موكب السيدة مريم العذراء

طقس كنسي يمزج بين الإيمان والحنين والهجرة

المصلون يحملون ضريح سيدة تراباني خلال الموكب في عيد انتقال العذراء مريم السنوي للكنيسة الكاثوليكية الرومانية في كنيسة القديس أوغسطين والقديس فيديل في ضاحية حلق الوادي بالعاصمة التونسية تونس (الفرنسية)
يحمل المصلون ضريح سيدة تراباني خلال الموكب في عيد انتقال العذراء مريم السنوي للكنيسة الكاثوليكية الرومانية في كنيسة القديس أوغسطين والقديس فيديل في ضاحية حلق الوادي في العاصمة التونسية تونس (الفرنسية)

تونس – كان الليل قد بدأ يسدل ستاره لتوّه في حلق الوادي (المعروفة بـLa Goulette)، تلك الضاحية الساحلية الدافئة في العاصمة تونس، عندما خرج تمثال مريم العذراء من الكنيسة المحلية، كنيسة القديس أوغسطينوس والقديس فيديليس، إلى ساحة مكتظة بالحشود.

حُمل تمثال العذراء على أكتاف عشرات من رواد الكنيسة، وقوبل بالهتافات والزغاريد والتلويح الحماسي بالعلم التونسي.

تجمع مئات الأشخاص، من تونسيين وأوروبيين وأفارقة من جنوب الصحراء، للمشاركة في الموكب السنوي لسيدة تراباني (Our Lady of Trapani).

كان العديد من المشاركين في الموكب، وفي القداس الكاثوليكي الذي سبقه، من المهاجرين من جنوب الصحراء الكبرى.

وقال إسحاق لوسافو، وهو أصلا من جمهورية الكونغو الديمقراطية، للجزيرة: "إن العذراء المقدسة هي التي جمعتنا جميعا هنا اليوم. اليوم، وحّدت مريم العذراء الجميع".

في ساحة كبيرة مزدحمة تقع مباشرة خلف بوابات الكنيسة، طاف التمثال في دائرة بينما كان الناس يصلون ويرتلون الترانيم. كل ذلك جرى تحت أنظار جدارية لكلوديا كاردينالي، الممثلة الإيطالية الشهيرة المولودة في حلق الوادي، والتي تذكّر بالماضي البعيد عندما كانت المنطقة موطنا لآلاف الأوروبيين.

بوتقة انصهار

People carry the shrine of the Virgin Mary, as a mural depicting Italian actress Claudia Cardinale overlooks the crowd [Joseph Tulloch/Al Jazeera]
People carry the shrine of the Virgin Mary, as a mural depicting Italian actress Claudia Cardinale overlooks the crowd [Joseph Tulloch/Al Jazeera]
الناس يحملون ضريح السيدة العذراء مريم بينما تطل جدارية تصور الممثلة الإيطالية كلوديا كاردينالي على الحشد (الجزيرة)
يحمل الناس ضريح السيدة العذراء مريم، بينما تطل جدارية تصور الممثلة الإيطالية كلوديا كاردينالي على الحشد (الجزيرة)

جلب المهاجرون الصقليون عيد "سيدة تراباني" الكاثوليكي (خرجة المادونا) إلى حلق الوادي في أواخر القرن التاسع عشر، في الأيام التي كانت فيها المدينة الساحلية مركزا لصيادي الأسماك الفقراء من جنوب أوروبا الباحثين عن حياة أفضل.

وكان العيد الكاثوليكي الصقلي معروفا خلال حقبة الاستعمار الفرنسي، قبل استقلال تونس ورحيل كثير من السكان ذوي الأصول الإيطالية والفرنسية.

وبلغت الهجرة إلى تونس من صقلية ذروتها في أوائل القرن العشرين. وقد عاد جميع الصيادين تقريبا، مع عائلاتهم وذريتهم، إلى الشواطئ الأوروبية الآن، لكن تمثال العذراء بقي -وفي كل عام في 15 أغسطس/آب- يُحمل في موكب خارج الكنيسة.

وقال حاتم بوريال، وهو صحفي ومقدم برامج إذاعية تونسي، للجزيرة: "إنه حدث فريد من نوعه".

ومضى يصف كيف كان التونسيون، ومنهم العديد من المسلمين، ينضمون إلى الكاثوليك التونسيين الصقليين في ذروة الموكب في أوائل القرن العشرين، لحمل تمثال مريم العذراء من الكنيسة نزولا إلى البحر.

هناك، كان المشاركون يطلبون من مريم أن تبارك قوارب الصيادين. وقال بوريال إن العديد من السكان كانوا يهتفون "تحيا عذراء تراباني!"، بينما كان آخرون يرمون في الهواء "الشاشية"، وهي القبعة الحمراء التقليدية التي تُرتدى في المغرب العربي.

وبالإضافة إلى أهميته الدينية إذ يمثل يوم 15 أغسطس/آب للكاثوليك يوم صعود مريم إلى السماء، يتزامن العيد أيضا مع عطلة منتصف أغسطس الإيطالية "فيراغوستو" (Ferragosto) التي تشير تقليديا إلى ذروة الصيف.

ووصفت سيلفيا فينزي، المولودة في تونس في الخمسينيات لأبوين إيطاليين، كيف كان العديد من سكان حلق الوادي يعلنون انتهاء أسوأ فترات الصيف التونسي الحارقة بمجرد إنزال التمثال إلى البحر.

قالت فينزي، وهي أستاذة اللغة الإيطالية في جامعة تونس، للجزيرة: "بمجرد إنزال العذراء إلى الماء، كان يبدو كأن البحر قد تغير".

"كان الناس يقولون: لقد تغير البحر، انتهى الصيف، ولم تعد بحاجة للذهاب للسباحة لتبريد جسمك بعد الآن".

النزوح الأوروبي

The canal port of La Goulette, in the late 19th century [Courtesy of Dialoghi Mediterranei]
The canal port of La Goulette, in the late 19th century [Courtesy of Dialoghi Mediterranei]
ميناء قناة حلق الوادي في أواخر القرن التاسع عشر (بإذن من الحوارات المتوسطية)
ميناء قناة حلق الوادي في أواخر القرن التاسع عشر (بإذن من الحوارات المتوسطية)

بدأ أول المهاجرين الأوروبيين بالوصول إلى حلق الوادي في أوائل القرن التاسع عشر. زادت أعدادهم بسرعة بعد عام 1881، عندما أصبحت تونس محمية فرنسية. في ذروتها في أوائل القرن العشرين، قُدر عدد المهاجرين الإيطاليين -الذين كان معظمهم من الصقليين- في جميع أنحاء تونس بأكثر من 100 ألف شخص.

في العقد الذي تلا عام 1956، عندما نالت تونس استقلالها عن فرنسا، غادرت الغالبية العظمى من سكانها الأوروبيين البلاد، إذ اتجهت الحكومة الجديدة نحو القومية.

في عام 1964 وقع الفاتيكان اتفاقية مع تونس، نقل بموجبها السيطرة على غالبية كنائس البلاد -التي أصبحت فارغة إلى حد كبير- إلى الحكومة لاستخدامها كمبانٍ عامة. وضعت الاتفاقية أيضا حدا لجميع الاحتفالات المسيحية العامة، بما في ذلك الموكب في حلق الوادي.

وطوال أكثر من نصف قرن كان الاحتفال بـ15 أغسطس/آب يقتصر فقط على قداس داخل مبنى الكنيسة، وظل تمثال سيدة تراباني ثابتا في مكانه. ظل التاريخ مهما للسكان الكاثوليك الذين تقلص عددهم كثيرا في حلق الوادي، لكنه توقف إلى حد كبير عن كونه حدثا مهما للمجتمع الأوسع.

حنين إلى الماضي

The Catholic Church of Saint Augustin and Saint Fidele [Joseph Tulloch/Al Jazeera]
The Catholic Church of Saint Augustin and Saint Fidele [Joseph Tulloch/Al Jazeera]
كنيسة القديس أوغسطين والقديس فيديل الكاثوليكية (الجزيرة)
كنيسة القديس أوغسطين والقديس فيديل الكاثوليكية (الجزيرة)

في عام 2017 تلقت الكنيسة الكاثوليكية إذنا لاستئناف الموكب، في البداية داخل مجمع الكنيسة فقط. هذا العام، عندما زارت الجزيرة المكان، غادر الموكب مبنى الكنيسة لكنه لم يبتعد سوى إلى الساحة الخارجية.

وبنيت كنيسة في عام 1848 بعد أن تبرع عاشر البايات الحسينيين في تونس أحمد باي بن مصطفى بأرض لبناء كنيسة فيها.

كان العديد من الحاضرين من الشباب التونسيين المسلمين الذين لا تربطهم صلة تذكر بسكان حلق الوادي الصقليين التاريخيين.

أحد الأسباب الرئيسية لذلك هو بلا شك المكانة الرفيعة التي تحظى بها مريم العذراء في الإسلام حيث توجد سورة كاملة في القرآن مخصصة لها.

بدا أن مشاركين آخرين انجذبوا بسبب شعور بالحنين إلى ماضي حلق الوادي المتعدد الأعراق والأديان.

قالت رانيا (26 عاما) للجزيرة: "أحب الموكب. لقد نسيه كثير من الناس الآن، لكن الهجرة الأوروبية جزء مهم جدا من تاريخ تونس".

أخبرت رانيا، وهي طالبة، الجزيرة عن حبها لفيلم "صيف في حلق الوادي" (Un ete a La Goulette) الذي أنتج عام 1996.

يتميز الفيلم بحوارات بـ3 لغات، ولقطات موحية لساحات تغمرها الشمس وشواطئ متلألئة، وهو بمنزلة قصيدة لماضي حلق الوادي.

الفيلم الذي أخرجه المخرج التونسي الشهير فريد بوغدير يتتبع حياة 3 فتيات مراهقات -جيجي الصقلية، ومريم المسلمة، وتينا اليهودية- على مدار صيف في الستينيات.

لكن الفيلم ينتهي بنبرة قاتمة، مع اندلاع عدوان 1967 الإسرائيلي على بلدان عربية، وما تلا ذلك من رحيل لما تبقى من السكان اليهود في تونس، وبالتزامن رحلت جاليات أوروبية أخرى.

هجرات جديدة

The procession of Our Lady of Trapani in La Goulette in the 1950s [Courtesy of Dialoghi Mediterranei]
The procession of Our Lady of Trapani in La Goulette in the 1950s [Courtesy of Dialoghi Mediterranei]
موكب سيدة تراباني في حلق الوادي في الخمسينيات من القرن العشرين (بإذن من الحوارات المتوسطية)
موكب سيدة تراباني في حلق الوادي في الخمسينيات من القرن العشرين (بإذن من الحوارات المتوسطية)

مع انخفاض عدد السكان الأوروبيين في تونس، شهدت البلاد تدفقا لمجتمعات مهاجرة جديدة من أفريقيا جنوب الصحراء.

تنحدر غالبية هؤلاء المهاجرين الجدد، الذين يقدر عددهم بعشرات الآلاف، من غرب أفريقيا الناطق بالفرنسية. يأتي كثيرون إلى تونس بحثا عن عمل، ويأمل آخرون في العبور عبر البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا.

العديد من المهاجرين من جنوب الصحراء -الذين يواجهون تمييزا واسع النطاق في تونس- هم مسيحيون، ولذلك فهم يشكلون الآن الغالبية العظمى من رواد الكنيسة في تونس.

تنعكس هذه الحقيقة في جدارية داخل الكنيسة في حلق الوادي، مستوحاة من عيد سيدة تراباني. رُسمت الجدارية في عام 2017، وتصور مريم العذراء وهي تحت عباءتها تؤوي مجموعة من الناس من تونسيين وصقليين وأفارقة من جنوب الصحراء.

يمتلئ الهواء حول العذراء في الجدارية بجوازات السفر. قال كاهن الكنيسة، الأب نرجس، الذي ينحدر من تشاد، للجزيرة إن هذه الجوازات تمثل الوثائق التي يلقيها المهاجرون في البحر أثناء قيامهم بالرحلة من شمال أفريقيا إلى أوروبا على أمل تجنب الترحيل.

تسلط الجدارية الضوء على حقيقة أن مادونا تراباني، التي كانت تعتبر يوما ما حامية للصيادين الصقليين، يُستنجد بها اليوم من قبل مهاجرين من خلفيات أكثر تنوعا بكثير.

وقال رئيس أساقفة تونس نيكولا ليرنولد للجزيرة: "هذا الاحتفال، في شكله الأصلي، كان يمثل الروابط العميقة بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط. اليوم، يجمع مجموعة أكثر تنوعا تضم تونسيين وأفارقة وأوروبيين، محليين ومهاجرين وسياحا".

وأضاف رئيس الأساقفة ليرنولد: "مريم نفسها كانت مهاجرة"، مشيرا إلى قصة العهد الجديد التي تروي هرب مريم مع الطفل يسوع وزوجها يوسف، من فلسطين إلى مصر.

ومن منظور مسيحي، أشار إلى أننا "كلنا مهاجرون، مجرد عابرين ومواطنين في مملكة ليست من هذا العالم".

روح حلق الوادي

A mural of the Virgin Mary in the Saint Augustin and Saint Fidele church sheltering a group of people – Tunisians, Sicilians, and sub-Saharan Africans – under her mantle. The air around the Virgin in the mural is full of passports [Joseph Tulloch/Al Jazeera]
A mural of the Virgin Mary in the Saint Augustin and Saint Fidele church sheltering a group of people – Tunisians, Sicilians, and sub-Saharan Africans – under her mantle. The air around the Virgin in the mural is full of passports [Joseph Tulloch/Al Jazeera]
جدارية للسيدة العذراء مريم في كنيسة القديسين أوغسطين وفيدال، تؤوي تحت عباءتها مجموعة من الناس من تونسيين وصقليين وأفارقة من جنوب الصحراء الكبرى ويحيط بالعذراء في الجدارية جوٌّ مملوء بجوازات السفر (الجزيرة)
جدارية للسيدة العذراء مريم في كنيسة القديسين أوغسطين وفيدال تؤوي تحت عباءتها مجموعة من الناس من تونسيين وصقليين وأفارقة من جنوب الصحراء الكبرى ويحيط بالعذراء في الجدارية جوٌّ مليء بجوازات السفر (الجزيرة)

كانت حلق الوادي في يوم من الأيام موطنا لـ"صقلية الصغيرة" (Little Sicily)، وهي منطقة تميزت بمبانيها السكنية ذات الطراز الإيطالي. لقد هدمت واستبدلت الغالبية العظمى من هذه الهياكل وهي مبانٍ متواضعة بناها الصيادون الوافدون حديثا، ولم يبق سوى الكنيسة لتشهد على الوجود الصقلي الذي كان كبيرا في المنطقة في يوم من الأيام.

بدءا من عام 2019 لم يتبق سوى 800 إيطالي من نسل مجتمع المهاجرين الأصلي في كامل تونس.

قالت ريتا سترازيرا التي ولدت في تونس لأبوين صقليين: "لم يبق منا سوى القليل جدا". وأوضحت أن الجالية التونسية الصقلية تلتقي نادرا جدا، حيث يجتمع بعض الأعضاء للاحتفال في 15 أغسطس/آب، ويعقدون اجتماعات عرضية في مكتبة صغيرة مقابل الكنيسة.

Sicilian peasants in Tunisia in 1906 [Courtesy of Dialoghi Mediterranei]
فلاحون صقليون في تونس عام 1906 (بإذن من الحوارات المتوسطية)

ومع ذلك، لم تتلاشَ روح "صقلية الصغيرة" تماما. لا تزال آثار حلق الوادي القديمة باقية في الذاكرة، وفي الأفلام، وكما أخبرت سترازيرا الجزيرة، بطرق أخرى أكثر إثارة للدهشة أيضا.

قالت سترازيرا، مشيرة إلى الاحتفال السنوي الذي يتذكر فيه الكاثوليك أحباءهم المتوفين: "كل عام، في عيد جميع القديسين، أذهب إلى المقبرة".

"وهناك تونسيون، ومسلمون، وأشخاص ربما كان لديهم والد صقلي، أو جد صقلي، وجاؤوا لزيارة قبورهم، لأنهم يعرفون أن هذا ما يفعله الكاثوليك".

وأضافت سترازيرا: "كانت هناك زيجات كثيرة مختلطة. ولذلك، في كل عام يزور عدد أكبر منهم القبور. عندما أراهم، أرى أن ذلك تذكير بأن صقلية الصغيرة لا تزال معنا".

المصدر: الجزيرة