حوار مع المخرج العراقي عامر علوان

من "رجل القصب" إلى رجل المارينز في "وداعا يا بابل"
حوار ندى الأزهري- باريس
في المرة الأولى التي وطئت فيها قدماه ارض بغداد بعد غياب عشرين عاما، شعر كأنه يشاهد فيلما من أفلام الخيال العلمي. تغير المشهد، طغت وجوه أخرى وأسماء جديدة ومظاهر غريبة. وجوه " اللوعة" كما وصفها له صديق مقرب يساري سابق ومؤذن لاحقا. لكن سعادة العودة إلى الوطن طغت على ما عداها.
المخرج العراقي عامر علوان ترك بلاده قبل الغزو الأمريكي، و يقيم في فرنسا منذ ثلاثين عاما. نتعرف في هذا الحوار على بعض من أعماله واهتماماته الفنية، لكن السياسة زجَت بنفسها بالطبع، فما يحدث في العراق وسوريا والثورات…، يجعل من الصعب فك السياسة عن الفن في أي حديث مهما كانت الرغبة مخلصة. لكننا في النهاية بدأنا بطرح الأسئلة تصب في هدف اللقاء الأساسي.
منذ " زمان، رجل القصب" الذي صورته في الأهواز 2003 ما حلً بك وبالعراق؟
أشياء كثيرة! قضيت الفترة في الكتابة السينمائية، باتت لدي عدة سيناريوهات جاهزة. وسمحت لي الإقامة في باريس بالعمل مع مخرجين فرنسيين وبتمثيل بعض الأدوار، كدور صغير في فيلم "فتاة القطار السريع" لاندريه تشيني مع كاترين دونوف. كما أنجزت أكثر من فيلم تسجيلي منها" العراق بين الواقع والخيال" و"وداعا يا بابل" وقمت بإعداد حلقات المسلسل التلفزيوني" سقوط الخلافة العثمانية" لتُخرج سينمائيا. ومؤخرا أديت دور البطولة في فيلم " المغني" لقاسم حول. سأصور قريبا في العراق سيناريو كتبته " أهلا بكم في بيتي"…
إلى الآن لم تنجز سوى فيلم روائي، كان هو الآخر مزجا بين الوثائقي والروائي، هل اتجهت نحو التعبير عبر الوثائقي لصعوبات إنتاجية وتقنية أم حبا في هذا النوع السينمائي؟
– أميل إلى الأفلام الروائية وهي حلمي وطموحي، لكن الأفلام التسجيلية والوثائقية هي المدرسة التي تعلمت فيها هي مجال للإبداع الذي ينتمي للحظة الراهنة دائما. وأحيانا تفرض صعوبة الحصول على موارد مالية بعض الخيارات.
ذكرت الوثائقي والتسجيلي، بتعريفك الخاص كمخرج لهذه النوعية من الأفلام كيف ترى الفرق بينهما؟
الفيلم الوثائقي مبني على أمور آنية تنتمي للحظة، منجز بأسلوب مشابه لإجراء الريبورتاج (التحقيق الصحفي) أكثر منه الأسلوب القائم على التوثيق التاريخي. في التسجيلي أرى الفيلم الذي يتطرق إلى موضوع خارج الزمن، موضوع محدد كالآثار مثلا، الديكتاتورية، الطبيعة وحياة الحيوانات… ثمة فروق تقنية كذلك. ففي الوثائقي تكون طبيعة التصوير سريعة بينما يعتني التسجيلي أكثر باللقطة، باختيار الكادر، ثمة بناء درامي ودراسة للقطة قريب من ذلك المستخدم في الروائي. أيضا يلعب المونتاج دورا أكبر في التسجيلي فقد نصور خمسين ساعة لنختصرها في النهاية إلى ساعة ونصف، فيما قد نكتفي في الوثائقي بخمس ساعات يحولها المونتاج إلى ساعة، هو بالتالي أكثر مناسبة للتلفزيون منه للسينما، أي للاستهلاك السريع.
عملك الأخير " وداعا يا بابل " يقدم وجهة نظر عراقية سينمائية عن الوجود الأمريكي من خلال متابعة جندي أمريكي في العراق ثم بعد عودته إلى نيويورك؟ هل هو أول فيلم عراقي يقوم بذلك؟ كيف جاءتك الفكرة ؟
ربما كنت أول مخرج عراقي يدخل بيت جندي أمريكي سابق. لم تكن تلك فكرتي في البداية. عام 2009، ذهبت للعراق لاختيار أماكن التصوير لسيناريو كتبته، كنت أبحث عن أمريكي ليقوم بدور في الفيلم، لم أرد ممثلا حقيقيا بل شخصا من الواقع، وهذا أمر اكتسبته من السينما التسجيلية. التقيت بالجندي فرانك وأعجبت بحضوره ووقوفه أمام العدسة وعرضت عليه فكرتي بعد أن رأيته مناسبا للدور، بيد أنه كان على وشك العودة نهائيا إلى بلاده. قال لي " قريبا، سأقول وداعا بابل"! حينها جاءتني فكرة الفيلم، وسألته إن كان بإمكاني ملاقاته في نيويورك للتصوير. لم أكن أفكر بانجاز فيلم بهذه الصورة و كان الحدث فيما بعد يفرض نفسه على تسلسل الفيلم، فمثلا حين وصلنا نبأ موت المترجم العراقي، صديق فرانك، قررت مشهد التصوير في غرفة نوم الجندي.
بعض المشاهد صورت في المعسكر الأمريكي، كيف سمحوا لك بالتصوير؟
صورت بعض المشاهد في الخفاء منها المحاضرة ووداع الجنود قبل السفر. التصوير في قصر صدام كان أيضا ممنوعا، لكن الجندي سمح لي بالتصوير وحين حضر المسؤول طلب مني بسرعة التوقف. في الحقيقة شعرت في تلك اللحظة بالإذلال: أنت في مدينتي التي ولدت أنا فيها، وأنت محتل تفتشني مرة واثنتين وثلاث وتعطي الأوامر… لكن، تهون علينا الأمور حين وجود هدف نبيل ورسالة.
هل توصلت إلى التعبير عن النظرة التي أردتها؟
توصل الفيلم إلى قول بعض الحقائق، ولو كانت لدي إمكانيات أكبر لتوصلت إلى حقائق أكثر. لقد تكلم الجندي بطلاقة حين اعتبر ضرب بوش بالحذاء ديمقراطية. ظهرت أيضا طبيعة الاختلاف الحضاري والثقافي بين الأ��ريكي والشرقي، انتماؤهم مبني على معالم معينة كطبيعة البناء، الكوكا كولا… والشرقي يهتم بالنخلة ومجرى الماء… جهل الأمريكي بهذه العادات وعدم احترامها كان ولا يزال، أحد أخطاء التعامل الأمريكي مع الشرق. إن عدم أخذ القيم الثقافية والحضارية بعين الاعتبار أدى إلى فشل سياستهم في العراق وفي العالم العربي.
هل ثمة نظرة استعلائية للجنود لحظتها عند تصويرك للفيلم؟
كانوا متأكدين من أنهم يخدمون البلد, يرفض أي مسؤول فكرة أنه محتل، هو مبشر مصلح لكنه ليس محتلا! استخدمتُ كلمة "مرتزقة" في أحد المشاهد في إشارة إلى نوعية معينة من الجنود الأمريكيين، وذلك أثناء حديثي مع أحد المسؤولين ولكنه رفض تماما الوصف. إجمالا، كانوا مجاملين لطفاء في معظم الوقت.
كيف انتقلت" للغناء في فيلم "المغني"؟ وهل سبق وأديت أدور بطولة؟
كنت ممثلا مسرحيا في العراق قبل مغادرتي، كذلك مثلت في التلفزيون. كلفت من قبل آرتي الفرنسية لإدارة الإنتاج في "المغني" ولهذا رفضت عرض المخرج السابق بالتمثيل، ثم شاءت الظروف أن أقوم بالمهمتين! في الحقيقة، أفضل الوقوف خلف الكاميرا وليس أمامها. لقي الفيلم نجاحا في بعض المهرجانات العربية كوهران مثلا. لقد استفدت من التجربة وأرى أن مهنة الممثل هو عيش الشخصية لا تأديتها بمبالغة. لكنني أترك التقدير والحكم للجمهور.
ما هي باختصار فكرة الفيلم؟
ديكتاتور يحتفل بعيد ميلاده فيدعو مغن ذو شعبية كبيرة ليغني في الحفل. يصل هذا متأخرا بسبب ظروف قاهرة ولمعاقبته، يجبره على الغناء ووجهه للحائط!
صاحب عرض فيلمك" وداعا يا بابل" في أحد التظاهرات الباريسية الأخيرة، عرض أفلام قصيرة من إنتاج اتيليه للسينما في بغداد؟ هل تحدثنا عنه وعن وضع السينما في العراق اليوم؟
ثمة جهود تبذل من بعض السينمائيين العراقيين في أوربا من أجل إنشاء عدة مدارس سينمائية في العراق والعمل على وصل الفنان هناك بما يجري في العالم. إنها مبادرات رائعة لمحمد الدراجي وغيره.
في العراق لا تعطى الإمكانيات للفنان، و رغم التصريحات لا تمويل ولا تقدير! يتعاركون على وزارة النفط والمالية وآخر ما يفكرون فيه هو الثقافة! راح شكسبير وغيره وصارت لوحات عاشوراء… أمقت التوجه الجاهلي للدين… رسميا هناك مؤسسة عامة للسينما والمسرح تمد ببعض المساعدات الضئيلة كالمعدات ولكن لا معونات مالية وأكثر الأفلام هي نتيجة جهود شخصية للشباب.
أما صالات السينما فهي ملجأ لأفلام الجنس والأفلام التجارية. ماتت السينما ودفنت في العراق وتعود لها الحياة اليوم بجهود خاصة وليس بجهود الحكومة. نأمل من رجال السلطة التخلي عن مصالحهم الشخصية وامتلاك توجه ثقافي واع في كل نواحي الحياة الدينية والاجتماعية. هو حلم بعيد ولكن علينا الاحتفاظ بالأمل!