وائل حلاق: "الانتفاضة العظمى" عالمية وإدارة جامعة كولومبيا باعت روحها للشيطان

المفكر الكندي وائل حلاق
أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة كولومبيا وائل حلاق اعتبر المشكلة كامنة في النموذج الغربي، والحاصل في جامعة كولومبيا هو تصغير لمشهد مشكلة الحداثة (الجزيرة)

قدم وائل حلاق أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة كولومبيا والمفكر العربي البارز والغزير الإنتاج، في حواره مع الجزيرة نت رؤيته حول ما أسماه بـ"الانتفاضة العظمى" التي اندلعت في غزة منذ السابع من أكتوبر 2023؛ حيث يوضح حلاق أن هذه الانتفاضة ليست مجرد رد فعل محلي ضد إسرائيل، بل هي حركة عالمية تعكس تحولا معرفيا يعيد صياغة الأفكار والمواقف العالمية تجاه القضية الفلسطينية؛ حيث يرى أن هذه الانتفاضة أظهرت هشاشة إسرائيل وأثبتت أن استمرار وجودها يعتمد بشكل كبير على الدعم الأميركي، مما أضعف أسطورة "إسرائيل التي لا تقهر" للمرة الثالثة منذ عام 1948.

كما شدد حلاق على أن "الانتفاضة العظمى" لم تكن فلسطينية فحسب، بل إنها تجاوزت الحدود الجغرافية والسياسية لتصبح حدثا عالميا يستقطب اهتمام ودعم شعوب متعددة. ويرى أن هذه الانتفاضة، على عكس سابقاتها، حصلت على أوسع دعم شعبي عالمي، مما يعكس تحولا مهمّا في الوعي العالمي تجاه القضية الفلسطينية. يعتبر حلاق أن هذا التحول هو بداية لتحول معرفي أعمق يتجاوز الوعي السياسي التقليدي ليشمل الأبعاد البنيوية للحداثة المتأخرة وأزمة الرأسمالية العالمية.

وبخصوص الاحتجاجات المرتبطة بالجامعات الأميركية والتي بدأت في جامعة كولومبيا التي يدرِّس فيها الأستاذ المفكر وائل حلاق، فإنه يرى أن الاحتجاجات الطلابية ضد سياسات جامعة كولومبيا تُعد تجسيدا لمشكلة أعمق في النظام الأكاديمي الحديث، حيث تحولت الجامعات إلى مؤسسات تجارية تهتم بالمال أكثر من التعليم والفكر الأكاديمي. يشير حلاق إلى أن رئيسة جامعة كولومبيا، نعمت شفيق، ليست مؤهلة لرئاسة جامعة عريقة كجامعة كولومبيا لأنها تفتقر إلى البعد الأكاديمي، وأن اللوبي الإسرائيلي يهيمن عبر المانحين على سياسات الجامعة لذا فإن المشكلة كامنة في النموذج الغربي. والحاصل في جامعة كولومبيا هو تصغير لمشهد مشكلة الحداثة، فإلى الحوار:

  • هناك من يرى أن القضية الفلسطينية تشهدُ انعطافة مهمة، بفعل اندلاع احتجاجات طلاب عديدة ضد "الإبادة" التي يقترفها الاحتلال الإسرائيلي ضد المدنيين بغزة، هل هذا صحيح؟

بادئ ذي بدء، وقبل أن أجيب على سؤالك، اسمح لي أن أصوغ مصطلحا جديدا يعبِّر عما يحدث في غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول؛ والاصطلاحُ الذي يعبّر عن الوضع هو "الانتفاضة العظمى"، هذا المصطلح ليس شعارا ولا تعبيرا بلاغيا، بل هو اصطلاحٌ يحمل في طياته بِنيات الفكر والفعل التي برزت إلى الواجهة منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023.

"الانتفاضة العظمى" ليست فلسطينية فقط، وليست ضد إسرائيل فقط، رغم أن مركزها قد يكون في غزة، إلا أن موجات الصدمة التي أحدثتها عالمية

"الانتفاضة العظمى" ليست فلسطينية فقط، وليست ضد إسرائيل فقط، رغم أن مركزها قد يكون في غزة، إلا أن موجات الصدمة التي أحدثتها عالمية. تتمتع "الانتفاضة العظمى" بعدد من الميزات التي تجعلها علامة بارزة في التاريخ الحديث؛ أولاً، أظهر قطاعُ غزة الصغير والضعيف في هذه المعركة ضعف إسرائيل وهشاشتها، أكثر من أي معركة أخرى جمعت بين إسرائيل وجيرانها، حيث أثبتت غزة أنَّ إسرائيل حينما لا تكونُ محمية بشكل دائم من قبل الولايات المتحدة، فإنها معرضة للهزيمة بسهولة، لتتحطم أسطورة "إسرائيل التي لا تقهر " للمرة الثالثة (بعد عامي 1973 و2006)، أكثر من أي وقت مضى، حتى بعد أشهر من هجوم حماس في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، فإن استمرار وجود السفن الأميركية في البحر الأبيض المتوسط واستمرار إمداد الولايات المتحدة بالأسلحة والقنابل هي مؤشرات واضحة على أن إسرائيل لا تستطيع بمفردها مواصلةَ الحرب وإنهاءَها دون الدعم الهائل القادم من الولايات المتحدة الأميركية  التي تُعدُّ مُعيلها الحقيقي.

ثانياً، لقد خلفت "الانتفاضة العظمى" أكبر حجم من الخسائر البشرية في كلا الجانبين، وذلك رغم وجودِ فارق شاسع في حجم هذه الخسائر؛ فإسرائيل لم يسبق لها أن خسرت هذا العدد من الأفراد في عملية عسكرية واحدة، ولم تشهد فلسطين هذا العدد من الشهداء في حرب واحدة.

ثالثًا، شهدت "الانتفاضة العظمى" انخراط عدد كبير من الأطراف تجاوز أي صراع آخر في الشرق الأوسط، كما تم الاشتباكُ فيهِ بشكل مباشر مع الاستثمارات العسكرية والإستراتيجية لحماس وإسرائيل والولايات المتحدة ولبنان واليمن وإيران وسوريا والعراق وبعض دول الاتحاد الأوروبي. كما شهدت أقسى الانتقادات التي وصلت لحدّ قطع العلاقات الدبلوماسية من قبل عدد كبير نسبيا من الدول، شملَ بوليفيا وتشيلي وكولومبيا والأردن والبحرين وهندوراس وتركيا وتشاد وبليز، وجنوب أفريقيا التي تصدرت بدورها الحراك الدبلوماسي والقانوني تجاه إسرائيل وذلك بإحالة إسرائيل إلى محكمة العدل الدولية.

"الانتفاضة العظمى" عظيمة لأنها، على عكس الانتفاضات السابقة، حصلت على أوسع دعم شعبي عالمي في تاريخ التحرير الوطني الفلسطيني منذ عام 1948

وأخيرًا "الانتفاضة العظمى" عظيمة لأنها، على عكس الانتفاضات السابقة، حصلت على أوسع دعم شعبي عالمي في تاريخ التحرير الوطني الفلسطيني منذ عام 1948.

هذه السمة الرابعة على وجه الخصوص تحمل أهمية خاصة، ربما تتجاوزُ كل السمات الأخرى، لأنها ليست مجرد تحول سياسي في المواقف الشعبية، بل هي بالأحرى تحول معرفي ملحوظ يتمُّ التقاطه عبر معاناة الضحايا الفلسطينيين، ويدلّ عليهِ، ويُعليهِ إلى الصدارة.

الأهم من ذلك، أنها تظهر كبنية، وهنا أريد أن أوضح هذه النقطة: تعدُّ "الانتفاضة العظمى" تحولا معرفيا لأنها رمزية، وتجسد اختبارا حقيقيا للمشاكل البنيوية للحداثة المتأخرة. عندما هتف بعض المتظاهرين الأميركيين البيض في الولايات المتحدة "كلنا فلسطين"، لا ينبغي لنا أن نفسر ذلك باعتباره مجرد شعار سياسي. هذه العبارة تحمل معاني معرفية عميقة. لذا، للإجابة على سؤالك بجملة واحدة: نعم، تشكل الأشهر السبعة الأخيرة تحولا مهمّا في الوعي العالمي، وفي الواقع في أنماط المعرفة في الحداثة المتأخرة.

  • هل يمكنك توضيح ما تعنيه بـ"التحول المعرفي"؟ ما الذي يجعلها معرفية وليست سياسية فقط؟

الوعي هو المعرفة التي تسمح لنفسها بأن تُقَيَّم. يمكن أن يكون الوعي سطحيا، كما يمكن أن يكون عميقا. يمكن أن يكون وعيا بالقضايا الأساسية العادلة، مثل أن توقع دولة أو شعب الظلم على دولة أو شعب آخر. فكرة أن أقلية ما مضطهدة من قبل أغلبية في بلد معين هو مثالٌ على هذا الوعي السطحي، الذي يظهر وجود تناقض ظاهري يتجسد في حالات عديدة مثل أن ينتقد الأميركي الأبيض عشرات القوانين المطبقة في إسرائيل والتي يعرف أنها تقوم بشكل فاضح على التمييز ضد مواطنيها الفلسطينيين (من عام 1948)، ومع ذلك قد يكون مؤيدا قويا لإسرائيل. هذا النوع من الوعي أو الإدراك هو وعي وإدراك سياسي، بسبب تحمله لوجود التناقضات بداخله، سواء كانت مخفية أو بارزة؛ لذا كنتُ دائما أصر على أن التحليل السياسي يتسم في العموم بالسطحية، حيث يغفلُ عن العديد من مستويات المعنى الأعمق.

وهكذا يمكن أن يكون الوعي أعمق، حيث يمكن أن يحمل دلالات معرفية، بمعنى أن الظواهر السياسية الملموسة مرتبطة بنيويا بالأصل الذي أوجدها جينولوجيا، والسياقات الأوسع التي أُنشئت بداخلها؛ حيث إذا أراد ذلك الأميركي الأبيض تعميق معرفته من المستوى السياسي إلى المستوى المعرفي، فعليه أن يطرح سلسلة من الأسئلة بناءً على الحقيقة القائمة التي تقول إن إسرائيل تمتلك أكثر من 50 قانونا قائما على التمييزِ ضد الفلسطينيين، حيث تتشكل لديه أسئلة من قبيل لماذا تقوم إسرائيل، التي تدعي أنها ديمقراطية، بهذا التمييز المتعمد ضد مواطنيها؟ ما تاريخ هذا التمييز؟ ما العلاقة بين هذه القوانين والسياسات العامة التي تبنتها إسرائيل والإجراءات التي اتخذتها منذ نشأتها كمشروع سياسي؟ هل تعكس هذه السياسات بنية معرفية وإدراكية ما؟ ما خلفية هذه المواقف من حيث نظرة الحركة الصهيونية تجاه العرب في فلسطين؟ ماذا الذي كانت تتبناه الأيديولوجية الصهيونية فيما يتعلق بمن -أو ماذا- كان الفلسطينيون؟ كيف كان قادة الصهيونية ينظرون إلى السكان الأصليين للأرض؟ كيف كانوا يرون أنفسهم في المقام الأول؟ هل كانوا يرون أنفسهم كأبناء الأرض أو كمستعمرين؟ وإذا كانت الأخيرة (مثل القائد الصهيوني المهم زئيف فلاديمير جابوتنسكي الذي وصف المشروع الصهيوني بصراحة كمشروع استعماري)، فما الخطوات البنيوية التي اتخذتها الحركة الصهيونية لإزالة وجود الفلسطينيين من أرض فلسطين؟ عندما أقول "خطوات بنيوية"، فإنني هنا أعني موجات من المواقف والأفعال المتسقة بشكل متعمد مع بنية سلوك ورؤية عالمية معينة واسعة.

بما أنني قد ذكرت سابقًا، أن الوعي هو المعرفة التي تسمح لنفسها بأن تكون مُصنَّفة. وإذا كانت نظرية المعرفة فئة من الوعي، كما هي بالفعل، فإن نظرية المعرفة يمكن تصنيفها أيضا. لذلك، فإن القوانين التمييزية في إسرائيل ضد مواطنيها الفلسطينيين تبدو مخيفة على ضوء الفهم الأعمق بأن تاريخ إسرائيل متشابك مع مشروع منهجي لإزالة الفلسطينيين من أرضهم. إذا فهم الناس هذا التاريخ، فلن يفاجئهم ما تفعله إسرائيل الآن في غزة، مهما كانت أفعالها وحشية. في الواقع، كما كتبت في السابق، فإن ميلَ إسرائيل نحو الإبادة العرقية مبثوثٌ في الحمض النووي للصهيونية.

إلا أنه تجدر الإشارة إلى أن ما تم ذكره ليس سوى المرحلة الأولى من فهم معرفة القضايا الأعمق المرتبطة ببنية المأساة التي يعانيها الفلسطينيون منذ أكثر 76 عاماً؛ وعليه فإن "الانتفاضة العظمى" هي حركة دولية بفعل ربطها المعرفي بين هموم الشباب العالمية والمعاناة المحلية للفلسطينيين في غزة والضفة الغربية. هنا يكتسب شعار "كلنا فلسطين" معنى خاصّا، وهو معنى يربط غزة بفهم بيئي بنيوي، ما بعد استعماري، وما بعد حداثي لعالمنا. ولا يفهم هذا أو يشعر به أحد أكثر من شبابنا اليوم! فهم أكثر انسجامًا مع هذا الخطاب مقارنة بالأجيال الأكبر سنّا لأنهم من قُدِّرَ لهم أن يدفعوا ثمن خطايا سلفهم.

تخيَّل نفسك شخصا أميركيا عاديا في سن الشباب، لنقل ما بين 18 و30 عاما. وُلِدتَ لأبوين ميسورَي الحال، لديهما ما يكفي من الموارد لإرسالك إلى جامعة جيدة، ومعارفك محدودة ليس فقط عن فلسطين ولكن عن كل شيء آخر، ومع ذلك، تنظر حولك وترى صورة قاتمة. قد ترى أولا الصعوبات المباشرة في العلاقات الأسرية والروابط الاجتماعية: والِدين مطلقين، أعمام وعمات مطلقين، وأسر مفككة في كل مكان. صعوبات في الحفاظ على العلاقات مع الأصدقاء والأحبة، وأحيانا العجز التام عن إيجاد هذه العلاقات، وبالأخص الحميمية منها؛ حيث تمسي النساء مشغولات جدّا بمهنهن لدرجة إهمالهن لخصوبتهن، وكذا قلق الرجال الشديد على أمنهم المالي بفعلِ مخاطر الزواج، ناهيك عن حالة الرعب التي تنتابهم بخصوص كل ما هو مرتبط بالالتزام، وخاصة أنَّ الزواج يتطلب الكثير من التضحيات من كلا الطرفين، ولا أحد مستعد للقيام بها.

ترى أن العمل، أصبح شكلاً آخر من أشكال العبودية المنتشرة في كل مكان تقريبًا، حيث يقضي المرء حياته بين جنبات المكتب، وأي استراحة أو وقت فراغ ("إجازة") يتمّ قضاؤه فقط للتعافي من صدمة إرهاق العمل. ترى عالما تكسب فيه مالا جيدا لتنفقه على العلاج و"الذهاب للإجازة" بحس انتقامي، وغالبا ما يتضمن ذلك تعاطي المخدرات، واستهلاك الكحول بشكل مفرط، كشكل من أشكال "الهروب" العديدة. لتبدأ باكتشاف السوق، التي تزداد تمؤسُساً، وتتحكم في حياتك، من خلال أوهام الحصول على الثروة، والأمن، والتأمين، والمعاشات التقاعدية، والعديد من الأحلام الأخرى التي في الغالب لا تتجسد أبدًا.

ترى أيضًا وابلًا من الأخبار بشكلٍ يوميٍ، عن الحروب والإبادات الجماعية والتقارير التي لا تنتهي عن تدمير البيئة. ترى الأزهار تتجمد في مايو وحتى يونيو، وترى موجات حر في نوفمبر وديسمبر. كما ترى الفيضانات تجتاح الكوكب الذي ترتفعُ درجاتُ حرارتهِ بشكلٍ غير مسبوق. ترى عالماً قد يتسببُ فيهِ تغيرُ الطقسِ فقط لإصابة الناس بالمرض، ناهيك عن الحساسية، وتلوث كل شيء آخر تقريبًا بما في ذلك الهواء والماء والطعام، وبما أنك ذكي، فسوفَ تبدأ في التفكير بأن معظم طعامنا المسموم أيضًا، يتم إنتاجه من قبل الشركات الكبرى، وهي نفس الكيانات التي تصنع كل شيء نقومُ باستهلاكه، ولكنها في نفسِ الوقت تُعدُّ ربَّ عملنا؛ حيث نعملُ بشكلٍ تام ودائم تقريبا لصالح تلك الشركات، سواء كانت مستشفى، أو مصنعا، أو بنكا، أو حكومة، أو حتى مدرسة أو جامعة، ولنصبح مدمنين على العمل ننفق ما نجنيه على منتجات الشركات التي حبستنا في شبكتها حتى نظلّ نعمل ويتم استغلالنا في المقام الأول. ومنه تفهم أن هذه الشركات لا تمتلك ضفافا تحُدّ جشعها القاسي؛ حيث جعلت من المال والربح أسمى أهداف ومقاصد الحياة وذلك على حساب القيم الإنسانية.

تنظر حولك وترى زيادة مقلقة في مشاكل الصحة العقلية، حيث يعاني أصدقاؤك وأفراد عائلتك من مجموعة واسعة من المشاكل النفسية، ليقابلها تزايدُ الأرقام التي تنفَق كل عام على الأدوية النفسية التي تصلُ لمليارات من الدولارات، كما ترى انتشار تعاطي وإدمان المخدرات والكحول والجريمة في كل مكان.

كل هذا مجرد تمهيد لاكتشافك التالي: أنكَ لا تعرفُ تقريبًا أي شيء عن "مشاكل" الشرق الأوسط، بل لم تسمع حتى عن غزة من قبل كثيرًا، لا تعرف حتى من هم الفلسطينيون. ولكن في صباح أحد الأيام، في السابع من أكتوبر، تستيقظ على أخبار تنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي وشبكات الأخبار عن حدث كبير، عن غزو عسكري لإسرائيل، وعن أطفال يُزعم أنهم أُحرقوا في الأفران ونساء يُزعم أنهن تعرضن للاغتصاب من قبل مقاتلين إرهابيين إسلاميين. الأخبار درامية للغاية لدرجة أنك تبدأ في متابعتها يوميّا، إن لم يكن على رأس كل ساعة. ثم تكتشف بسرعة أكاذيب السياسيين وتراجعاتهم، بما في ذلك قادتنا الموقرون. لم يُحرق الأطفال في نهاية المطاف، ولم يُغتصب أحد، لكن السياسيين يستمرون في ترديد الأكاذيب رغم إقرار العالم تقريبا أنها كذلك. إن قادتك السياسيين، الذين كنت تُكِنُّ لهم القليل من الاحترام من قبل، يظهرون الآن كمجموعة من الكاذبين، لتبدأ أوهامك في التحطم.

ولكن سرعان ما تسمع تعهدات قادة إسرائيل البارزين بتحويل غزة إلى خلاء، وترى بعدها المجازر والدماء، والأطفال الرضع والصغار قتلى ومشوهين تحت أنقاض المباني على شاشتك، لتبدأ في إدراك أن الادعاءات حول "الأطفال في الأفران" هي مجرد تبريرات لقتل الآلاف من الأطفال الفلسطينيين.

ثم تسمع عن تدمير للمساجد والكنائس والجامعات، تسمع عن المستشفيات التي تحولت إلى ساحات قتل ومواقع للاغتيال والإعدام الجماعي، التي قُتل فيها الأطباء والممرضون بقدر ما يقتل فيها المرضى والنساء والرجال، والفتيات والفتيان، ترى تحولَ الروائيين والشعراء والمفكرين والفنانين والصحفيين والمبعوثين أممياً إلى أهدافٍ للطائرات الحربية والمدافع والقناصة الإسرائيلية. ليتحولَ المشهدُ لساحة يُقتل فيها مئات المدنيين يوميا، لتبدأ في التفكير بأن ما يحدث ليس حربًا، وعليه فإن ما يحدث بالتأكيد ليس حربا دفاعية، بل هو شيء يتعدى ذلك بكثير، لتبدأ بإدراك أن إسرائيل لا تسعى فقط للقضاء على أهالي غزة، بل يتعدى سعيها نحو القضاء على سائرِ الفلسطينيين.

ثم تسمع أبرزَ المسؤولين الإسرائيليين يهددون في تصريحاتهم -بكل صراحة- بعزمهم على إبادة الفلسطينيين جميعاً، وبعدَ أقل من شهرين من بداية الهجوم، تبدأ بإدراكِ أن ما يحدثُ ليسَ حرباً؛ لأن الحرب تكون بين جيشين. إنها عملية واضحة لتدمير حياة المدنيين من طرف واحد. الفارق بين الضحية والجاني جليٌّ، كجلاءِ النهار والليل والخير والشر، ولأن الشر تجلى لك بألوانهِ الكاملة البشاعة، فقد اجتاحتكَ صدمة لامست أغوارك.

لكن الشر معقَّد، لأنهُ ليس مجرد سعي مرضي للإجرام المنبعث من نفسٍ مريضة تعبِّر عن شرٍ بسيط، الشر المعقد متشابك مع أمراض أخرى؛ حيث تبدأ في التفكير أن ثَمَّ أمراضا أخرى مادية، أو -بالأحرى- أمراضا رأسمالية، لتبدأ في فهم أمراض شخصيات أمثال جيف بيزوس وإيلون ماسك، حيث لا مفرَّ لهؤلاء الأشخاص من أن يكونوا مرضى في عقولهم وقلوبهم ليكونوا قادرين على اقترافِ ما يقترفونه، من سوء استغلال للعمال وتدميرٍ للعالم من حولهم، لكنْ هناك نوع موغِل في الشرِ أكثر؛ إنه شر تدمير أمة بأكملها من أجل الاستيلاء على أراضيها وثرواتها من الموارد الطبيعية.

تسمع في العديد من مقاطع "تيك توك" التي تتحدث بشكلٍ كاشفٍ كمية البيعِ الهائلة وغير المسبوقة للأسهم والأوراق المالية الإسرائيلية، وذلك قُبَيْلَ هجوم السابع من أكتوبر مباشرة، لتسأل نفسك: ما الذي يحدث؟ كيف تمكن بضع مئات من الرجال محدودي التجهيز والتسليح من اختراق الجدار الأمني الإسرائيلي الحصين؟ ما الذي حدث حقًّا؟ هل كانت إسرائيل على علم بعملية الاختراق الوشيك؟ ما الذي يفسر هذا الضعف الإسرائيلي غير المعهود؟

تستمر سلسلة الأخبار في التكشف: الآن تسمع أن إسرائيل تخطط لحفر قناة النقب لتحل محل قناة السويس لتحقق من ورائها أرباحا طائلة، كما أنها تخطط بالفعل لإنشاء جزيرة قبالة سواحل غزة وتحويل شواطئ غزة إلى منتجعات وشقق فاخرة مملوكة ومدارة من قبل الإسرائيليين، حتى يتمكن الأوروبيون والأثرياء من إنفاق أموالهم هناك، والتمتع بالشمس على الشواطئ التي استولى عليها الإسرائيليون بالإبادة الجماعية التي ساهمت حكوماتهم في جعلها ممكنة.

على الرغم من أنك أميركي أبيض من أصل نقي، فإنك تبدأ في رؤية الوجه القبيح للإمبراطورية؛ حيث ترى أن بلدك يساعد بلدا آخر عبر تزويده بأسلحة دمار شامل، على الرغم من أن العالم كله يعلم أن ما يحدث لا يقل عن كونه إبادة جماعية. ثم تسمع عن مليارات الدولارات من المساعدات التي ترسلها الولايات المتحدة إلى إسرائيل، فقط لمساعدتها على ارتكاب المزيد من أعمال الإبادة الجماعية. ثم تدرك أن أموالك هي التي تُستخدم لارتكاب تلك الإبادة، أموال تُنفق بدون موافقتك، لتبدأ في الشعور بالغضب الشديد.

تسمع أيضًا بعض المعلقين، الذين يُطلق عليهم "الخبراء"، يوضحون أن كل هذه المليارات لا تذهب إلى إسرائيل فقط لأن إسرائيل ملزمة بشراء أسلحتها من الولايات المتحدة، بل هي عملية إعادة تدويرٍ للأموال داخل المجمع الصناعي العسكري سيئ السمعة، لتتساءل لماذا تجعل حكومة الولايات المتحدة مثل هذه المساعدات العسكرية مشروطة بهذا الشرط؟ لا يستغرق الأمر وقتًا طويلاً لتدرك أن المجمع العسكري الصناعي يتمتع بنفس قوة لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية المعروفة بـ"أيباك "(AIPAC) في وضع السياسيين الطامحين للحصول على مقاعد لهم، إما كأعضاء في الكونغرس أو كحكام للولايات أو رؤساء لدولتك، لتدرك أن "الشعب" لا يحكمُ بلدكَ كما علموك في المدرسة عندما كنت صغيراً، بل تديرهُ مجموعة من الشركات المتنمرة، والجماعات السياسية الأكثر ولاءً للحكومات الأجنبية من ولائها لبلدها.

تدركُ أن "وول مارت"، و"أمازون"، وحتى "إكسون" و"يونيون كاربايد" "ليسوا" أسوأ وجوهِ الشر، بل هناك ما هو أسوأ؛ فإذا كانت "يونيون كاربايد" قد قتلت العديد من الناس من خلال سوء معالجتها الكيميائية، فإن بلدًا مدعومًا من حكومتنا وأموالنا يقتل الآن شعبًا بأكمله، يجزهم عمدًا كما يجزُّ العشب جزًّا بارتكابه الإبادة الجماعية.

لتبدأ في رؤية أن "من" يقف وراء الكثيرِ من الشرورِ هي الأموال الضخمة والشركات الكبرى الطامحة للربحِ فقط، حتى وإن "كلفهم" ذلك إحداثَ إبادة لشعب بأكمله، وإحداثَ نزاعٍ فقط لبيع الأسلحة لأحد المتنازعين، أو لكل أطراف النزاعِ في أحايين كثيرة، كما لا يتوانون في تغذية القومية العرقية والشوفينية الوطنية فقط من أجل الربح، لتستنتج أيضا، أنهم على استعداد لتدمير البيئة وإبادة أنواع بكاملها، ثم تدرك أن جميع مراكز القوة متصلة، وأن الأقوياء يعملون معا مثلما تصطاد الأسود معًا -أو في بعض الأحيان- يقاتلون ضد بعضهم البعض كقتالِ الأسود للحصول على حصة أكبر من الفريسة.

الآن، تفهم تماما أن الأقوياء، سواء كانوا بيضا، أو سمرا، أو سودا أو صفرا، جميعهم ينتمون إلى جماعة واحدة، إلى عائلة واحدة. ثم تتغير رؤيتك للواقع تماما، تبدأ في القول: إنَّ الأمر لا يرتبطُ فقط بالسياسة، أي بالأعداء والأصدقاء السياسيين، بل لا يرتبطُ حتى بالأمن الوطني، بل هو في الواقع يتعلق بتحالف كبارِ الأقوياء الذين يمتلكون في أيديهم الجيوش والقوات العسكرية التي لا تجسدُ سوى وسيلة لتحقيق غاية، تتجاوزُ الحرب والدفاع عن الوطن، بل هي لعبة أكبر تتمثلُ في امتلاكِ القوة من أجل القوة، على غرارِ من يكتنزُ المالَ فقط من أجلِ المال، والأمران في الواقع شيء واحد. الآن تقف مذهولًا وتقول "انتظر لحظة هذا لا معنى له، بل ليس منطقيًا حتى، هل هناك من يمشي من أجل المشي فقط؟ من يتحدث من أجل التحدث فقط؟ إنها قمة اللاعقلانية."

الآن، بعد أن قطعت هذا الشوط، يمكنك الادعاء بأن وعيك قد أصبح معرفيًا، وأنك بدأت تفهم ما حدث من حولك، في جميع أنحاء العالم. الآن تربط بين تدمير البيئة، وانهيار النسيج الاجتماعي، وتفريغ النفس البشرية من الداخل، وبين القوى الكبرى التي تحكمنا، مع الدولة، والشركات، والرأسمالية، والجشع وراء امتلاك الثروة والسلطة.

ولكن عليك كذلك أن تدركَ أنَّ هذا الفهم الذي امتلكتَه لا يتجاوز مستوى المدرسة الثانوية، قد تشعر بالإحباط، لأن الأمر استغرق منك وقتًا طويلاً وجهدًا كبيرًا لفهم هذه الأمور العديدة، ومع ذلك يُقال لك إنك لا تزال في بداية الطريق إلى امتلاكِ الفهم الكامل. قد تسأل بإحباط، ما الذي ينقصني لإتمام الفهم؟

يُقال لك إن هناك مستوى أعلى من الفهم، مستوى يجبُ أن تبدأ فيهِ بطرح الأسئلة الصعبة مثل: لماذا على هذا الوضع أساساً؟ ما الذي جعل الكثير منا يبلغُ هذه الدرجة الخطيرة من الشر؟ لماذا تطورت القوة البشرية بهذه الطريقة؟ لماذا نحن أول البشر في تاريخ البشرية البالغ 300 ألف سنة من يدمرُ كوكب الأرض، ولماذا ننافقُ حينما نصفُ عصرنا بـ"عصر التقدم"؟ وأعلى مستوى من الإدراك المعرفي هو عندما تسأل، أيها الشاب أو الشابة الذكية، السؤال: من نحن حقّا؟ أي نوع من البشر أصبحنا؟

أستطيع أن أشير لك إلى بعض الإجابات، لكنني سأتوقف هنا، لأنني أردتُ فقط توضيحَ ما أعنيهِ بالتحول المعرفي، أما الإجابة على الأسئلة الأخيرة حول الإنسانية فتتطلب تحولًا آخر أسميه بـ"التحول الأخلاقي"، هذا التحول هو أرقى وأسمى أشكال الإدراك البشري، حيث يتسامى على كل شيء آخر بما في ذلك البعد المعرفي، وهو موضوع آخر تمامًا قد نخصصهُ لوقت آخر، ولكن نقطتي التي سعيتُ إلى إظهارها هي أن "الانتفاضة العظمى" حركة عالمية التقطت التحول المعرفي.

  • في كتاباتك القيمة نجدك تنوهُ بدور "المؤسسات التعليمية" باعتبارها إحدى أدوات الأدلجة التي تستعملها الدولة الحديثة لِبثِّ سردياتها الكبرى، وإنتاج "النخبة" المؤهلة للدفاع عن أيديولوجية الدولة الحديثة، ما أثرُ ذلك بما يحدث في الجامعات الأميركية بخصوص القضية الفلسطينية؟

اسمح لي أن أوضح نقطتك بشكل أكثر وضوحًا، ثَمَّة شيء نسميه في وقتنا الحاضر بـ"المجتمع"؛ هذا الأخير ليس ظاهرة طبيعية، بل تطورت بشكلٍ عضويٍ عبر القرون والسنوات بشكل مستقل. المجتمع منتجٌ من المنتجات التي صنعتها الدولة، وذلك على غرارِ بعض المنتجات التي "صُنعَت في الصين" أو "صُنعَت في ألمانيا" أو في أي مكان آخر.

يشبهُ المجتمع الأطفال في الأسرة، حيث تتمُّ تربية الأطفال من قبل الآباء، وعليهِ الدولة تربي مجتمعها، وتطلق على أفراده اسم "المواطنين"؛ المواطن طفل الدولة، يعكس أيديولوجياتها وطموحاتها وثقافتها، لأن المواطن يتعلم في مدارس ينظمها قانون الدولة، ويتلقى العلاج في مستشفيات الدولة ويستفيد من خدمات الوكالات الاجتماعية وقوات الشرطة التابعة لسيادة الدولة، وعليه فإن  المواطن يتنفس بأنفاسِ الدولة، لهذا السبب لم نكتسب بعد معرفة نقدية كافية لنشكك في ممارسات الدولة ووكالاتها والمتعاونين معها مثل الشركات الكبرى التي يتم إنشاؤها وتمكينها من قبل الدولة. لهذا السبب سمحنا لمؤسساتنا بتدمير بيئتنا ومجتمعاتنا ونفسياتنا، لأننا أفرادُ مجتمع صالحون، لذا وثقنا بهم لفترة طويلة جدًّا، وقبلنا ما يفعلونه كما لو كانت أفعالهم لصالحنا وذلك رغم نفاد الوقت.

قد يتمرد في بعض الأحيان أطفال الدولة، على غرار كل الأطفال، خاصة عندما يكبرون ويشعرون بأنهم لم يعودوا أطفالًا صغارًا، وعندما يمارسُ عليهم ضغطٌ شديد. ولكن "أسرة" الدولة الحديثة التي يكون فيها المواطن طفلًا، ليست أسرة بالمعنى المعتاد؛ وهي بالتأكيد ليست أسرة طبيعية، مما يمنح للأطفال سببًا كافيًا للثورة ضد آبائهم. لقد أثبت الآباء في هذه الحالة أنهم مسيئون، بتدميرهم للبيئة من حولهم، يتسمونَ بقسوة في سلوكهم، تتجسدُ تجاه أطفالهم.

أعتقد أن هذه الموجة من الاحتجاجات، المتمثلة في "الانتفاضة العظمى"، ستكون دفعة أخرى ستؤدي في النهاية إلى انهيار النظام وتحوله. لذا آمل أن يكون هذا التحول غير عنيفٍ وفي الاتجاه الصحيح، ويعتمد ذلك على ما نقوم به هنا والآن.

لنشهد اليوم انقساما كبيرا بين بعض الأطفال والآباء، لا يعود هذا الانقسام فقط إلى الوعي السياسي الذي تحدثت عنه سابقا، بل هو ناجمٌ عن تصدعات عميقة تخفي تحتها استياءً اجتماعيًّا واقتصاديًّا أعمق.

برزت هذه الانتقادات بالفعل في أواخر الستينيات، عبرَ الاحتجاجات القوية ضد حرب فيتنام، لكن الحبكة تزداد تعقيدًا الآن، حيث أظهرت الأنظمة الرأسمالية والدولية أمراضا لم تشاهَد من قبل، لتزدادَ قوةُ الإحباطات. أعتقد أن هذه الموجة من الاحتجاجات، المتمثلة في "الانتفاضة العظمى"، ستكون دفعة أخرى ستؤدي في النهاية إلى انهيار النظام وتحوله. لذا آمل أن يكون هذا التحول غير عنيفٍ وفي الاتجاه الصحيح، ويعتمد ذلك على ما نقوم به هنا والآن.

تحول الجامعة إلى هيئة مؤسسية يعني أيضًا توظيف "رجال أعمال" لإدارتها، ليسوا بأكاديميين أو مثقفين، كما كان الحال قبل الثمانينيات. القيادة الحالية لجامعة كولومبيا ليست قيادةً علمية، مما يعني أن روابطها بالتحقيق الفكري وروح الأكاديمية الحقيقية ضعيفة جدًا. نظرًا لأن الاهتمام الرئيسي لهذه القيادة هي المال ورأس المال، لذا فإن إدارة الجامعة تنحني لأولئك الذين يستثمرون في صناديقها، وبكلمات أكثرَ وضوحاً، فإن الجامعة تنحني لمن يدفعُ لها

  • رغم أن شريحة عريضة من العرب فرحت بسبب تعيين أكاديمية من أصول مصرية نعمت شفيق على رأس جامعة عريقة مثل جامعة كولومبيا، فإننا نجدها اليوم تطبق سياسات ضد العرب والمسلمين، هل نحن أمام مفارقة؟ أم أن الحداثة توظف هذه التناقضات من أجل تمرير سياساتها؟

تعد مشكلة جامعة كولومبيا بسيطة نسبيًا في فهمها، ومع ذلك، فإنها لم تبدأ بعد السابع من أكتوبر، بل في الواقع قد بدأت قبل بضعة عقود؛ وذلك عندما بدأت الجامعات في جميع أنحاء العالم، في التحول إلى مؤسسات تجارية على غرارِ الشركات بفعلِ زيادة وتيرة البيروقراطية، وهو أمرٌ غيرُ مفاجئٍ أبداً.

لقد كانت المكاسب المادية والمالية القيمة الأولى منذ بدء مشروع الحداثة قبل أكثر من 3 قرون، وهي محددات تم تحديدها بشكلٍ حاسمٍ بالفعل في مشروع الحداثة؛ تحول الجامعة إلى هيئة مؤسسية يعني أيضًا توظيف "رجال أعمال" لإدارتها، ليسوا بأكاديميين أو مثقفين، كما كان الحال قبل الثمانينيات. القيادة الحالية لجامعة كولومبيا ليست قيادةً علمية، مما يعني أن روابطها بالتحقيق الفكري وروح الأكاديمية الحقيقية ضعيفة جدًا. نظرًا لأن الاهتمام الرئيسي لهذه القيادة هي المال ورأس المال، لذا فإن إدارة الجامعة تنحني لأولئك الذين يستثمرون في صناديقها، وبكلمات أكثرَ وضوحاً، فإن الجامعة تنحني لمن يدفعُ لها، وهنا يجبُ التذكر بأن انفجار التبرعات للجامعات، الكبرى خاصة، انعكست على رواتب الإداريين التي تضخمت كذلك.

لم يصبح مسؤولو الجامعات رجال أعمال فقط بل أصبحوا خدماً مطيعين للنخبة السياسية؛ لهذا السبب استعانت رئيسة جامعتنا بشرطة نيويورك لمهاجمة طلابنا، وإيذائهم وضربهم، واعتقالهم وتوجيه التهم لهم. بعبارة أخرى، ملف السيدة شفيق يحوم كله حول الاقتصاد والمال، خال من البعد الأكاديمي العميق في العلوم الإنسانية الذي يجب أن يمتلكه كل أكاديمي مميز حقيقي. شفيق مؤهلة لرئاسة بنك ولكنها ليست مؤهلة لرئاسة جامعة، وبالتأكيد ليست مؤهلة لرئاسة جامعة بحجم جامعة كولومبيا.

لأن شفيق تفتقر إلى الشجاعة للدفاع عن الحرية الأكاديمية؛ بسببِ السماحِ للمانحين لجامعة كولومبيا بالسيطرة على الجامعة وتحديد سياساتها وممارساتها وفقًا لأولوياتهم السياسية، وهنا تجبُ الإشارة إلى أنّ المانحين جزء من اللوبي المؤيد لإسرائيل "أيباك" المعززِ بالكثير من المال والكثير من القوة لدرجة أنهم قادرون على التلاعب بسياسات الولايات المتحدة، في الداخل والخارج، والجامعة أمست جزءًا لا يتجزأ من بنية السلطة هذه.

يجب أن نفهم حقيقة سياسية أساسية مفادها أنَّ النظام السياسي الأميركي معروض للبيع والمزايدة عليه، لأن نظامنا هُندسَ على هذا النحو، لذلك فإنَّ مكمَن المشكلة في عدمِ إمكانية بيعِ دولة-أمة نفسها لأولويات أمة أخرى

يجب أن نفهم حقيقة سياسية أساسية مفادها أنَّ النظام السياسي الأميركي معروض للبيع والمزايدة عليه، لأن نظامنا هُندسَ على هذا النحو، لذلك فإنَّ مكمَن المشكلة في عدمِ إمكانية بيعِ دولة-أمة نفسها لأولويات أمة أخرى، وهو ما تم شرحهُ بنجاعة بالفعل من قبلِ أكاديميين كبار على غرار "جون ميرشايمر" (John Mearsheimer) و"ستيفن والت" (Stephen Walt) من خلال كتابهما "اللوبي الإسرائيلي وسياسة الخارجية الأميركية"؛ حيث أظهرا أن السياسة الأميركية المتبعة تجاه إسرائيل لا تخدم مصالح الولايات المتحدة بل تخدمُ إسرائيل وحدها، لأنها ببساطة وكما يعرفُ الجميع تسيطرُ على الولايات المتحدة. وإدارة جامعة كولومبيا ليست سوى نموذج مصغر لـ"لعبة القوة" المفرغة من الأخلاق، وبعبارة أخرى: إدارة الجامعة إدارة باعت روحها للشيطان.

المصدر : الجزيرة