عولمة الفيلم الوثائقي .. تحديات العصر الرقمي

تعددت المواقف من " العولمة" ما بين مؤيد ورافض. لاشك أن لتلك المواقف خلفيات اقتصادية وسياسية واجتماعية ، لكننا شئنا أم أبينا ، لابد لنا من الاعتراف بأن العولمة فرضت نفسها ، على الجميع ، وبشكل خاص من خلال تقنيات الاتصال والتواصل ، وبشكل خاص الشبكة العالمية "الانترنت" ، التي أصبحت فضاء مفتوحا وحرا، بل وساحة تجارية وثقافية دون حدود.
بعيدا عن مناقشة مفهوم " العولمة" الذي يزداد غموضا كلما أمعنا في تعريفه ، فإن مختلف وسائل الإعلام ، ومن ضمنها السينما والتلفزيون، استفادت بشكل واسع منها ،انطلاقا من المضمون الاقتصادي والتقني لها . فإذا كانت التكنولوجيا الرقمية وليدة العولمة شبيهة بفرانكشتاين ، فان الفرق بينها وبين ذلك الكائن "المصنع" هو أننا نستطيع أن نوجه هذا الكائن ، بالشكل الذي نريده سلبا أم إيجابا.
وإذا ما نظرنا إلى نصف الكأس المليء ، فنستطيع القول بان " التكنولوجيا الرقمية" لعبت دورا ايجابيا جبارا، ليس فقط في مجال " فرض" ديمقراطية المعلومة والتعبير الحر عن الرأي فحسب ، بل ، أيضا ، من خلال دورها في تغيير بنية وخامة الفنون ذاتها، ووسائل الإعلام بالدرجة الأولى ، وبالتالي خلق نمط اقتصادي جديد ، متحرر من المؤسساتية والشركات العملاقة واحتكار السوق والتمويل وفضاءات العروض.
ثمة إشكالية بارزة هنا ، تنم عن تناقض بنيوي، فالشركات العملاقة التي تسعى جاهدة إلى الاحتكار ، هي نفسها التي تقدم لنا الأدوات اللازمة لكسر هذا الاحتكار ، أو الإفلات منه. نبرهن على ذلك من خلال ما يعرض اليوم في الأسواق العالمية من معدات تصوير رقمية صغيرة الحجم ، زهيدة الثمن نسبيا، وأجهزة صوت محمولة أو برمجيات متنوعة وسهلة تختصر أمام صانع الفيلم مراحل إنتاجية كثيرة ، إذ توفر علي المخرج المساعدين وعلى مدير الإنتاج الكثير من الجهد، حيث يفرغ للمخرج شخصيات الفيلم وينظم الميزانية ويجدول لوحات اللقطات ،ويفرغ كافة الإكسسوارات التي يحتاج إليها كل مشهد من الفيلم.
باختصار ، خلقت العولمة، تحديات كبيرة أمام الأشكال التقليدية لممارسة وصناعة السينما، استفاد منها الفيلم الوثائقي بشكل خاص، لخصوصية موضوعاته ، وارتباطاتها بالجانب الاجتماعي والتاريخي للعالم . ولعل أهم التحديات تكمن في جوهر تحولات الصورة والنص من مادة ملموسة ( كالأشرطة) إلى ملفات رقمية ، تدخل في الكمبيوتر ، ثم تستعاد وقت نشاء ببساطة وسهولة .
صحيح أن مختلف وسائل الإعلام استفادت من " الثورة الرقمية" ، لكن الفيلم الوثائقي ، كان الرابح الأكبر ، بدءا من فرض نفسه كنوع سينمائي أو تلفزيوني ، وصولا إلى آلية صنعه وإنتاجه وتسويقه ، بعد أن كان هامشيا لعقود طويلة. فالفيلم الوثائقي استجاب بمرونة إلى الإمكانيات التي وفرتها له التقنيات الجديدة. فاستخدام الكاميرات ومعدات الصوت المحمولة ، على سبيل المثال ، مكنت صانعي الفيلم الوثائقي الوسائل من تجربة أساليب مبتكرة في توثيق اللحظات الاجتماعية والتاريخية للعالم ، وساعدت على تنشيط الاهتمام في هذا النوع السينمائي في أوساط الجيل الجديد من الممارسين لهذا الفن وأعادت تقديم إمكانياته للجمهور.
![]() |
