سينما في مواجهة القهر والفساد

الرقابة
في النصف الأول من القرن العشرين، والسينما المصريّة تحبو أولى خطواتها، تحاول أن تحقق قدرًا من النضج، وتشارك في حركة نمو المجتمع المشحون بالأحداث:إنشاء الجامعة، ثورة 19، دستور 23، تأسيس الاقتصاد المصري الحديث (بنك مصر).. إلخ، ظهر فيلم "لاشين" من إنتاج إستديو مصر 1939. الفيلم محاولة لطرح قضيّة الثورة على تسلط الحاكم الفاسد. وتم الفيلم على درجة عاليّة من الحرفيّة السينمائيّة لا تقل عن مثيلاتها في العالم، وكان من المقدر له أن يكون أحد التحف السينمائيّة المصريّة والعالميّة معًا، لولا أن أفسدته الرقابة التي صادرته بحسم قاطع، ولم يشفع تدخل طلعت حرب نفسه "مؤسس ستديو مصر" لتمرير الفيلم. وكان الشرط لتمريره هو تغيير النهاية لتبرئة الحاكم من الظلم والفساد. لم يكن أمام منتج الفيلم إلا الخضوع لقهر الرقابة حتى لا يتعرض لخسارة ماليّة فادحة، وتغيرت النهايّة فجاءت النتيجة مخالفة للمقدمات، وإنهار بناء الفيلم الدرامي وفقد قيمته الفكريّة وإن احتفظ ببعض قيمه الفنيّة (التقنيّة).
ومن قبل، حدث أن حاولت شركة استثمار سينمائيّة فرنسية عام 1926 إنتاج فيلم عن حياة النبي محمد "صلعم" وكان من المقرر أن يقوم يوسف وهبي بدور النبي (صلعم). واجه الفيلم استنكارًا شديدًا من الرأي العام، تدعمه فتوى الأزهر التي تحرّم تشخيص الأنبياء، وما لبث أن تراجع يوسف وهبي عن موافقته على القيام بدور النبي (صلعم)، وتخلت الشركة عن مشروعها.

وكان هذان الحدثين وأحداث أخرى مماثلة بمثابة الدرس القاسي في تاريخ السينما المصريّة، الذي تجرعه السينمائيون المصريون، وأدركوا – وخاصة التجار منهم الذين يخشون على أموالهم – أنه لا مفر لهم إذا أرادو العمل في إنتاج الأفلام السينمائيّة من تجنب معالجة التابوهات الثلاث وهي حسب خطورتها: الدين، السياسة، الجنس.
غير أن السينما المصريّة لم تعدم من وجود سينمائيين وطنيين يؤرقهم طموحهم الفني ومشاعرهم الوطنيّة. حاولوا أن يقدموا ما يُرضي طموحهم ومشاعرهم، بمعالجة أفلام تعمل على إيقاظ الوعي وتسير عكس الإتجاه العام الغارق في تقديم التسليّة الرخيصة. وكانوا في محاولاتهم كالماشي على الجمر، وهم يخترقون المحظورات بقدرٍ أو بآخر.

إعلان

المحاور
ونكتفي في هذه الورقة بتقديم محاولة لوضع خريطة عامة لهذه النوعيّة من الأفلام المصريّة من خلال عدة نماذج دالة وليست شاملة، ولم يوضع في الحُسبان تقويم الفيلم على أٍساس إتفاقه أو مخالفته للنظام الحاكم، وإنما على أٍساس ما يقدمه من أفكار تمثل رؤية تناهض القهر والفساد المجتمعي. ومن ثم نجد من نماذج الأفلام المقدمة ما قد يتناقض مع النظام السياسي المُسيطر (وهي أفلام  محدودة). ومنها ما قد لا يتناقض معه، دون أن يقلل ذلك من قيمته الفنيّة أو الفكريّة. ويمكن أن نحدد هذه الأفلام في ثلاث محاور رئيسيّة وهي: الأول ما يخص الدفاع عن حقوق المرأة، والثاني فضح الفساد المجتمعي، وثالثها ما يُخص إدانة الفساد السياسي.

دفاعًا عن حقوق المرأة
من أوائل الأفلام المصريّة التي نقلت الحداثة (التكنولوجيا) وعبّرت عن التحديث (تغيير القيم) فيلم "زينب" الصامت إخراج محمد كريم 1930، الفيلم مأخوذ عن الرواية التي تحمل نفس العنوان، والتي كتبها محمد حسين هيكل بدافع الحنين إلى وطنه – كما يقول – أثناء بعثته لفرنسا، وجاء الفيلم كما جاءت الرواية بمثابة صرخة مؤلمة في وجه ثقافة التسلط الذكوري – السائد- على مصير المرأة وعدم الاحترام لكيانها الشخصي، فقد ماتت الفتاة الجميلة "زينب" تحت وطأة آلام المرض الذي عانته طويلا بسبب إجبارها على الزواج من رجل آخر غير الذي أحبته خضوعًا لضغط والدها الذي تدعمه التقاليد السائدة.
ونظرًا لاهتمام ثورة 1952 بدور المرأة في المجتمع، وتوسعها في تعليم البنات الذي أصبح مجانيًا ضمن مجانيّة التعليم عامة، نالت قضايا المرأة نصيبا أوفر من الأفلام عما سبق، ظهر منها خمسة أفلام متميزة على الأقل في العقد الأول من الثورة، في مقدمة هذه الأفلام فيلمان لصلاح أبو سيف أولهما "الطريق المسدود" 1958 ويشجب فيه نظرة الرجل للمرأة وإدانته العفويّة لها. و"أنا حرّة" 1959 عن الحريّة التي يجب أن يتمتع الإنسان بها وتساوي بين الرجل والمرأة، والفيلمان على هذا النحو يقدمان في  إطار حقوق المرأة مفاهيم جديدة وجريئة بالنسبة للمجتمع المصري والعربي في حينه وحتى الآن.
ومن هذه المجموعة "دعاء الكروان" بركات 1959 ومن قبله "زينب" محمد كريم 1954، وهو إعادة لفيلمه الصامت سابق الذكر، والفيلمان إدانة صارخة للتقاليد الذكوريّة الأبويّة المُتسلطة، التي تقضي في النهاية على حياة المرأة نفسها. أما فيلم "الأستاذة فاطمة" فطين عبد الوهاب 1952، فيقدم أنموذجًا لكفاءة المرأة التي لا تقل عن كفاءة الرجل من خلال قصة مُحاميّة تنجح في إنقاذ زوجها من التهمة التي كادت أن تلف حول عنقه حبل المشنقة. رغم أن الزوج في البداية كان يسخر منها مرددًا وجهة نظر المجتمع المتدنيّة للمرأة.
ويمكن إضافة فيلم سادس لهذه المجموعة، يُسهم في تحسين صورة المرأة ويرد لها اعتبارها الضائع في مجتمعنا، وهو فيلم "جميلة" يوسف شاهين 1958، الفيلم تحيّة سينمائيّة قويّة لنضال المجاهدة الجزائريّة جميلة بوحريد، وتمجيد لدور المرأة البطولي في تحرير بلدها فضلا عن تبشيعه لعمليات التعذيب الجسدي التي حرّمتها المواثيق الدوليّة. والفيلم على هذا النحو، هو أيضا من الأفلام الوطنيّة المطالبة بتحرير الوطن من الاستعمار وحق الاستقلال وتقرير المصير. 

علي بدر خان

ويطرح فيلم "إمبراطوريّة ميم" حسين كمال 1972، قيمًا جديدة عن تحرر المرأة من القيود التقليديّة البالية ومنها تمتع الأرملة الأم بحق الزواج من جديد الذي لا يرحب به المجتمع التقليدي.
ويعتبر فيلم "الحب الذي كان" علي بدرخان 1973، تحديثًا لقصة فيلم "زينب"، فالفتاة هنا لا تستسلم للتقاليد التي فًرضت عليها زوجًا لا تحبه وتعود الفتاة إلى حبيبها الأول وتطلب الطلاق من زوجها.
ويناقش فيلم "أريد حلا" سعيد مرزوق 1975، حق الزوجة في الطلاق، ويكشف إلى أي حد تتعارض القوانين وقتها مع كفالة المساواة بين الرجال والنساء في التمتع بالحقوق المدنيّة، ويبين الفيلم كيف تؤدي الإجراءات المُعقدة عند طلب المرأة للطلاق إلى إهدار كرامتها.
يقدم الفيلم نموذجًا واضحًا لما يمكن أن يحدثه الفيلم من تأثير في الرأي العام والإسهام في تغيير القيم والقوانين السائدة، حيث كان الفيلم – بقوة معالجته – بمثابة صدمة للمجتمع أثارت صدى واسعًا في مختلف الأوساط الثقافيّة والشعبيّة والدينيّة أيضا، تمتد آثارها حتى الآن… ولا شك أن الفيلم أسهم أيضا في العمل على تعديل قانون الأحوال الشخصيّة الذي جرى فيما بعد (قانون الخـُلع).

كامل المقال

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان