فن الغرافيتي.. كيف تحول "تخريب الجدران" إلى صوت للمهمشين وسلاح للمقاومة؟

حفظ

BERLIN, GERMANY - SEPTEMBER 29: Graffiti reading "Gaza" and pro-Palestine demonstration posters are seen on a wall on September on September 29, 2025 in Berlin, Germany. Berlin is full of graffiti related to the conflict in Gaza. Some messages express support for Israel, while others voice strong opposition. It's common to see walls and doorways covered with contrasting perspectives. (Photo by Maja Hitij/Getty Images)
أحد جدران برلين بألمانيا، سبتمبر 2025، وقد كُتب عليه "غزة" وأُلصقت به ملصقات مؤيدة لفلسطين (غيتي)

عند الدخول إلى مبنى "الرايخستاغ" -وهو مقر البرلمان في عهد ألمانيا النازية- يمكن للزائر أن يشاهد كتابات على جدران الجناح الغربي من المبنى، وعلى جانب الدرج الذي يؤدّي إلى قاعة الاجتماعات الرسمية. وهي كتابات نقشها جنود سوفيات في مايو/أيار 1945 عند سقوط برلين خلال الحرب العالمية الثانية.

حفر الجنود السوفيات بسكاكينهم جدران المبنى، وكتبوا بواسطة الفحم والطلاء الأسود أسماءهم، وأبياتا من الشعر، وأسماء المدن الألمانية التي مرّوا بها. كانت تلك الكتابات أكثر العلامات وضوحا على تشكّل أهمّ ملمح لفنّ الغرافيتي (Graffiti) أي الكتابة والرسم على الجدران في النصف الأوّل من القرن العشرين.

393643 02: A view of the exterior of the Reichstag August 24, 2001 in Berlin, Germany. (Photo by Nina Ruecker/Getty Images)
واجهة مبنى الرايخستاغ (غيتي)

يقوم فنّ الغرافيتي على ركيزة أساسية هي التخريب (Vandalism)، بمعناه الأشمل والأعقد الذي يقترب من التمرّد والتحدي أكثر من التخريب المادي المجرد.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

فالجنود السوفيات اختاروا الكتابة على الرايخستاغ و"تخريب" جدرانه بكتابة عبارات مثل: "انتقاما لدم أبي" و"سيتذكر الأوغاد"؛ لأنّ المبنى كان رمزا للسلطة النازية، والكتابة عليه هي إعلان للانتصار والانتقام في الوقت نفسه.

Shigeo Nagaishi, left, wife, Chiseko, right, and their children, Haruko, front, and Kikue, held by her father, return from a Japanese internment camp in Hunt, Idaho, to find their home and garage vandalized with anti-Japanese graffiti and broken windows in Seattle, Wash., May 10, 1945. (AP Photo)
كتابات جدارية معادية لليابانيين ونوافذ محطمة في سياتل، واشنطن عام 1945 (أسوشيتد برس)

تقول الباحثة أشانتي وايت في دراستها "من البدائية إلى الأساس: تطور فن الغرافيتي"، إنّ مصطلح الغرافيتي مشتقّ من الكلمة اللاتينية (graphīre) التي تعني الكتابة، والمترابطة بالكلمة الإيطالية (graffito) التي تعني النقش أو الرسم، ويشير الاسم حرفيا إلى الخدش.

الغرافيتي هو كتابة أو رسوم بخط اليد، أو مخدوشة، أو مرشوشة بشكل غير قانوني على جدار أو سطح في مكان عام

يُشكّل الجانب السريّ أو غير القانوني للكتابة والرسم على الجدران أهمّ الأسس التي تُكمل تعريف الغرافيتي؛ غير أنّ هذا الركن تشكّل بسبب سياقات اجتماعية وسياسية مختلفة. وفي المقابل، فإن غياب ثلاثية التخريب والسرية واللاقانونية لا ينفي وجود هذا الفن منذ عصور قديمة.

كتابة على حجارة التاريخ: نشأة الغرافيتي

منذ قرابة عشرين قرنا، كتب حريف روماني على جدران خمّارة في مدينة "بومبي" القديمة قصيدة عبّر فيها عن سخطه من غشّ بائع الخمر، قائلا: "فلتنقلب أكاذيبك عليك يا صاحب الخمّارة! تبيعنا الماء، وتشرب أنت النبيذ الخالص".

إعلان

ظلّ هذا النقش قائما حتى بعد أن طمر بركان "فيزوف" المدينة، ويُعتبر أقدم شاهد تاريخي على ما يسمى في عصرنا "رأي الحرفاء"، وهو غرافيتي قديم يستجيب لكلّ معاني هذا الفنّ.

يمكن اعتبار مدينة بومبي الرومانية مركزا حقيقيا للغرافيتي في القرن الأول الميلادي، تماما مثل نيويورك في النصف الثاني من القرن العشرين. فقد وجد علماء الآثار كتابات أخرى لمجهولين عبّروا فيها عن الحب والغضب، حتى بدا أنّ الجدران تزيّنت بما يمكن تسميته "كتابات النميمة"

وقد حلّلت الباحثة ميريل كورانت، في دراستها "بومبي، 24 أغسطس/آب 79: عندما تتحدث الجدران"، بعض رسائل الغرافيتي الصامدة، على غرار جملة من حبيبة غاضبة وشكوى من خمر رديء، موضحة: "هكذا نرى ميزة الكتابة على الجدران بدلا من النميمة المباشرة؛ أولا، هناك متعة في إخبار الجميع دون معرفة من سيقرؤها، وهي متعة أدبية تتمثل في تخيّل القارئ وهو يتلقى المعلومة ويحللها".

وأضافت ميريل "لكن هناك أيضا الرضا بالنجاة من العقاب بفضل إخفاء الهوية. يُعدّ إخفاء الهوية أهم سماتها؛ فلا يمكن الجزم بهوية الكاتب حتى وإن كان يحمل توقيعا، وهذا ما يمنح الرسائل استقلالا تاما عن كاتبها وغموضا رهيبا؛ إن الجدار نفسه هو الذي ينشر الشائعات ويصبح سطحه الصوت الناقل".

كان من يقومون بالكتابة على الجدران يأملون انتشار رسائلهم السرية مع تجنّب الشهرة الشخصية. تماما كما يفعل فنان الغرافيتي الأشهر «بانكسي»، الذي جابت أعماله العالم واشتهرت دون أن تُعرف هويته: هل هو شخص أم فكرة؟

سبق وجود فن الغرافيتي اكتشافات بومبي؛ إذ يتجاوز عمر رسومات اكتُشفت على جدران كهف "آل كاستيلو" بإسبانيا 40 ألف سنة.

كما عُثر في القارة الأفريقية على رسوم بشرية في كهف "أبولو 11" بناميبيا (25 ألف سنة قبل الميلاد)، ورسوم في هضبة "الجلف الكبير" بمصر (10 آلاف سنة).

وعلى مدى آلاف السنين، ظلّ الرسم على الجدران نشاطا غير منقطع، ومكّن علماء الآثار من تفكيك جزء من حياة الحضارات القديمة؛ فبقدر ما لقيت مقابر الفراعنة بمهابتها شغفا، تحوّل الاهتمام نحو تفحّص الآثار الهامشية التي تركها زوار تلك المقابر.

يقول الباحثان بول فان بيلت ونيكو ستارينغ في دراستها عن نقوش مقبرة سقارة: "تضمنت الأعمال الفنية في مصر القديمة عناصر من الكتابة على الجدران. ولم تكن هذه المنشآت الجميلة في مأمن من أعمال التخريب، أي الغرافيتي".

كان للغرافيتي حينها ارتباط وثيق بالجانب المقدّس؛ إذ توجد نقوش في مقابر سقارة الملكية تُعبّر عن رغبة ناقشيها في البقاء داخل الفضاء المقدّس والتواصل مع الآلهة أو الموتى، أو تقديم نذور لطلب النعمة وشكر الملك.

الجدران مرآة المنبوذين

يقع الغرافيتي ضمن معادلة لم تُحسم بعد: هل يمكن اعتبار الخربشات أو الرسومات على الحائط فنا؟ وهي معادلة ترافق غالبا ميلاد الفنون التي تقلب الأسس التقليدية وتُحدث صدمة للمجتمع.

A photo of a New York subway car that has been sprayed with graffiti on July 27, 1972. (AP Photo)
عربة مترو أنفاق نيويورك رُشّت بالكتابات الجدارية (أسوشيتد برس)

أنشأ المراهق الأمريكي داريل ماكراي -المعروف بكنية "كورنبريد" (خبز الذرة) في أواخر ستينيات القرن الماضي- الفن الحديث انطلاقا من رغبة في إعلان حبّه لزميلته، فكتب جملة "كورنبريد يحب سينثيا" على جدران شمال فيلاديلفيا وحافلاتها.

ازدادت شهرة "كورنبريد" حين نشرت الصحف خبرا خاطئا عن مقتله في اشتباك عصابات، فقرّر إثبات أنّه على قيد الحياة عبر الكتابة على جسم فيل في حديقة الحيوانات: "كورنبريد حيّ".

تحوّل "كورنبريد" من مجرّد شاب يفتش عن لفت الانتباه، إلى رسام غرافيتي التزم بالاحتجاج ضد التفاوت الاجتماعي وعنف الشرطة بالولايات المتحدة عبر الكتابة على المباني الحكومية وسيارات الشرطة. ونال لقب "أبو الغرافيتي الحديث"، مطلقا العصر الأكثر أهمية لهذا الفن.

إعلان

مع بداية السبعينيات، رافق الغرافيتي صعود ثقافة "الهيب هوب"، حتى أصبح أحد أضلعها الأربعة الأساسية إلى جانب: الغناء (MCing)، وتنسيق الموسيقى (DJing)، ورقص الشوارع (Breakdancing).

المقاومة على الجدران

لخّص بانكسي في كتابه "ضرب رأسك بحائط من الطوب" (BANGING YOUR HEAD AGAINST A BRICK WALL) دور الغرافيتي في المقاومة قائلا: "يمثّل وسيلة للتعبير عن المعارضة الاجتماعية والسياسية، ويركز بشكل خاص على ثقافة الشباب".

BERLIN WALL - Girls look at segments of Berlin Wall at a special exhibition, Monday, April 23, 1990 in Tokyo. The exhibition opened April 20th at a Tokyo department store and will be held through May 09th. The 3,80 "meter" high wall parts, weighting about 3 tons, are covered with graffiti on one side but immaculate on the other, mute testimony that people on the East German side could not get near the wall. (AP-Photo/ks/stf/Koji Sasahara)
أجزاء من جدار برلين في معرض خاص في طوكيو عام 1990 (أسوشيتد برس)

برز هذا الدور في الاحتجاجات الفرنسية في مايو/أيار 1968، وامتدّ إلى العالم العربي ليكون سلاحا للمقاومة؛ فخلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، حملت حجارة الجدران رسائل المقاومة إلى جانب حجارة المواجهة.

تقول الباحثة جولي بيتيت في دراستها "غرافيتي الانتفاضة": "كانت بقع الطلاء الأسود أو الأبيض تغطي الرسومات بهدف منع قراءتها. كان بإمكان المرء أن يقرأ معركة الجدران بنفس طريقة قراءة الطبقات الجيولوجية؛ حيث تشير كل طبقة طلاء إلى انتصار مؤقت في معركة مستمرة. لقد كانت حربا بالحجارة، لكن الحجارة لم تكن أسلحة دفاعية فحسب، بل أجهزة إعلامية أيضا".

وظلّ الغرافيتي سلاحا سلميا للاحتجاج في دول عربية عدة عقب الربيع العربي؛ ففي عام 2012، تأسست مجموعة "زواولة" (الفقراء) لنشر رسائل تدافع عن المهمشين والتنديد بالواقع الاقتصادي.

وفي مصر وقبل ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، طبع الناشطون صور المدون خالد سعيد قرب مبنى وزارة الداخلية، وقالت الباحثة هديل عبد الرزاق مهدي عن تلك المرحلة: "خلال 18 يوما الأولى من ثورة 25 يناير/كانون الثاني، كان الغرافيتي وسيلة لمعارضة حكم الرئيس مبارك ومخطط التوريث. لم يأخذ طابعا فنيا بقدر ما كان تفريغا لشحنة غضب عارمة لدى الشباب".

ووثّق الغرافيتي على جدران مدن عربية كثيرة شعارات الثورة والتمرد، قبل أن يتراجع حضوره بتغيّر المشهد السياسي الذي حاول إعادة ترسيخ الفكرة التقليدية بأن الغرافيتي ليس فنا شعبيا، بل هو مجرد أعمال تخريبية صادرة عن الخارجين عن السلطة.

المصدر: الجزيرة

إعلان