إتنوغرافيا جان روش وفن تجميل الإيديلوجيا

حفظ

أمين صوصي علوي
باحث في السينما والثقافة البصرية مقيم بفرنسا

 " لأن الجميل والقبيح لا وجود لهما لدى الناس الذين ندرسهم.
 فإن تقرير جمال شيء إفريقي هو نوع من العنصرية".
جان روش

كان جان روش إتنوغرافيا – سينمائيا أو سينمائيا – إتنوغرافيا وهذا في حد ذاته شيء مميز لكنه لا  يكفي لإبراز تميزه الحقيقي… بهذه الكلمات نعى عالم الاجتماع الفرنسي إدجار موران  رفيقه روش بعد حادث السير القاتل الذي تعرض له في النيجر سنة 2004. في النيجر كان مولد سينما روش الإتنوغرافية وعلى طرقاتها كان موته. حينما نعلم أنه كان أحد مهندسي  تلك الطرقات نكون قد اكتشفنا أول المفارقات في حياة الرجل.
تزيد المفارقات بروزا كلما تصفحنا الأوراق والدراسات والتراجم التي كتبت حوله, فلا تكاد تجد فيها ما يجعله محل نقد أو مراجعة, خاصة أنه ترك مادة غزيرة تعد ب 120 فيلما إضافة إلى عشرات الدراسات والمقالات في مواضيع ذات الحساسية الشديدة.
 
بمجرد التوقف عن اجترار ما قيل حوله وحول أعماله "المناهضة" للقوى الكولونيالية واستبدالها بالقراءة المتأنية لما رصده خلال تجواله بين النيجر وغانا ومالي وغيرها من دول جنوب الصحراء, تفاجئنا النمطية ذاتها في تصوير الرجل الإفريقي التي عودتنا عليها أنتروبولوجيا الغرب لكن بأسلوب أقل سذاجة. 

كيف ضمن روش عدم تدقيق المشاهد فيما يطرحه من تصورات وأحكام قيمية؟

أحاط جان روش أعماله بهالة تحميه من النقد التحليلي لنقله للوقائع, تحت مسمى الذاتية التي تجعل من العمل الوثائقي: عملا فنيا سرياليا أقرب إلى الطلاسم والرموز كما جاء في تعريفاته هو شخصيا . و توقع من يريد إخضاعها للدراسة في تهمة التحامل والتأويل الإيديولوجي.

ترصد البروفيسور مراتين جولي  هذه الحالة بقولها : غالبا ما يتعرض اقتراح تحليل أو"شرح" الصور إلى التشكيك ويؤدي إلى الإحجام لأسباب عديدة.

إعلان

هذا الإحجام يمكن أن يكون :
 ماذا يمكن القول عن الرسالة التي وبسبب تشابهها تحديدا, تظهر "بشكل طبيعي"  سهلة الفهم؟
• هناك موقف آخر متكرر لا يمكن تفاديه رافض لغنى الرسالة البصرية: "هل أراد المؤلف كل هذا؟
• هناك سبب ثالث يخص الصورة التي تعد "فنية" وأن أي تحليل يعرضها للتشويه, لأن الفن لا يدخل في ميدان الفكر بل العاطفة والانفعال."

 انتهى كلام مارتن جولي..
وراء هذه الأسباب تحتمي الإيديولوجيات وتصبح عملية النقد شاقة تضع صاحبها في قفص الاتهام قبل شروعه في تشفير تلك الرموز والطلاسم والتمكن من تشكيل صورة واضحة عن "المعنى" Le sens بمفهومه الفلسفي وما يحمله من دلالات نفسية وتوجهات إيديولوجية ودوافع سياسية.
تمكن جان روش من الوصول إلى حصانة أدبية تمنع عنه أي اعتراض على مضامين أفلامه مثله مثل من سبقه أو جاء بعده من بعض التيارات الفنية والأدبية, وليزيد إمعانا في ذلك, عمد إلى تحميل الأشخاص الذين أخضعهم للدراسة جزءا من المسؤولية بإشراكهم على حد زعمه فيما يقوم به من عمل إتنوغرافي.

 في جواب على سؤال جريدة ليبراسيون  : هل غيرت السينما نهج الإتنوغرافيين؟ يقول:

" الإتنوغرافيا شيء غريب, يتطلب الوقت والصبر واقتسام جزء من الحياة مع الناس الذين ندرسهم و لا يعرفون عنا شيئا. عندما ننشر كتابا رائعا لا يستطيعون قراءته, لكن حينما تريهم شريطا يفهمون ما تقوم به, يفهمون أخطاءك ومزاياك. هذا ما نسميه الإتنوغرافيا المتقاسمة. لم يعد الأمر يقتصر على شخص واحد يأتي ليدرس أناسا, بل أصبح عملا حقيقيا متبادلا…"
بهذا الشكل يضع روش نفسه على قدم سواء من المسؤولية مع قبائل إفريقيا الغربية -التي أخضعها "للدراسة" -في نقل صورة عن أساليب عيشها وتطوراتها الدينية والاجتماعية.
نجد أيضا في هذا الجواب استباقا لاتهامه بتصوير أناس لا يستطيعون فهم أبعاد ما يتم نقله عنهم بقوله "حينما تريهم شريطا, يفهمون ماذا تقوم به". هل فعلا كانت  المجموعات التي تتبعها مثل قبائل الصونغوي أو الدوغون تعلم أن حضارتها الضاربة في القدم ستختزل في بعض المعتقدات الوثنية والطقوس السحرية؟

كامل المقال

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان