يختزن تاريخا عريقا.. ماذا تعرف عن مسجد تينمل الذي دمره زلزال الحوز؟

مسجد تنمل بعد الزلزال تينمل...قصة مسجد صمد تسعة قرون ودمره زلزال الحوز عبد الغني بلوط
زلزال الحوز دمر معالم أثرية بارزة منها مسجد تينمل (الجزيرة)

مراكش – بدا الباحث في التاريخ هشام لحرش حزينا خلال تصفحه صور مسجد تينمل التاريخي مدمرا بفعل الزلزال الذي ضرب المغرب مساء الجمعة الماضي، ليعود به الزمن إلى حقبة تاريخية كان فيها المسجد مركز نسيج سكاني وعمراني مزدهر، ومنطلق جهاد سلاطين الموحدين في الأندلس.

وفي حديث للجزيرة نت، يقول لحرش "زلزال الحوز أصاب الناس في مقتل، لكن ذلك لا يمنع التعاطف مع البنيان الذي يعد جزءا من حياة الإنسان وحضارته".

ويضيف لحرش "مسجد تينمل ليس مجرد ما تبقى من أسوار وقباب تبرز عظمة البناء الموحدي، بل يختزن بين جنباته ذكرى من جلسوا أمام محرابه ليقرؤوا أول مرة الحزب الراتب (حلقة جماعية لتلاوة القرآن) الذي ما زال يصدح به في مساجد المغرب حتى اليوم، ليكون أول مسجد في بلاد الغرب الإسلامي تسن فيه هذه السنة الحميدة".

حصر الأضرار

ويواصل المغرب حصر الأضرار التي لحقت بالمباني الأثرية، في حين وصلت لجنة من اليونسكو إلى مدينة مراكش لتنسيق الجهود مع السلطات المختصة من أجل وضع خطة لإعادة الأماكن الأثرية إلى حالتها الأولى.

ويعد مسجد تينمل أكثر المباني تضررا من الزلزال بحكم وجوده في منطقة جبلية، وظل صامدا 9 قرون قبل أن ينهار أمام قوة طبيعية قاهرة الجمعة الماضي.

وفي حديث للجزيرة نت، تقول محافظة موقعي أغمات وتينمل الأثريين نادية البورقادي إن "الزلزال أحدث أضرارا كبيرة في أجزاء مسجد تينمل، وسيجري لاحقا تقييمها بدقة، فلم يعد بالإمكان بلوغه حاليا بسبب صعوبة الوصول إلى الموقع ووعورة المسالك، في حين لم يصب موقع أغمات بأي سوء".

وتضيف الخبيرة في التراث "مسجد تينمل الأعظم، الموجود بجماعة تلات نيعقوب الجبلية، تراث فريد ومثال متميز للعمارة الموحدية، إذ يتسع بالعرض أكثر من العمق، وتتخذ صومعته التي توجد وراء المحراب شكلا مستطيلا، ويقصده الباحثون في الآثار والحضارة ونوع خاص من السياح المهتمين بالسياحة الثقافية والمتأثرين بما حدث له".

ويعرف عن المسجد، الذي بني عام 1148 م في حقبة الخليفة الموحدي عبد المؤمن بن علي، ببعده الروحي والحضاري، حيث شيّد تخليدا لذكرى الزعيم الروحي للموحدين المهدي بن تومرت المدفون بموقع تينمل، المهد الثاني للحركة الموحدية بعد موقع إغليز، ومنه أطلق ابن تومرت دعوته لبناء الدولة الموحدية.

مسجد خربوش2 تينمل...قصة مسجد صمد تسعة قرون ودمره زلزال الحوز عبد الغني بلوط
مسجد تينمل أحد أكثر المباني تضررا من الزلزال بحكم وجوده في منطقة جبلية (الجزيرة)

دمار بمساجد ومنازل تاريخية

بدوره، يعبر خبير الآثار الإسلامية عبد الله فلي، في حديثه للجزيرة نت، عن أسفه لما وقع لمسجد تينمل، الذي كانت أشغال ترميمه جارية على قدم وساق بشكل يحفظه معلما متميزا في تاريخ العمارة الدينية بالعالم الإسلامي.

ويصف فلي ما طال المسجد من دمار كبير بالمؤلم، داعيا إلى تقييم وضعه لتأمين ما بقي منه وحفظه ثم إعداد مشروع متعدد التخصصات لترميمه.

ويفيد فلي في السياق ذاته بأن عملية تقييم الأضرار التي مست التراث المعماري بالمناطق المتضررة جراء الزلزال، انطلقت السبت الماضي ولم تنته بعد، لافتا إلى وجود أضرار ببعض المساجد والمنازل التاريخية في مراكش وتارودانت وأغادير.

وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مشهد صومعة مسجد الكتبية خلال الزلزال، وعلمت الجزيرة نت من مصادر موثوقة وقوع تصدعات ببعض جدران المسجد الذي أُغلق في وجه المصلين أسوة بمساجد تاريخية تضررت، أبرزها مسجد خربوش بساحة جامع الفنا والذي تضررت صومعته بشكل ظاهر، ومسجد مولاي اليزيد الذي سقط جزء من محرابه.

ويتابع أستاذ التعليم العالي عبد الله فلي أن جامع الكتبيين تاريخي وأساسي في تراث المغرب الوسيط، وهو معاصر لمسجد تينمل، ووفرت له الدولة الموحدية جميع عناصر المتانة والجمالية، خاصة في بنائه بأحجار ضخمة وبتقنيات متميزة، أما مسجد خربوش فهو مسجد صغير حديث لا يتوفر فيه طابع الرسمية وتقنيات بنائه مختلفة عن غيره، حسب توصيفه.

خريطة للمواقع الأثرية المتضررة من الزلزال والمناطق التي يحتمل أن تكون آثارها تعرضت لأضرار غير محددة بعد (الحزيرة)
خريطة للمواقع الأثرية المتضررة من الزلزال والمناطق التي يحتمل أن تكون آثارها تعرضت لأضرار غير محددة (الحزيرة)

جهود الترميم بمشاركة اليونسكو

وأعلنت المديرة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) أودري أزولاي، عبر حسابها في إكس، وصول بعثة من المنظمة إلى مراكش بهدف حصر الأضرار في مجالات التراث والتعليم، وجعل المباني آمنة، والاستعداد لعمليات إعادة الإعمار.

ويؤكد فلي أن حضور البعثة مهم لتنسيق الجهود مع الجهات المغربية لتقييم الوضع، ثم إيجاد آليات العمل لحفظ وإعادة تأهيل المعالم المتضررة.

ويتابع "التراث ملك لجميع المغاربة، ولكن قطاع الثقافة هو الوصي على التراث وتدبيره إداريا وتنسيق التدخلات من أجل المحافظة عليه بشتى السبل".

تاريخ ممتد عبر العصور

ويعود بنا الباحث لحرش إلى التاريخ ليبرز أن مسجد تينمل كان آخر مسجد في الغرب الإسلامي تشد منه ألجمة الخيل وتوضع فوقها السروج للعبور نحو الأندلس جهادا ومرابطة.

ويضيف "كان ذلك سنة خلفاء الموحدين الجارية، إذا عزم الخليفة على العبور نحو الأندلس جهادا أو مباشرة الحكم في كرسي الدولة الثاني وعاصمته الصيفية إشبيلية، أن يزور قبر الخليفة سلفه ويقيم بالمسجد حفلا دينيا، لا يعوقه في ذلك تقطع السبل بين عاصمة الدولة مراكش وتينمل".

ويتابع لحرش "ما تبقى من المسجد شاهد على عظمة المغاربة الذين صنعوا مجدا في الماضي، وسيصنعون مجد الحاضر ويعيدونه إلى حالته الأولى".

المصدر : الجزيرة