"الرسم في الظلام".. عبقرية أشرف أرماغان المكفوف الذي أبصر بيديه

كيف تصبح اليد جارحة يبصر بها المرء؟ في الفيلم الوثائقي الذي أنتجته الجزيرة الوثائقية "الرسم في الظلام" إجابة مذهلة.

فهو يعرض شيئا من سيرة الرسام التركي أشرف أرماغان، منذ ولادته عام 1953 في إسطنبول، فاقدا للبصر بعامل وراثي، إلى ما لقي من متاعب بسبب عاهته، ثم تحديه لها وليتمه، ليصبح رساما مبدعا يدرك العالم بحاسة اللمس، واستنادا إليها يبني عالما تشكيليا مميّزا، ويقيم عروضه في شتى عواصم العالم.

رسام كفيف يقتحم فنا بصريا

يصاب كثيرون بأمراض تفقدهم البصر في بواكير حياتهم، ومع ذلك يمنحهم إبصارهم في ذلك الزمن الوجيز ذاكرة بصرية، يتخذونها طرازا يشكلون منه صورا افتراضية لما يحيط بهم من الكائنات والأجسام لاحقا.

ولنا في سيرة طه حسين التي يعرضها في "أيامه" خير مثال، ولكن حالة الرسام أشرف أرماغان مختلفة، فهو لم ير النور يوما، ولم يستعمل جارحة البصر، ولم يحظ بهذه الذّاكرة البصرية.

الرسام التركي أشرف أرماغان

وأمثاله في العالم كثيرون، ولكن وجه الغرابة والتميّز في الآن نفسه أنه سيبدع في الفن التشكيلي. والمفارقة أنه يقتحم فنّا بصريا يعتمد على الألوان، واللون يُعرّف فيزيائيا بأنه ظاهرة بصرية ناتجة عن تفاعل الضوء مع المادة، فما نراه ليس إلا انعكاسا لموجات من الضوء، نتيجة لتفاعله مع الأجسام التي يسقط عليها.

رسم لتحدي الإعاقة وتحديد شكل الأشياء

يعود بنا الفيلم إلى طفولة الرسام أشرف أرماغان، وإلى بداية "عاهته"، فيذكر أنّه لم يكن يدرك معنى الإبصار، ولكنه يتذكر تحذيرات والديه، مثل "لا تفعل كذا، احذر أن تصطدم بكذا، فهو في طريقك"، فكان يتساءل لماذا يخصانه هو بمثل هذه العناية؟ ثم أدرك شيئا فشيئا أنه يفتقد إلى حاسة الإبصار مقارنة بغيره.

أشرف يتكلم عن الرسم لجماهير المبصرين

وسيكون لهذا الإدراك أثره في المبدع الذي سيُنحت في ذاته لاحقا، فلم يكن يرسم في البداية بغاية الرسم، ولم يكن يصوغ مفردات التشكيلية، ليحاكي عناصر العالم الخارجي انطلاقا منها، أو ليعرض رؤيته بها إلى العالم، فغايته كانت أبسط من ذلك بكثير.

إعلان

لقد كان يرسم ليحدّد شكل الأشياء الخارجي، ويمنحها صورة ذهنية تساعده على التعرف عليها وعلى ما يحيط به من عناصر الكون، والحاجة أمّ الاختراع كما يقول المثل. فعلّته تلك جعلته يدرك تلقائيا ما بين الحواس من التفاعل، بحيث يمكن أن يعوّض بعضها بعضا، وجعلته يتخذ من يديه عينين تبصران العالم!

ولمّا كان الآخرون ينبهرون بما يرسم، أو لا يصدّقون أنه هو من خط تلك المشاهد على أوراقه، بدأ يدرك أنه يبرع في الرسم، فتحول الرسم في ممارسته من الاستجابة إلى الحاجة، إلى الإبداع لتحقيق الذات.

ولكن كيف يحدد الأشكال وهو لا يراها؟

عالم من الألوان يكتسح الظلام الدّامس

وجد الطفل أشرف أرماغان في حاسة اللمس بديلا عن البصر، فانطلاقا من استعماله ليده كان يحدّد بعض سمات الموضوع المرسوم، منها الحجم والعناصر المشكلة له، ثم يعمل على نقل هذه المعلومات إلى اللوحة لاحقا، ولا شك أنه لا يدرك معنى اللون، لأنه يعيش في عالم الظلام الدّامس.

كان الصبي يرتب أقلامه بتدرجها اللوني، فإذا احتاج إلى اللون الأصفر مثلا، يذهب إلى خانة بعينها في حاملة أقلامه، ولكن العجيب أنه منح رسومه التباين الضروري بين مكوناتها، وأعجب من ذلك أنه تميّز بأسلوبه في خلق التناظر بين المُشرق منها والدّاكن. كما أنه لم يجنح إلى الرسم التجريدي، وهو أيسر لمن لا يرى، فتنزع رسومه بجلاء إلى الرسم التشخيصي الذي يحاكي عناصر من الواقع.

بألوان زاهية يرسم أشرف أرماغان لوحاته التي يشعر بها مع أنه لا يراها

ويبدو الرسام واعيا بذلك بجلاء، فيردّه إلى رغبته في أن يبرهن لنفسه ولغيره أنه قادر على تعويض حاسة الإبصار، باعتماد جوارح وحواس أخرى.

ولكي يطور رسومه ويمنحها الانسجام الضروري، ينصحه العارفون باعتماد المنظور، تلك التقنية المعقدة في الرسم، وأنى له ذلك وهي تقوم على كثير من التجريد والقواعد، التي تضبط النسب بين العناصر المرسومة، وفقا لبعدها عن الناظر، ووفقا للمسافة التي تفصل بينها، وهو البصير؟

نصف ساعة لاستيعاب تقنية قلبت تاريخ الرسم الغربي

يطلب أشرف أرماغان علم المنظور في جامعة مرمرة، فيقصدها ويسأل القائمين عليها عن سر هذه التقنية، التي ستجعله يسيطر على مساحته التشكيلية المسطحة، ويمنحها القدرة على الإيحاء بالعمق، وخلق ذلك البعد الثالث فيها.

مصطلح المنظور مستقى من اليونانية، ومعناه الرؤية الصحيحة، يفيد تمثيل ما تدركه العين من الأشياء والأجسام والأشكال والأحجام على المساحة المسطحة ثنائية الأبعاد، تبعا لبعد النّاظر منها وموطن الإدراك وزاويته، فيعطينا انطباعا بأننا نرى المشهد من نافذة تنفتح على العالم، وفق تشبيه "ألبرتي" ذائع الصيت.

أشرف أرماغان يطلب علم المنظور في جامعة مرمرة

على أن هذا الإيهام بالعمق لا يتعلّق بالأشكال فحسب، بل بالألوان والأصباغ والظلال، وهكذا يتسنى للوحة المحدودة أن تستوعب الفضاء المسترسل الذي لا نهاية له.

وفي جامعة مرمرة، يأخذه أستاذ ويشرح له كيفية تمثيلنا لطريق قائم أمامنا، فيكون متسعا، ثم يتقارب جانباه كلما ابتعدا، ليشكلا ما يشبه الحرف اللاتيني A. وكانت نصف ساعة من مثل هذا الشرح المبسّط كافية ليستوعب التقنية، التي قلبت تاريخ الرسم الغربي في عصر النهضة.

موت الأب.. ذروة الأزمة التي قادت إلى الانفراج

في عام 1993، أصيب والد أشرف بسرطان أتى عليه سريعا، فبقي بلا سند، وقد كان غنيا برعايته وحنوّه عن الناس، فعاش بعده الفاقة والجوع. وفي ذروة الأزمة جاءه الفرج الذي سيغيّر حياته، ففي تلك الأثناء نُظم معرض في جمهورية التشيك، واختير أشرف للمشاركة فيه، وكان يومئذ الرسام التركي الوحيد بين المشاركين.

إعلان

ولظروفه الخاصّة، قررت الدولة أن ترسل معه "جوان إيرونغال" لترافقه، فتيسر تواصله مع الآخرين، فهي مُدرسة للغة الإنجليزية، ولها خبرة في التعامل مع المبصرين.

جوان إيرونغال رفيقة أشرف أرماغان

حينها تعرفت عليه واكتشفت قدراته جيدا، فقد كان يرسم مباشرة أمام الزوار، فيذهلون لقدرته ولخصوصية رسومه، وذلك ما دفعها للتعاقد معه لتكون مديرة لأعماله، وتقدم له الخدمات الكثيرة، البسيط منها كأن تقتني له الأدوات الضرورية، والجليل خاصّة. فتعمل بعلاقاتها على تقديمه للأتراك أولا وللعالم ثانيا.

بعد سنتين من التعاقد معه، استطاعت "جوان" حجز مكان للوحاته بمعرض مهم في نيويورك، وهناك أجريت حوله بحوث مختصّة، وكُتبت عنه مقالات أكاديمية، فأصبح حديث المهتمين بالرسم في العالم بأسره، وكان رساما مهملا ومغمورا.

وهو لا ينكر فضل "جوان" عليه، فيقرّ بأن حياته شطران، الأول ما قبل معرفة "جوان "، والثاني ما بعد لقائه بها.

"أنت ترى ولكنك تخدعنا بالتظاهر بالعمى"!

يذهب النّقاد التشكيليون إلى أنّ أشرف أرماغان لا ينتمي إلى مدرسة فنية بعينها، فمع أن نزعته واقعية، فإن السريالي ليتسرب إلى منجزه، ولا تخلو لوحاته أحيانا من لمسة تجريدية، وهو على العموم يرسم بفطرته.

تقول عنه رسامة ناقدة: هو يرسم بيديه، فيجسّد ما يجول بقلبه، ويقبض على الشعور أكثر مما يدور في ذهنه من أفكار.

وهذا بديهي فالرسّامون عموما يرسمون من منطلق ذاكرتهم البصرية، وما يخزنون فيها من تجارب السابقين. أما هو، فلا ذاكرة بصرية له.

لوحة أشرف أرماغان الشهيرة "عازفة البيانو" تدب فيها الحياة

ولكن كيف يخطط للوحاته وهو لا يصطنع قلم الرصاص، ولا يستطيع رسم الخطوط الأولية في اللوحة، وتحديد عناصرها الرئيسية، قبل البدء بالتفاصيل والألوان، كما يفعل عامّة الرسامين؟

تدفع الحاجة أشرف إلى ابتكار أسلوبه، فيلصق الخيوط، ثم يتحسسها بأنامله، لتحديد الهيكل العام في مفرداته التشكيلية، وتساعده عبقريته في مراعاة نسبها وأبعادها، وفي إنشاء تأثيرات الضوء والظل في اللوحة، مما يضيف إليها عمقا وواقعية.

وفي حديثه مع مديرة أعماله حول مشروعه لرسم "عازفة البيانو" مثلا، كان يفكّر في مصادر الضوء، ويخطط لكيفية التحكم فيها وفي انعكاسها على الأشياء. ومثل هذه العبقرية ما جعل الناقدة تقول له جادّة أول معرفتها لرسومه سنة 1985: "أنت ترى ولكنك تخدعنا بالتظاهر بالعمى"!

تجربة أشرف في ميزان علم الخلايا العصبية

لا مراء في أنّ عبقرية أشرف أرماغان عجيبة، ولكنّ علم الخلايا العصبية يساعدنا إلى حدّ في فهمها، فالحواس كلها -بصرا وسمعا وشما ولمسا وتذوّقا- تمثل مستشعرات يلتقط بها الإنسان معلوماته عن العالم الخارجي، ووفقها يفسر المرء المعلومات التي تستقبلها حواسه تفسيرات شتى.

واستنادا إلى خبراته السابقة، يبني أشرف المعاني التي يراها مناسبة، ولكنه وغيره من فاقدي البصر منذ الولادة يفتقرون إلى هذه الخبرات، ويجعلهم تعطّل هذه الحاسة يعتمدون بقية الحواس، ويحفزونها لتنوب عنها ما أمكن.

أشرف أرماغان يرسم لوحاته أمام ذهول الحاضرين

وكثيرا ما يقال إنّ الكفيف يرى بأذنيه، فيختزل المحيط الخارجي في محيط سمعي، يمده بأقصى قدر ممكن من معلومات عن بيئته، ويساعده على تكوين صورة ذهنية ما، تتضمن معارف حول المسافة والاتجاه، وغير ذلك من الخصائص الفيزيائية لهذا المحيط، لكنّ شغف أشرف بالرّسم جعله يحفّز حاسة اللمس.

على أنّ هذا الفهم المستند إلى علم الخلايا العصبية -بكثير من التبسيط- لا ينفي عبقرية الرّجل الفذّة، فليس بمقدور كل كفيف أن يبدع في رسم لوحاته، اعتمادا على حاسة اللمس فقط، أو اعتمادا على وصف الآخرين للعالم من حوله.

محاضرات الفنان الملهم في جامعات العالم

يقول كاتب السيناريو الأمريكي الشهير "سد فيلد": في اللحظة التي تبحث فيها أنت عن حكاية لفيلمك، تأكد أن حكاية ما تبحث عن كاتب يخرجها إلى النور.

إعلان

وقصة أشرف أرماغان كانت هذا اللقاء المثمر بين المخرج والسيناريو، ليقدم لنا سيرة رسّام كفيف، استطاع تحدي إعاقته البصرية، فطوّر حاسة اللمس، لتمنحه إدراكا فضائيا متطورا للغاية، وأبدع بها أعمالا فنية جميلة من جهة تشكيلها، عميقة من جهة محتواها، فكان نموذجا فريدا للرسم بالبصيرة لا البصر، انطلاقا من الروح قبل العقل.

فيلم "الرسم في الظلام"

ثم جمع بين الموهبة والإصرار، ليجعل سيرته قصة ملهمة، دفعت الجامعات والمؤسسات الثقافية إلى دعوته، لإلقاء محاضرات تلهم الناس، وتحفزهم على الإيمان بالذات والمثابرة والعزيمة، وأنشأ مؤسسة تساعد الأطفال المكفوفين على تعلم فن الرسم.

من هذه الناحية، يكتسب الفيلم قيمته المضافة، ولكن لعل العودة إلى شغف أشرف في طفولته بالموسيقى، كانت ستساعدنا في فهم عبقريته أكثر، وتعرّفنا على بعض محفزاتها.

فقد بدأ العزف صغيرا على الباغلاما، وهي آلة موسيقية تركية عتيقة، تتسم ألحانها بالتناغم في هدوء، بما يجعلها سمة مميزة للموسيقى الصوفية التركية. والوصل بين العزف والرّسم يجعلنا ندرك أنّ أشرف كان يحوّل هذا الإيقاع السمعي إلى إيقاع بصري في رسومه.

أشرف أرماغان ينشئ مؤسسة تساعد الأطفال المكفوفين على تعلم فن الرسم

وخير مثال على ذلك لوحة "الصرخة" التي يعرضها الفيلم، فوجود الدلافين والشعاب المرجانية ذات الألوان الزاهية من جانبي اللوحة، يمنحها إيقاعا وتوازنا، يوحيان بالسلام والسكينة، ويعبّران عن رؤية الفنان للعالم، ممزوجة بالخيال والإبداع.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان