"الطفل النجم".. رحلة في صناعة الترفيه وأزمات النجومية المبكرة

حضروا منذ بدايات السينما وصناعة الترفيه، ولم يغيبوا قط عن حقبها التاريخية والفنية المتنوعة. هم النجوم الأطفال الذين ينجحون أحيانا نجاحات جارفة، فيصبحون أيقونات لزمنهم، وقد صاروا في العقود الماضية قضية جدليّة، لما يعانون من آثار الصناعة السينمائية والترفيهية عليهم، فقد تستغرق أحيانا حياتهم كلها.

هؤلاء النجوم هم موضوع الفيلم الوثائقي "الطفل النجم" (Child Star)، للمخرجتين "ديمي لوفاتو" و"نيكولا مارش"، وهو يقارب هذه الظاهرة من عدة زوايا، ويواصل البحث والنقاش في هذه القضية التي اتسعت آفاقها في السنوات الماضية، بسبب وسائل التواصل الاجتماعي، ودخول الأطفال إلى هذه المواقع، واستحواذهم على مكانة مهمة فيها، صانعين للترفيه بتشجيع من أهلهم.

تقود التحقيق في الفيلم "ديمي لوفاتو"، وهي مغنية وممثلة بدأت مسيرتها الفنية طفلة، ونجحت نجاحات كثيرة، ثم لقيت مشاكل نفسية جسيمة، دفعتها إلى الابتعاد ومراجعة النفس.

بدا أن هذا الفيلم الوثائقي يمثل أحد وسائط "ديمي" النفسية، للتغلب على ما واجهت في الماضي، لا سيما أنها ستقابل أناسا وممثلين أطفالا تعاملوا معها أيام نجوميتها، واستعادت معهم تلك الأيام السوداء، ومواقفها العدائية تجاههم، في مراجعات نفسية جريئة للغاية.

كما أن تلك اللقاءات والحوارات أسهمت في البحث المفصل في كثير من الجوانب الاقتصادية والنفسية، التي تميز مسيرة الطفل الفنان، ودور العائلة والأبوين تحديدا، وكذلك دور الصناعة السينمائية والترفيهية، فهؤلاء جميعا ذوو أدوار مهمة، غالبا ما تكون مؤذية كثيرا في سنوات الطفل الحرجة، وستكون لها عواقب نفسية مدمرة أحيانا، ودفعت كثيرا منهم إلى الكآبة والإدمان.

النجومية حلما

يفتتح الفيلم زمنه بمشاهد من أطفال يفصحون ببراءة وعفوية كبيرة عن أحلامهم بالنجومية، مع أنهم لا يعرفون ما تعني النجومية تحديدا، فيقول أحدهم: سيكون شيئا رائعا أن يعرفك الناس في الشارع.

إعلان

ولم تكن النجومية في كلامهم مرتبطة بالموهبة، ولا بطبيعة العمل الذي يحلمون به، فأضواء العمل البراقة -التي شاهدوها حتما في الإعلام- هي التي جذبتهم، وأصبحت حلمهم الوحيد أحيانا.

"ديمي لوفاتو"  و"درو باريمور"

لا يقتصر حلم النجومية على الأطفال أنفسهم، بل هو حلم لآبائهم أيضا، ممن يرغبون أن يحققوا بأطفالهم أحلامهم التي لم تتحقق، وأحيانا يكون الأطفال فرصة أخيرة للوالدين لكسب المال.

فذلك حال النجمة "درو باريمور"، التي تُعد من أشهر الأطفال النجوم في الأربعين عاما الماضية، وتقول إن عملها في الصناعة الترفيهية كان حلم أمها، فقد كانت يومئذ عاطلة ولا زوج لها، وهي التي وضعتها في قلب الصناعة الفنية ولم تكمل سنتها الأولى، فظهرت في إعلان تلفزيوني تجاري وهي ابنة 9 أشهر.

بدت "درو باريمور" متأثرة غاضبة وهي تستعيد طفولتها التي كانت بين العدسات، قبل أن يختارها المخرج المعروف "ستيفن سبيلبرغ" لفيلمه الأيقوني "إي تي" (E.T)، الذي عُرض عام 1982.

وهي تتذكر بحب كبير أيام التصوير في ذلك الفيلم، التي طغت عليها طيبة المخرج وحنانه، وكان قد لمس بفطرته غياب الحنان والاهتمام في حياتها، فعاملها معاملة أبوية، ويتجلى ذلك في كواليس الفيلم، إذ كانت فيها تلعب ببراءة كبيرة مع المخرج، لكن الأم غائبة عن تلك الفيديوهات.

صور بعض النجمات من أيام الطفولة ثم الكبر

يتناول كثير من شخصيات الفيلم دور الأهل بغضب شديد أحيانا، وأحيانا أخرى بحزن وخيبة أمل، فهم يجدون أن أهلهم خذلوهم كثيرا، وطاردوا المال والشهرة على حساب أولادهم.

تذكر الممثلة "رايفن سيموني"، أن والدها أشرف على أموالها، وأنه لم يقم بمهمته على نحو جيد، وكانت قد اشتركت في بطولة المسلسل الكوميدي الشهير "استعراض كوسبي" (The Cosby Show)، الذي عُرض في ثمان سنين منذ عام 1984، وقد شاركت فيه منذ 1989 حتى النهاية.

وأحيانا لا تكون الخيانة من الأهل، بل من المديرين أو العاملين لهؤلاء الأطفال، كما هو حال نجمة مسلسلات الأطفال التلفزيونية "أليسون ستونر"، فقد فوجئت يوما ما -وهي تريد شراء بضاعة- أنها لا تملك مالا، فقد نهب مديرها مدخراتها سنوات، ولم يُبقِ لها شيئا.

دور الصناعة الترفيهية

يصل الفيلم سريعا إلى دور صناعة الترفيه في موضوع الأطفال العاملين فيها، ويركز على العقود الماضية القريبة، عندما أصبحت قنوات الأطفال والمراهقين التلفزيونية تنجح نجاحات شعبية كبيرة، وتجني أموالا طائلة من تشغيل هؤلاء الأطفال.

لم تولِ هذه القنوات -ومنها "ديزني"- أهمية كبيرة لصحة الأطفال النفسية، وكانت مشغولة بتكريس صورة نمطية لنجومها، خوفا من انخفاض شعبيتهم، فشكّل ذلك ضغطا نفسيا كبيرا على الأطفال، للمحافظة على تلك الصورة.

الممثلة الطفلة "درو باريمور"

تحتاج هذه القنوات التلفزيونية جيوشا صغيرة من الأطفال، للعمل في برامجها الفنية الكثيرة، وهي مختبر لما يصيب هؤلاء الأطفال، بدءا من اختبارات الأداء، مرورا بتدريبهم المتعب، ثم متابعتهم وهم يؤدون أدوارهم.

في هذه المختبرات، وصل أطفال كثيرون إلى حافات الانهيار النفسي، كما بيّن الفيلم الوثائقي بحواراته مع أبطاله، أو مع صحفيين ومختصين نفسيين تحدثوا للفيلم.

إعلان

وتبيّن "قوانين كوغان" (The Coogan Law) الصادرة عام 1939 جدية قضية تشغيل الأطفال في الصناعة الترفيهية منذ عقود، فقد سُنّت قوانين لحماية الأطفال من استغلال أهلهم، بحفظ نسبة من أموالهم قبل أن يبلغوا 18 عاما، ثم ينالونها بعد ذلك. كما أسهمت منظمات مدنية ومحامون وفنانون في تشريع هذا القانون السائد حتى اليوم في الولايات المتحدة.

حكاية "ديمي لوفاتو"

يفرد الفيلم الوثائقي مساحة معتبرة لقصة النجمة "ديمي لوفاتو"، التي أخذت على عاتقها التحقيق في الفيلم، وإجراء بعض الحوارات مع الشخصيات، وكانت تعود إلى تجاربها في حواراتها مع زميلاتها اللواتي عشن التجارب ذاتها.

نالت "ديمي" شهرة عريضة في تمثيلها وغنائها أيام مراهقتها، قبل أن تبدأ مشاكلها النفسية وإدمانها على الكحول، وقد حظيت باهتمام ومتابعة إعلامية كبيرة يومئذ.

وقد صُورت لها مقاطع بكاميرات متواضعة وهي في السيارة، قبل وصولها إلى مكان حفلة شعبية كبيرة لها، فكان المعجبون يطاردون سيارتها بجنون أحيانا، غير عابئين بما قد يصيبهم من خطر.

الممثلة الطفلة "ديمي لوفاتو" في أحد برامجها

وكانت يومئذ من أكثر الأطفال والمراهقين شعبية في القناة التلفزيونية التي كانت تعمل فيها، وذلك ما جعل حياتها شديدة التعقيد، فكان عليها أن تتحمل كثيرا من العمل الشاق، وضغوطا من القناة وأهلها على حد سواء.

يستعرض الفيلم بمونتاج سريع حياتها الصاخبة السريعة، والضغط الشديد الذي قادها إلى أزمتها النفسية، وهي لا تتذكر كثيرا من تفاصيل تلك السنوات.

وعندما ذكّرتها إحدى زميلاتها في الفيلم بأنها كانت متكبرة ولئيمة أحيانا، بدا التأثر واضحا عليها، فاعتذرت لهن بصدق كبير، ولكل الذين يُمكن أن تكون قد آذتهم في سنوات ضياعها.

محاكاة الشخصية الفنية

تتذكر الممثلة "رافين سيموني" مشاعرها وهي طفلة، وما عاشت تحته من الضغط عدة سنوات، فتقول: كنت أريد أن أنجح وأستمر حتى أرضي أبي، فقد أصبح الفن عندي وسيلة لإرضاء أهلي.

وبدا جليا أن العمل الفني قد شوّش مشاعر الطبيعية كثير من الأطفال المشتغلين في الصناعة الترفيهية، وتلاعب بثقتهم في أنفسهم، فتتذكر الممثلة "أليسون ستونر" -وكانت نجمة في طفولتها- أن طريقة المكياج التي استخدمت في دور تلفزيوني مهم لها، كان له دور في التأثير على ثقتها بنفسها، وبدأت تسعى في حياتها الحقيقية لأن تكون نفسها شبيهة بالشخصية التي كانت تمثلها.

يرتكز الفيلم على ثروة تلفزيونية وسينمائية ضخمة، وقد حاور نجوما مهمين فتحوا قلوبهم للفيلم، وعادوا إلى سنوات طفولتهم، وما زالت آثارها ماثلة في حياتهم، بل إن كثيرا منهم يتلقى العلاج النفسي حتى اليوم.

الممثلة "رافين سيموني"

وحسنا فعل الفيلم، عندما ركز على ظاهرة جديدة، وهي اشتغال الأطفال في قنوات على مواقع التواصل الاجتماعي، وهي ظاهرة لا تختلف في ظروفها وتداعياتها عن عملهم في صناعة الترفيه أيام التلفزيون والسينما، وقد شملتهم ولايات أمريكية بقانون "كوغان"، كحال أقرانهم في السينما والتلفزيون.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان