلك البلد الذي كان يديره حسني مبارك ومن معه بيد من حديد. فالممنوعات تمس جميع نواحي الحياة العمومية والخاصة، وفي جميع المجالات الاجتماعية والثقافية والفنية، لتكون الصور والمشاهد الأخيرة في الفيلم هي الثورة الشعبية. وكأن تلك الثورة هي الجواب على ما جاء في الفيلم منذ بدايته ونتيجة له، بمعنى أن تراكم كل الممنوعات ـ التي تطرقت إليها المخرجة دون أن تكون على علم بما سيجري وسيحدث ـ أنجزت ضغطا جماهيريا أدى إلى الثورة. إن موعد الثورة مع الفيلم في نهايته هي صدفة جميلة واستثنائية أعطت له قوة معنوية لم تكن تنتظرها المخرجة فكان الفيلم أفضل إنتاج يستجيب للمرحلة وأفضل فيلم للثورة.
إن الأفلام المُلتزمة، إن صح التعبير، ليست وليدة الثورات العربية الأخيرة بل كانت موجودة رغم قلتها سواء في الأقطار المغاربية أو في أقطار المشرق المُنتجة للسينما. إلا أن هناك فروقا شاسعة في تناولها بين هذين الشقين من الخريطة العربية بحكم وجود هامش من الحرية ولو طفيف في الأقطار المغاربية.
إذا توقفنا عند أقدم بلد عربي منتجا للسينما وهو مصر فإننا نلاحظ ضعفه الصارخ حيث كان التبرير هو تبعية السينما للقطاع العام، يعني للدولة مباشرة التي لم تفسح المجال للفيلم المستقل. ولكن هذه الظاهرة لم تغب عند " تحرير" السينما ووضعها بيد القطاع الخاص الذي جعل منها مقاولة للمتاجرة بها مثل أي سلعة تجارية أخرى دون مراعاة خصوصية الفن السينمائي فانهارت السينما المصرية ونزلت إلى الحضيض أكثر مما كانت عليه في الزمن الماضي. وهكذا انتقلت السينما من يد السلطة السياسية المباشرة إلى سلطة السوق والمال بحجة أن "الجمهور عايز كده".
أما الفيلم الوثائقي المصري فقد تَيَتَمَ أكثر حيث تحول إلى بوق دعائي يصفق للإنجازات السياحية والعمرانية ول"السلام" وغيرها وكأنه فيلم إشهاري غير مُعلن عنه رسميا. نفس الشيء بسوريا إلا أن أسماء قليلة ناضلت ليبقى الفيلم الوثائقي شاهدا على ما يجري في سوريا ومحيطها حتى ولو اقتضى الأمر إنتاج فيلم في خمس سنوات أو أكثر. يبقى لبنان هو البلد المتميز في الشرق الأوسط الذي قدم الكثير للسينما الوثائقية مدعوما بأفلام فلسطينية القاطنة بلبنان قبل رحيلها ومغادرتها بيروت لتغرق في النسيان وكأنها نتيجة لما يعانيه الشعب الفلسطيني نفسه.
أما الأقطار المغاربية، فإن الجزائر هي التي كانت في المقدمة لتتراجع إلى المؤخرة بسبب الوضع السياسي الذي شلها لعقد كامل، تليها تونس. أما المغرب فقد غاب عنها الفيلم الوثائقي بسبب سياسية رسمية ترفض له الوجود إلا مؤخرا، في العقد الحالي. لم يكن الفيلم الوثائقي في الماضي مُعترف به في المغرب رغم محاولات كثيرة ذكية للمخرج الراحل أحمد البوعناني الذي كان يراوغ الرقابة لكونه موضبا، علما أنه كان موظفا بالمؤسسة السينمائية الرسمية المسؤولة عن القطاع السينمائي وهي المركز السينمائي المغربي. فهو كان رائد السينما الوثائقية وحاميها. عانى المخرج الراحل أحمد البوعناني الكثير بسبب الرقابة لكنه يفلح دائما في النهاية. ويُعتبر هذا المخرج مناضل سينمائي وليس مجرد شخص حِرَفي تقني فقط وإنما له وجهة نظر يعبر بها من خلال السينما.
![]() |
