"كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك".. موسوعة النظام الإداري لدولة المماليك

مسجد السلطان الناصر حسن في حي الخليفة بجوار قلعة الجبل تأسس خلال حقبة حكم المماليك البحرية لمصر (الفرنسية)

شهدت أواخر النصف الأول من القرن السابع الهجري تطورات خطيرة وسريعة على الساحة السياسية المصرية، من حملة لويس التاسع ملك فرنسا على دمياط، وموت الملك الصالح نجم الدين أيوب، وتولية ابنه توران شاه الملك، ثم قتله وتولية شجرة الدر، ثم موت الملك عز الدين أيبك، إيذانا بنهاية دولة بني أيوب في مصر وقيام دولة المماليك.

وبعد كسر شوكة التتار والصليبيين سنة 690 هـ على أيدي المماليك، دخلت بلاد الحجاز والنوبة وبرقة وغيرها تحت السيادة المملوكية لتصبح جميعها دولة واحدة.

هذه المساحة الشاسعة من الأراضي احتاجت إلى نظام إداري محكم للسيطرة عليها وحمايتها، والاستفادة من خيراتها، واحتاج هذا النظام إلى كتب عامة وخاصة تيسر فهم سير العمل فيه، فضلا عن الكتب الجغرافية التي تصف الممالك التابعة للسلطنة.

عصر الموسوعات

ومع مطلع القرن الثامن الهجري ظهر عدد من الكتب الموسوعية في الإدارة والسياسة مثل كتاب محمود بن سليمان الحلبي (توفي  725هـ ) "التوسل إلى صناعة الترسل"، وصنف ابن فضل الله العمري (توفي 749 هـ) "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار"، و"التعريف بالمصطلح الشريف" و"عٌرف التعريف"، ووضع ابن ناظر الجيش (توفي 786 هـ) كتاب "تثقيف التعريف بالمصطلح الشريف"، وألف شمس الدين السحماوي (توفي 868 هـ) كتاب "الثغر الباسم في صناعة الكاتب والكاتم".

غلاف كتاب زبدة كشف الممالك
الجزء الأول حوى مجموعة فصول عن سيرة ابن شاهين ومؤلفاته وشعره (الجزيرة)

ونشطت حركة الكتابة والتأليف، فظهر عدد من الكتب في رسائل ديوان الإنشاء، والرسائل المتبادلة بين سلاطين المماليك وغيرهم من الملوك والأمراء، والمراسيم المتعلقة بالوظائف مثل كتاب "قهوة الإنشاء" لابن حجة الحموي (توفي 837 هـ) ومجموعة إنشاءات جمعها مؤلف مجهول، وهي مهمة جدا في دراسة العلاقات الخارجية المصرية زمن المماليك.

ومن الكتب الرائدة في هذا المجال كتاب "زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك" من تأليف الأمير غرس الدين خليل بن شاهين الظاهري الحنفي (توفي 873 هـ/1468م) الذي صدر حديثا في جزأين من دراسة وتحقيق الدكتور محمد جمال حامد الشوربجي، عن سلسلة التراث الحضاري التابعة للهيئة المصرية العامة للكتاب.

ومؤلف الكتاب هو المؤرخ المصري خليل بن شاه (شاهين) المولود بالقدس، حيث كان أبوه أميرا مملوكيا ودرس الحديث بالقاهرة والتحق بالجيش وتولى نظارة الإسكندرية ونقل إلى وزارة القاهرة في عهد السلطان الأشرف برسباي المملوكي، وسافر أميرا للحج المصري وتولى نيابة الكرك وأتابكية صفد ونيابة ملاطيا وأتابكية حلب وإمرة دمشق، وتوفي في طرابلس وله قرابة 30 كتابا أبرزها "المواهب في اختلاف المذاهب" و"الكوكب المنير في أصول التعبير" و"الإشارات على علم العبارات".

ويحوي جزء الكتاب الأول مجموعة فصول عن سيرة المؤلف ابن شاهين، ومؤلفاته وشعره، والتعريف بأهمية كتاب "زبدة كشف الممالك" أما الكتاب الثاني فهو حافل بكل ما يتعلق بالمؤسسات المديرة للدولة (الدواوين) مثل ديوان الدولة، وديوان الإنشاء الشريف، وديوان الجيش.. إلخ، أسماء ومسميات رؤساء هذه الدواوين، والتوصيف الإداري لهم، ويتوافق ذلك إلى حد كبير مع معطيات علم الإدارة الحديث.

والكتاب يؤكد أن حقبة المماليك هي عصر الموسوعات بلا منافس، فهو الزمن الذي أسس فيه ابن خلدون بمقدمته الشهيرة علم الاجتماع، وكتب القلقشندي "صبح الأعشى في صناعة الإنشا" وكذا كانت أعمال المقريزي وابن إياس والعديد غيرهما من أعمدة هذا العصر.

ولابن شاهين الظاهري عدد من الكتب عٌرِف منها "كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك" ومختصراته و"كوكب الملك وموكب الترك" و"المنيف في الإنشاء الشريف".

النظام الإداري والوصف الجغرافي

وكتاب "كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك" جاء في مجلدين ضخمين، رتبه مؤلفه على 40 بابا، ثم اختصره في 12 بابا، وهذه النسخة من الكتاب غير التي نشرها المستشرق بول رافيس بباريس سنة 1894م، بل هي أكبر، وتعد -بالمقارنة بالمختصرات الأخرى- الأكثر صدقية تحقيقا وتعليقا.

وترجم حياة ابن شاهين الظاهري ولده عبد الباسط الحنفي المؤرخ، وقال في ترجمته عند ذكر مؤلفه "كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك" (في مجلدين) إنه اختصره في نحو نصف حجمه، وسماه "زبدة كشف الممالك" ثم اختصر "الزبدة" في مجلد لطيف سماه "زبدة الزبدة".

و"كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك) يقدِّم صورة شبه مُتكاملة عن النظام الإداري والوصف الجُغرافي لدولة المماليك مُنتصَف القرن التاسع الهجري، ويعد المؤلف من أول من ضربوا بسهم وافر في علم إدارة الدولة، ويعود ذلك للخبرات الكبيرة التي توافرت لدى ابن شاهين الظاهري، الذي تنقَّل كثيرًا في وظائف الدولة كالوزارة، ودار الضرب وإمرة الحاج المصري ثم الشامي، وفي ولايات الدولة كنيابة الإسكندرية والكَرَك وملاطيا، وارتبط بصلات صُحبة وصداقة مع كثير من أعيان الديار المصرية والشامية والحجازية، فاكتسب من ذلك كله خبرة ناتجة عن المُشاهدة والمُشافهة والمُمارسة، وضع خُلاصتها في هذا الكتاب، ولهذا تفرَّد بكثير من المعلومات الجغرافية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.

وحرص ابن شاهين على ربط هذا العلم الجديد في عصره، وهو علم إدارة الدولة، بالمرجعية الدينية للبلاد حيث يقول "وجعلت فيه ما اقتُبِسَ من السُّنَّة النبوية والكتاب، وقرَّرهُ العُلماء والعارفون ذوو التجارب والألباب، ممَّن أبلى مُدَّته، وأبذل مُهجته في خدمة المُلوك ومُناصحتهم، وأطنب فيها غاية الإطناب".

وفي كشفه للممالك الخاضعة لدولة المماليك جُغرافيًّا وإداريًّا، أبرز المؤلف فضل الأماكن المقدسة بذكر الوارد فيها من الآيات والأحاديث والآثار، وبخاصة القدس التي أفاض في فضائلها وأخبارها القديمة، ولم يقتصر الكتاب على الكشوفات الجغرافية وتبيانها لدولة المماليك، ولم يقتصر على شؤون الحكم والإدارة، بل جاء بفصل ختامي عن أخبار الدهر، وبعض الفوائد الشرعية والطبية وغيرها، فكان أشبه بدائرة معارف شاملة.

سابق عصره

ولأهمية الكتاب في وصف المملكة المصرية ومكانة مؤلفه، يعد مرجعا أساسيا نقل عنه المتأخرون، فقد ذكر المؤرخ الروسي كراتشوفسكي أن الرحالة الفرنسي فرانسوا فولني (توفي 1820م) -الذي زار مصر والشام بين عامي 1873 و1875م- اعتمد على نسخة من الزبدة في تدوين رحلته، كما اعتمد عليه علي باشا مبارك في كتابه "الخطط التوفيقية".

ويروي ابن شاهين دوافع تأليفه للكتاب، قائلا "يقول العبد الفقير إلى الله تعالى خليل بن شاهين الظاهري لطف الله به.. إنني لما رأيت كثيرا من الناس يسألون عن أشياء كثيرة يقصدون معرفتها ليكونوا بذلك مميزين عن غيرهم.. فمنهم من سأل عن الدنيا ومسيرتها، وعن حوادثها وسيرتها، والعامر منها والخراب، وهيئة أهلها داخل السد وخارج الباب، ومنهم من سأل عن أشرف الأماكن والمزارات، وأعجب المدن والعمارات".

ويردف "ومنهم من سأل عن الخلافة وأعظم السلاطين، وما يتحلى به كل منهم ويستبين، وما يكتب لكل إنسان من ديوان الإنشاء الشريف، ومعرفة المراتب وما يستحقه متوليها من التشاريف، ومنهم من سأل عن الآداب والأنداب والتعليم، وأشياء منفردة لا يجوز المطاعنة فيها بل يستوجب التسليم، ومنهم من سأل عن الوظائف وتراتيبها وكيفية أحوالها وتجاريبها.. فأردت أن أوضح لكل ما أشكل عليه، وأبين له طرقا توصله إليه، فصنفت كتابا وسميته (كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك) يشتمل على تعظيم ملك مصر وسلطانها، وتفصيل جهاتها وأركانها..".

ويتابع المؤلف مفسرا "ثم إنني انتخبت من هذا الكتاب وسميته (زبدة كشف الممالك) كي لا يحصل للمتأمل منه الملل، بل يسهل له الوصول لكل مقصد وأمل، وجاء الباب الأول في تشريف ملك مصر، والثاني في وصف السلطنة الشريفة، والثالث في وصف أمير المؤمنين، والرابع في وصف الصاحب الوزير، والخامس في وصف أولاد الملوك، ونظام الملك الشريف، ونائب السلطنة الشريفة، وأتابك العسكر المنصورة، والأمراء مقدمي الألوف، والطبلخانات، والعشرينات والعشروات والخمسوات بالديار المصرية".

المطبخ الأسطورة لابن طولون

وأما الباب السادس فجاء فيه وصف أرباب الوظائف والأجناد القرانيس، الخاصكية (مماليك تابعين للسلطان) وبقية الممالك الشريفة السلطانية، وغيرها من التصنيفات الاجتماعية والإدارية.

وجاء بالباب السابع أن من أبهة الملك أن يكون متزوجا بأربع، وكل من تزوجها يطلق عليها لفظ "خوند" وذكر الطواشية (طبقة من المماليك) من روم وهنود وأحباش، ولكل جنس أسماء مخصصة، وخٌدَّام الستارة، ووصف الخزانة الشريفة بصناديقها التي تحوي الأموال والفصوص والذخائر المثمنة والأشياء العجيبة، و"السلاح خاناه" (خان السلاح) بما فيها من بكاتر وخوذ وسيوف بكل أنواعها المغربية والهندية والعراقية والعربية والفرنجية.

وفي الباب الثامن وصف البيوتات والمطابخ، بما فيها من ترتيب عجيب وطباخ وغلمان وأوان وقدور ومواعين، ويقال إن السلطان أحمد بن طولون كان بمطبخه 24 ألف صحن من الصيني اللازوردي، كل صحن قيمته 20 مثقالا من الذهب، وأن صِماط كافور الأخشيدي كان يمد به 2700 رطل لحم، و20 خروفا، و30 جدياً، و10 أزواج أوز، و100 طير دجاج، و10 أفراخ سمك طري، و300 صحن حلوى، وفي هذا الباب أيضا وصف للإصطبلات الشريفة، وركوب الميادين، ودوران المحمل، ومراحل الحجاز الشريف.

وجاء الباب التاسع في وصف كشاف التراب وعمارة الجسور والحفير والجرافة، وما تحتاج إليه البلاد عند فيض النيل وهبوطه، وفي الباب العاشر في وصف الممالك الشريفة الإسلامية، ووصف المدن بالبلاد الشمالية، والكٌفَّال والنواب والسادة القضاة، والأمراء والمباشرين، وأرباب الوظائف والجند، ووصف أمراء العربان ومشايخهم، وأمراء التركمان والأكراد، ومقدمي العشران وعشائرهم.

وفي الباب رقم 11 وصف للغزوات والتجاريد والمهمات الشريفة ونوادر اتفقت بالمملكة اليمنية، والديار البكرية (ديار بكر) والجزائر القبرصية. وأما الباب الأخير فهو عن حوادث الدهر التي من أهملها وقع في الضنك والقهر.

وتناول أيضا الجزء الثاني من الكتاب التراتبية الخاصة بكل وظيفة إدارية وموقعها من المركز السلطاني، خصوصا عند اجتماع هذه الدواوين من حيث الاقتراب أو الابتعاد جلوسا، وملبوس صاحب كل وظيفة.

غلاف كتاب زبدة كشف الممالك
تناول الجزء الثاني التراتبية الخاصة بكل وظيفة إدارية وموقعها من المركز السلطاني (الجزيرة)

الممالك الشريفة

ويقدم فصل في وصف الممالك الشريفة الإسلامية، ويتحدث عن الممالك الشامية والكركية والحلبية والطرابلسية والسكندرية والصفدية والحلبية والغزاوية والملطية.

وفي وصف عمارة المملكة الشامية، وأرباب الوظائف وترتيبها وما يليق بنظام الملك ونائب السلطنة، وما يليق بهم من الملبوس يقول "رأيت المقر الأشرف السيفي نوروز الحافظي كافل الشام المحروس، وكان بخدمته نيف عن 1500 مملوك، ويشتمل مصروفه كل شهر على 30 ألف دينار".

كما يحفل هذا الجزء بعشرات التفاصيل المتعلقة بالجهاز الإداري للدولة المملوكية، وآليات عمله، وفي الكتاب مادة غنية تتعلق بالمفروشات السلطانية وما وصلت إليه من عظمة وأبهة، سواء داخل المقر السلطاني بالديار المصرية، أو حين ارتحاله خارج الديار لسبب من الأسباب لمناطق أخرى من أراضي السلطنة.

المصدر : الجزيرة